وحدة الدراسات العربية والإقليمية

أزمات متجددة: مستقبل العلاقات بين المغرب وإسبانيا

مثلت استضافة إسبانيا للأمين العام لجبهة البوليساريو “إبراهيم غالي” لدواعٍ إنسانية وتلقّي العلاج والرعاية الصحية اللازمة على خلفية إصابته بفيروس كورونا، في الثاني والعشرين من أبريل 2021، نقطة تحول في خضم العلاقات الإسبانية المغربية، وخَلَقَ مشهدًا مضطربًا بين الجانبين، الأمر الذي أدى إلى استدعاء المغرب للسفير الإسباني وطَلَبِ تفسيرٍ من جانب إسبانيا حول تلك الواقعة.  وانطلاقًا من إعطاء “مدريد” الضوء الأخضر لأمين عام جبهة البوليساريو للدخول إلى أراضيها، برزت على السطح جملة من الملفات العالقة والخلافات المتجذرة بين الجانبين، وعلى رأسها نزاع الصحراء، وكذلك وضعية كل من مدينتي سبتة ومليلية، إلى جانب ملف الهجرة الذي بات يُمثل ضغطًا على الجانب…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

مثلت استضافة إسبانيا للأمين العام لجبهة البوليساريو “إبراهيم غالي” لدواعٍ إنسانية وتلقّي العلاج والرعاية الصحية اللازمة على خلفية إصابته بفيروس كورونا، في الثاني والعشرين من أبريل 2021، نقطة تحول في خضم العلاقات الإسبانية المغربية، وخَلَقَ مشهدًا مضطربًا بين الجانبين، الأمر الذي أدى إلى استدعاء المغرب للسفير الإسباني وطَلَبِ تفسيرٍ من جانب إسبانيا حول تلك الواقعة. 

وانطلاقًا من إعطاء “مدريد” الضوء الأخضر لأمين عام جبهة البوليساريو للدخول إلى أراضيها، برزت على السطح جملة من الملفات العالقة والخلافات المتجذرة بين الجانبين، وعلى رأسها نزاع الصحراء، وكذلك وضعية كل من مدينتي سبتة ومليلية، إلى جانب ملف الهجرة الذي بات يُمثل ضغطًا على الجانب الإسباني، وتلك التشابكات برزت بقوة في الخطابات الرسمية، مما يُعزز بصورة كبيرة الانزلاق إلى حافة الاضطرابات الممتدة والعودة لحالة الجزر مرة أخرى.

توقيت حرج

إن المتأمل لتوقيت استضافة مدريد لأمين عام جبهة البوليساريو يجد أنه يتزامن مع عدد من المتغيرات الأخرى الإقليمية والدولية يمكن توضيحها في الآتي:

  • تجمد التهدئة بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو من جهة، وتوتر العلاقة بين الرباط والجزائر من جهة أخرى، وذلك على خلفية غلق عناصر جبهة البوليساريو معبرَ الكركرات على خط الحدود المغربية الموريتانية في الرابع عشر من نوفمبر 2020، وما تبعه من حشد المغرب لقواته العسكرية لفتح هذا المعبر والتمركز على طول خط الحدود المشتركة.
  • الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الإقليم الصحراوي، رغم مساعي إسبانيا -وفقًا للعديد من التقارير- لإقناع إدارة “دونالد ترامب بالعدول عن هذا القرار، وما تبع القرار الأمريكي من خطوات إجرائية تمثلت في افتتاح قنصلية أمريكية في مدينة “الداخلة” مطلع شهر يناير 2021، وذلك ضمن تفاهمات أخرى تضمنت إعادة العلاقات المغربية الإسرائيلية.
  • يتزامن ذلك التوجه الإسباني الذي يوصف بأنه “منفتح” تجاه جبهة البوليساريو على حساب العلاقات مع المغرب، مع التوجه المستجد للرباط في فتح ملف السيادة على مدينتي سبتة ومليلية اللتين تخضعان للسيادة الإسبانية منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد برز ذلك في تصريحات المسئولين المغربيين كما هو الحال بالنسبة لتصريح رئيس الوزراء المغربي “سعد الدين العثماني” في ديسمبر من العام المنصرم الذي أبدى الرغبة في فتح ملف سيادة المغرب على تلك المدينتين.
  • إضافة للسابق، فإن التصعيد الذي وقع في خضم العلاقات المغربية الإسبانية، قد تزامن مع توتر جديد في العلاقات بين الرباط وبرلين منذ مارس 2021، وإعلان المملكة المغربية وقف جميع الاتصالات والمعاملات الرسمية مع السفارة الألمانية وكافة المؤسسات الأخرى ذات الصلة، والناجمة –وفقًا للخارجية المغربية– عن الأعمال العدائية الألمانية تجاه المغرب، علاوة على تشبث ألمانيا بتنفيذ قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الخاص بإجراء استفتاء على الصحراء الغربية، مما خلق تصدعًا في العلاقات المغربية الأوروبية بصورة عامة.

معضلة السيادة وجوهر التنافر

إن المتأمل لتعقيدات المشهد بين المغرب وإسبانيا يجد أنها تتبلور جميعًا تحت مظلة السيادة على الصعيدين، ويمكن توضيح ذلك في الآتي:

  • قضية ترسيم الحدود البحرية: لقد مثّلت خطوة الرباط في ترسيم حدودها البحرية منذ مطلع عام 2020، وإدخال تعديلات جذرية على المجالات البحرية الخاضعة لسيادة المملكة أهمها إدخال السواحل الصحراوية في المنظومة القانونية لتحديد منطقة الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، نقطة تصدع حيوية في العلاقات المضطربة أصلًا بين المغرب وإسبانيا، وتحمل في طياتها محاولة الرباط لفرض واقع جديد حول الصحراء، خاصة وأن تلك الخطوة كانت تحركًا أحاديًا من جانب المملكة المغربية دون التنسيق مع الجانب الإسباني، مما خلف توترًا في العلاقات الثنائية بين البلدين، وصل إلى حد التهديد برفع شكوى إلى الأمم المتحدة لعرقلة مساعي المغرب لضم مياه الأرخبيل الخاص بجزر الكناري إلى حدوده الرسمية، وذلك في ضوء ما أعلنه رئيس الحكومة المحلية لجزر الكناري “أنخيل فيكتور توريس” مطلع عام 2020.
  • السيادة على مدينتي “سبتة ومليلية”: اتصالًا بالسابق، فإن المساعي المغربية للاعتراف بسيادتها على المياه القريبة من جزر الكناري، وخاصة في مدينتي سبتة ومليلية اللتين تمتازان بالموارد الطبيعية، والذي برز في التصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء المغربي “سعد الدين العثماني” في ديسمبر 2020، شكلت احتكاكًا جديدًا بين البلدين، وهو ما أدى إلى استدعاء الخارجية الإسبانية السفيرة المغربية “كريمة بنيعيش” لدى “مدريد”.
  • توافق “مدريد” مع أطروحات “البوليساريو”: بالنظر إلى الزاوية الأخرى، نجد أن إسبانيا تتجنب بشكل جذري الحديث حول مدينتي سبتة ومليلية في تعاطيها مع المغرب نظرًا لحساسية ذلك الملف بالنسبة للجانب المغربي، إضافة إلى أن “مدريد” باتت تنتهج مسارًا إيجابيًا للتعاطي مع جبهة البوليساريو، وبرز بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة خاصة في تصريحات النائب الثاني لرئيس الحكومة الإسبانية “بابلو إجليسياس” في السابع عشر من نوفمبر 2020 التي دعا خلالها إلى أهمية تنظيم استفتاء تقرير المصير فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، وجاء ذلك تزامنًا مع أحداث الكركرات، ولم يكن هذا التصريح هو الأول من نوعه بل سبق أن دعا إلى أهمية إقامة علاقات دبلوماسية مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، علاوة على التصريح الصادر عن “إجليسياس” خلال الندوة الأوروبية الـ39 المنعقدة في عام 2014 والتي تتعلق بصورة جوهرية حول دعم الشعب الصحراوي والذي وصف الوضع بأنه حالة غزو مغربي على الصحراء الغربية بصورة غير قانونية، وهو الأمر الذي يُعد من جانب المغرب مساسًا بالسيادة المغربية.

تشابك المصالح والمعادلة الصعبة

هناك تشابك واضح في المصالح المتبادلة التي تجمع بين المغرب وإسبانيا والتي أكدتها مجموعة من الأطر التعاونية، أبرزها ما أكدته الاستراتيجية الإسبانية للعمل الخارجي (2021-2024) الصادرة عن وزارة الخارجية الإسبانية مطلع عام 2021 والتي وضعت المغرب شريكًا لإسبانيا، وأولوية في السياسة الخارجية لمدريد، وهو ما يتطلب معه انتهاج سياسات الحوار والتعاون بين الجانبين وتوسيعها لتشمل مجالات جديدة.

ولعل تلك الخصوصية راجعة لأسباب جيوسياسية، فلا شك أن الموقع الجغرافي يُشكل عامل حسم في خضم تلك العلاقات التي تدفع إسبانيا إلى إقامة علاقات متوازنة مع المغرب الذي يُمثل النطاق الجغرافي اللصيق بالحدود الجنوبية لإسبانيا، وهو أول دولة إفريقية تقع على حدود “مدريد” وتربطها بها علاقات تجارية قوية، وهو ما تفسره الزيارات الاستباقية لملك إسبانيا للرباط، إضافة إلى الثناء المستمر على العلاقات الثنائية، وقد جاء ذلك خلال كلمة وزيرة الخارجية الإسبانية “أرانتشا لايا” خلال “منتدى الاقتصاد الجديد” الذي انعقد في السادس والعشرين من يناير 2021 والتي وصفت العلاقات بــ”المتينة والناضجة”.

واتصالًا بالسابق؛ فإن ملف الهجرة يعد أحد ملفات التشابك بين الدولتين، وتجمعهما اتفاقية مشتركة للحيلولة دون الانزلاق في تفاقم الأزمة، وما يتصل بذلك الملف من فرار العناصر الإرهابية والإجرامية إلى الداخل الأوروبي، حيث تُعد المغرب شريكًا دوليًا في مكافحة الإرهاب.

وعلى المنظور الآخر؛ هناك تقارب بين كل من إسبانيا وجبهة البوليساريو يتمثل في رفض تلك الجبهة للقوانين التي صدرت مؤخرًا عن المملكة المغربية حيال قضية ترسيم الحدود، واعتبارها قرارات لا تحمل أي قيمة سياسية أو قانونية، وترى أنها بمثابة أداة استعمارية، وأصدرت بيانًا تضمّن أن ذلك القرار هو خرق واضح للقانون الدولي. وتعتمد الجبهة في طرحها على قرار محكمة العدل الأوروبية الصادر في ديسمبر 2016، والمتضمن اعترافًا بعدم امتلاك المغرب أي سيادة على الصحراء الغربية، وهو الأمر الذي يتماشى مع رؤية “مدريد” في هذا الأمر.

كما تسعى مدريد لتوسيع علاقاتها مع الجزائر كإحدى سياسات إرباك المشهد وتنوع الشركاء الأفارقة، علاوة على استخدامها كورقة توازن في التفاعلات مع المغرب، خاصة في ظل تزايد وتيرة الهجرة غير الشرعية، والضغط على الحدود الإسبانية عبر المغرب، وقد برز ذلك بصورة جلية في ارتفاع غير مسبوق للمهاجرين غير الشرعيين خلال شهر مايو بلغ نحو 8 آلاف مهاجر غير شرعي إلى مدينة سبتة، وهو ما يُعتبر سياسة ضغط لدى الرباط في تفاعلها مع إسبانيا، يقابل ذلك تحرك متسارع في تعميق العلاقات الإسبانية الجزائرية، وكذلك التعاطي الإيجابي مع جبهة البوليساريو، مما يُفهم منه أن هناك ضغطًا آخر على المغرب عبر ملف الصحراء الغربية، وقد اتضح ذلك التقارب بين “مدريد” و”الجزائر” في تزامن المشاورات الجزائرية الإسبانية التي وقعت بنهاية مارس 2021 إبان زيارة وزير الخارجية الجزائري “صبري بوقادوم” مع استقبال إسبانيا الأمين العام لجبهة البوليساريو وما تبعها من تأزم الموقف مع الجانب المغربي.

أوراق الضغط المتبادَلة

لعل التشابك في القضايا البينية بين “مدريد” والرباط، تتبعه جملة من أوراق الضغط من الجانبين لتحقيق مكاسب في تلك القضايا، ولعل تلك الأدوات تتمثل في الآتي:

  • الهجرة غير الشرعية: من الأدوات التي تمثل عبئًا كبيرًا على الجانب الإسباني وضغطًا على الحدود المشتركة، علاوة على أنها عنصر مؤثر على الأمن الداخلي الإسباني، وقد اتضحت تلك الإشكالية بصورة كبيرة في ظل تصاعد التصدع في العلاقات بين الجانبين خلال الفترة الراهنة، حيث شهدت إسبانيا خلال شهر مايو موجة من تدفقات المهاجرين غير الشرعيين؛ الأمر الذي دفع الجانب الإسباني لاستخدام القوة للحد من تلك التدفقات وعودة المهاجرين، وبرز ذلك الملف بقوة في حديث وزيرة الدفاع الإسبانية “مارجريتا روبلس” في إذاعة “آر. إن. إي” في 20 مايو 2021، حيث اعتبرت أن المغرب ينتهج سياسة ابتزازية حيال إسبانيا بملف المهاجرين، وتهيئة الظروف المناسبة لعبور الآلاف من المهاجرين غير النظاميين.
  • إغلاق الحدود: وذلك بغرض “خنق” المدن الإسبانية على الضفة الجنوبية للمتوسط، وتحديدًا مدينتي سبتة ومليلية، وقد برز ذلك بصورة كبيرة في توجه المغرب لغلق المعبر البري الجمركي “بني أنصار” على خط الحدود مع مدينة “مليلية” وكذلك إغلاق معبر باب سبتة الثاني “تارخال 2″، بذريعة تفشي فيروس كورونا. ولعل تلك السياسة تعتبرها “مدريد” بمثابة تهديد واضح لاقتصاد كلٍّ من سبتة ومليلية، خاصة وأن تلك المناطق التجارية والموانئ المختلفة بمثابة مداخل رئيسية لاقتصاد المدينتين، علاوةً على أن مصادر المياه الرئيسية التي تزود سبتة ومليلية تقع في المغرب.
  • الجالية المغربية في إسبانيا: تُعد إسبانيا ثاني دولة تستضيف جالية مغربية، وتلك الجالية تمر من خلال معبر “باب سبتة” الذي أغلقته الحكومة الإسبانية على خلفية جائحة كورونا، وبالتالي فإن “مدريد” تستغل ورقة الجالية للضغط على المملكة، خاصة وأن هناك تقارير تفيد بأن “عملية مرحبًا” الخاصة بعودة الجالية المغربية لبلادهم ربما يتم إلغاؤها.
  • التنمية والتعاون التجاري: على الزاوية الأخرى تستخدم إسبانيا وحلفاؤها الأوروبيون ورقة التعاون التجاري والاقتصادي الذي يُعزز من قوة الاقتصاد الوطني المغربي، والتي تندرج في برامج شراكة للتنمية المشتركة بين البلدين، للضغط عليها، خاصة وأن إغلاق معبر “باب سبتة” من جانب الطرف الإسباني أثر بصورة كبيرة على اقتصاد المدن المغربية التي تعتمد بصورة كبيرة في اقتصادها على تلك المدينة.

مستقبل مضطرب

مما سبق يمكن القول إن العلاقات المستقبلية بين المغرب وإسبانيا ستشهد حالة من التوتر السياسي، خاصة في ظل تفاقم حدة الصراع حول مسألة السيادة، وغياب الحدود الواضحة بين الجانبين، مما يتطلب العمل معه على بذل مزيدٍ من التنسيق المشترك، وانتهاج دبلوماسية الحوار والتفاوض للحفاظ على قدر من التواصل والتفاهم المشترك، ويمكن قراءة مستقبل العلاقات الثنائية في المسارات الآتية:

1– تحسن تدريجي: ينطلق هذا المسار في انتهاج استراتيجية السكون والعمل على تحقيق قدر من المقايضة السياسية بين تغيير إسبانيا لموقفها حيال موقف الصحراء الغربية الذي يتبلور في أهمية الامتثال والخضوع للقرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن والمتمثلة في اعتبار الصحراء الغربية منطقة لا تتمتع بحكم ذاتي والدعوة لإجراء استفتاء لتقرير المصير، والعدول عن هذا التوجه واتباع سياسة دعم الدينامية الإيجابية التي تتحرك في ضوئها المملكة المغربية والمتمثلة في الاعتراف بسيادة المغرب بصورة مطلقة على الصحراء الغربية، في مقابل الصمت المغربي حول سيادة إسبانيا وإدارتها لكلٍ من سبتة ومليلية، خاصة وأن فكرة المقايضة ليست حديثة العهد، حيث سبق لمجلس الحكام الإسباني تبادل الجيوب المتداخلة في كلا الدولتين، بحيث يتم تبادل سبتة ومليلية مع جبل طارق وذلك في عام 1811، غير أن هذا التوجه قد باء بالفشل، إلى جانب وقف تدفقات الهجرة غير الشرعية تجاه إسبانيا، وينبع هذا المسار من حرص الدولتين على استمرارية العلاقات الثنائية، خاصة في ضوء الأهمية الكبيرة للعلاقات بالنسبة للجانبين، علاوة على أن كلًا من سبتة ومليلية لهما أهمية ضئيلة بالنسبة للمغرب إذا ما تمت مقارنتها بملف الصحراء الغربية التي تُعد القضية الدبلوماسية الأولى للرباط منذ الاستقلال، وقد حققت استراتيجية تعليق المطالبة الإقليمية المغربية على تلك المدينتين منذ عام 2006 نجاحًا في تعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الجانبين، وهو ما جعل إسبانيا تنتهج موقفًا أكثر اعتدالًا بشأن الصحراء الغربية، قبل التطورات الأخيرة. ويُعد هذا المسار مسارًا منطقيًا بما يحققه من المصالح المتبادلة لكون العلاقة بين “مدريد” و”الرباط” هي علاقة مركبة ومتداخلة، فالأولى تُمثل الشريك التجاري الأول للمغرب، علاوة على كونها ثاني الدول الغربية التي تقطنها جالية مغربية، إلى جانب الالتزامات المتبادلة الناجمة عن الاتفاقيات الخاصة بمجال التعاون الأمني والهجرة.

2- تصعيد متبادل: وقد برزت مؤشرات ذلك المسار في ظل الصمت الإسباني حول الرد على استفسار المغرب بشأن دخول الأمين العام لجبهة البوليساريو داخل أراضيها، وما تبعه من تصعيد على مستوى الخطاب الرسمي بين الجانبين، وما تبعه من استخدام أوراق الضغط (الهجرة – الحدود) من جانب المغرب تجاه إسبانيا. وقد حمل تصريح سفيرة المغرب في إسبانيا “كريمة بن يعيش”، في 21 مايو 2021، دلالات مهمة بعد أن أشارت إلى أن السياسات المتبعة من “مدريد” حول جبهة البوليساريو ودخول الأمين العام لأراضيها دون تقديم تبريرات واضحة، يُمثل مسارًا لجمود العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين. 

ويعزز من فرص تحقق هذا المسار مضيّ الرباط قدمًا نحو ترسيم الحدود البحرية التي بدأتها مطلع العام الماضي دون التوصل إلى تفاهمات مشتركة مع مدريد. على الزاوية الأخرى هناك مساعٍ إسبانية لتدويل قضية الهجرة غير الشرعية، ومساعٍ لتحقيق التفاف أوروبي بجانبها، وهو ما تحقق من خلال المفوضية الأوروبية التي طالبت المغرب بالتدخل لوقف موجات الهجرة، إضافة لانتهاج مدريد سياسة خلط الأوراق وصبغ المشكلة بطابع أوروبي وهو ما تمثل في تصريح وزيرة الدفاع الإسبانية بأن سبتة هي أوروبا، وهذه الحدود هي حدود أوروبية ويجب الدفاع عن أمنها، وتجلى ذلك في نشر الجيش الإسباني على طول الحدود، إضافة إلى إرسال قرابة (400) جندي إضافي من أجل تعزيز القوات الأمنية على طول شواطئ سبتة، الأمر الذي يفضي إلى مزيد من التعقيدات بين البلدين.
وفي كل الأحوال، تبقى العلاقات بين المغرب وإسبانيا واحدة من أهم ملفات السياسة الخارجية للبلدين، وأحد أهم محددات اتجاه العلاقة بين أوروبا وجوارها الإفريقي، خاصةً في وقت تتعدد فيه الملفات ذات الاهتمام المشترك بين الجانبين، كمكافحة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، وتعزيز الشراكة الاقتصادية والتنموية، فضلًا عن القضية المستجدة المتعلقة بمكافحة فيروس كورونا. بهذا تظهر الأهمية الكبيرة لاحتواء تداعيات التوترات الأخيرة بين إسبانيا والمغرب، وذلك لتجنب الدخول في مسار معقد من التصعيد المتبادل.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at