وحدة الدراسات الاقتصادية

ما بعد الجائحة: لقاح كورونا ودعم النمو الاقتصادي العالمي

اجتاح فيروس كورونا العالم أواخر عام 2019 وامتدت تداعياته لتشمل إغلاق الحدود بين الدول وتوقف حركة الطيران والسفر وفرض حظر التجوال، وهو ما أسفر عن انكماش الاقتصاد العالمي مع تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة قياسية في أكبر اقتصادات العالم، ولهذا قامت جميع المؤسسات الدولية بخفض توقعاتها للنمو العالمي على مدار العام الماضي. وعلى الرغم من استمرار انتشار كوفيد-19، إلا أن تلك المؤسسات بدأت في رفع توقعاتها بشأن نمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري وذلك بدعم من إعلان العديد من الشركات حول العالم عن التوصل إلى لقاحات فعالة للتصدي للفيروس.  توزيع لقاحات كورونا تسابقت الدول حول العالم لتأمين جرعات مناسبة…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

اجتاح فيروس كورونا العالم أواخر عام 2019 وامتدت تداعياته لتشمل إغلاق الحدود بين الدول وتوقف حركة الطيران والسفر وفرض حظر التجوال، وهو ما أسفر عن انكماش الاقتصاد العالمي مع تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة قياسية في أكبر اقتصادات العالم، ولهذا قامت جميع المؤسسات الدولية بخفض توقعاتها للنمو العالمي على مدار العام الماضي. وعلى الرغم من استمرار انتشار كوفيد-19، إلا أن تلك المؤسسات بدأت في رفع توقعاتها بشأن نمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري وذلك بدعم من إعلان العديد من الشركات حول العالم عن التوصل إلى لقاحات فعالة للتصدي للفيروس. 

توزيع لقاحات كورونا

تسابقت الدول حول العالم لتأمين جرعات مناسبة من لقاحات كورونا من أجل التصدي للموجات المتتالية من انتشار الفيروس، وقد تجاوز عدد اللقاحات المضادة للوباء التي قدمتها أكثر من 100 دولة حول العالم لسكانها مستوى 200 مليون جرعة حتى العشرين من فبراير 2021.

وتعتبر “موديرنا” و”فايزر–بيونتيك” و”أسترازينكا” من أوائل الشركات التي أعلنت عن توصلها للقاح يهدف لعلاج كورونا والوقاية منه، وفيما يلي عرض لعدد الدول التي تستخدم كل لقاح:

الشكل (1): انتشار لقاحات كورونا حول العالم

Source: Our world in Data.

يتبين من الرسم السابق أن لقاح “أسترازينكا” هو الأكثر انتشارًا حول العالم مع استخدامه في حوالي 89 دولة، وذلك على الرغم من انتشار تقارير طبية حول تسببه في حدوث جلطات دموية، ولذا أعلنت كلٌ من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا و18 دولة أخرى مثل هولندا وأيرلندا وإسبانيا والدنمارك والنرويج والنمسا وإندونيسيا تعليق استخدام اللقاح في منتصف مارس الماضي، لتعود بعد ذلك لاستخدامه عقب عدة أيام بعد تأكيد وكالة الأدوية الأوروبية أمان اللقاح. أما عن توزيع اللقاح، فيُمكن توضيحه على النحو الآتي:

الشكل (2): نسبة المتلقين جرعة واحدة على الأقل من لقاح كورونا من إجمالي السكان

Source: Our world in Data.

يتضح من الشكل السابق أن أمريكا الشمالية تُعد أكثر القارات التي تلقى سكانها جرعات من لقاح كورونا؛ إذ وصلت نسبة السكان المتلقين للقاح إلى 24.02% بحلول الثالث عشر من أبريل 2020 مقارنة مع 15.85% في أوروبا، و0.69% فقط في إفريقيا.

ولا تسير عملية التلقيح بالشكل الأمثل، حيث ظهرت بعض المفاهيم التي ساهمت في تأخير عمليات التلقيح مثل “قومية اللقاحات” و”التوظيف الجيوسياسي” و”دبلوماسية اللقاحات” والتي اتخذتها الدول وسيلةً للتنافس وكسب النفوذ السياسي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الصراع بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي الذي وصل إلى حد التهديد بحظر تصدير اللقاحات للمملكة المتحدة عقب إعلان شركة “أسترازينكا” أنها ستوفر 40% فقط من الإمدادات المتفق عليها للدول الأعضاء رغم تمويل الكتلة الأوروبية الشركة بمبلغ 336 مليون يورو من أجل إنتاج اللقاح.

وعقب استمرار اللهجة التحذيرية على مدار الأشهر الماضية، قرر الاتحاد الأوروبي أوائل أبريل الجاري وقف تصدير اللقاحات المضادة لفيروس كورونا من مصانع بهولندا إلى بريطانيا في حالة استمرار شركة “أسترازينيكا” بعدم الالتزام بتوفير الكمية المطلوبة من اللقاح لدول الاتحاد رغم تنفيذ عقدها في بريطانيا.

ولا تُعتبر هذه المرة الأولى الذي يوقف فيها الاتحاد تصدير اللقاحات المصنعة على أراضيه للدول الأخرى؛ حيث منعت الحكومة الإيطالية في الرابع من مارس 2021 تصدير شحنة من ربع مليون جرعة من لقاح “أكسفورد-أسترازينيكا” –المُنتج في منشأة تابعة للشركة في البلاد- إلى أستراليا. وفي أحدث خطوة على مساعي الدول لضمان تأمين احتياجاتهم المحلية من اللقاح، أوقفت الهند -وهي واحدة من أكبر منتجي لقاحات فيروس كورونا في العالم- في الخامس من أبريل جميع صادرات لقاح “أسترازينيكا” مؤقتًا بسبب الحاجة إلى إعطاء الأولوية لاحتياجاتها الخاصة.

وعلى الرغم من الخلاف الناشب بين بعض الدول، إلا أن هناك بعض التحالفات قامت في الآونة الأخيرة، من أهمها: إطلاق المشروع الصيني-الإماراتي لإنتاج لقاح “سينوفارم” في الإمارات، فيما أعلن الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة في الخامس من أبريل الاتفاق على إنتاج أكثر من 100 مليون جرعة سنويًا من اللقاح الروسي المضاد لكورونا “سبوتنيك V” في الهند، وذلك عقب إعلان الصندوق عن التوصل إلى اتفاق مع الصين على إنتاج أكثر من 100 مليون جرعة بالسنة من نفس اللقاح.

وأخيرًا وبالنسبة لمصر، فقد أعلن الدكتور “خالد مجاهد”، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان أن الدولة حريصة على إنتاج لقاح “سينوفاك” الصيني داخل مصر، مشيرًا إلى وصول 900 ألف جرعة من اللقاح الصيني خلال أبريل الجاري مع إمكانية إرسال 4.5 ملايين جرعة بحلول أوائل مايو المقبل.

تأثير توزيع اللقاحات على الاقتصاد العالمي

تحسنت الآفاق الاقتصادية العالمية بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة بدعم من انتشار اللقاح تدريجيًا، وإعلان بعض الدول عن تقديم المزيد من الدعم النقدي، ولهذا رفعت المؤسسات الدولية توقعاتها بشأن نمو الاقتصاد العالمي العام الجاري مع تزايد احتمالية الوصول إلى مستويات ما قبل الجائحة إذا تسارعت عملية إنتاج اللقاحات وتوزيعها، وتم تنسيقها بشكل أفضل في جميع أنحاء العالم، وهو ما سيسمح بتخفيف إجراءات الإغلاق وفتح حركة الطيران بين الدول ودعم ثقة المستهلكين والشركات مع عودة الحياة إلى طبيعتها من جديد، ولكن إذا لم تكن برامج التطعيم سريعة بما يكفي لخفض معدلات الإصابة أو الحد من انتشار الفيروس فسوف يتراجع إنفاق المستهلك وتتأثر ثقة الأعمال سلبًا.

وصرحت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي “كريستالينا غورغييفا” بأن سرعة انتشار اللقاحات وإنهاء أزمة كورونا يُمكن أن يضيف نحو 9 تريليونات دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2025، كما توقعت أن يعود الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات ما قبل الجائحة بحلول عام 2022، وبالمقابل، من المتوقع أن تحدث عملية التعافي في الدول المتأخرة في عملية التلقيح بين عامي 2022 و2023.

في حين وضع البنك الدولي سيناريوهين للتعافي الاقتصادي خلال عام 2021 وفقًا لسرعة عملية توزيع اللقاح، يتمثل الأول في انتعاش الاقتصاد العالمي بنحو 4% بدعم من الانتشار السريع للقاح، فيما يشير الثاني إلى تسجيل النمو الاقتصادي العالمي حوالي 1.6% فقط في حالة استمرار ارتفاع عدد الإصابات والتأخير في طرح اللقاح.

وعلاوةً على ذلك، تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 5.6٪ هذا العام، ومن المرجح أن يصل النمو الاقتصادي العالمي إلى مستويات ما قبل الجائحة بحلول منتصف عام 2021 اعتمادًا على سرعة تلقيح الأفراد باللقاح المضاد لكورونا. وفي هذا الإطار، طرحت المنظمة ثلاثة سيناريوهات للنمو الاقتصادي يُمكن توضيحها على النحو الآتي:

الشكل (3): مؤشر الناتج المحلي الإجمالي العالمي – World GDP index

Source: OECD Economic Outlook, Interim Report March 2021.

يتبين من الشكل السابق أن توقعات ما قبل الوباء ترتفع عن نظيرتها الصادرة خلال الأزمة، وعلى الرغم من ذلك إلا أن المنظمة تتوقع اقتراب المؤشر من معدلات ما قبل انتشار الفيروس في السيناريو المتفائل وذلك في ضوء وتيرة تلقيح الأفراد حول العالم، فيما يشير السيناريو المتشائم إلى تباطؤ شديد في النمو الاقتصادي العالمي حتى الربع الرابع من العام 2022، ومن الممكن أن يتحقق هذا الاحتمال في ظل بطء توزيع اللقاح أو تفاقم العقبات التي تواجه توزيعه مثل النزاعات بين الدول –التي أشرنا لها سابقًا- وتباطؤ عملية الإنتاج أو تلف بعض الجرعات أثناء تصنيعها وهو ما سيلقي بظلاله على عملية التلقيح بأكملها. 

أخيرًا، يُمكن القول إن إنتاج لقاح كورونا لا ينظر إليه كعامل أساسي للقضاء على المرض المنتشر منذ 2019 فقط، ولكنه سيكون داعمًا رئيسيًا للنهوض بالاقتصاد العالمي من جديد في عالم ما بعد الجائحة.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة