وحدة الدراسات الاقتصادية

تأثير محدود: كورونا وتحويلات العاملين بالخارج

تعمل تحويلات العاملين بالخارج كنظام للحماية الاجتماعية، حيث إنها توفر للأسر المستقبلة للتحويلات الفرصة للتمتع بمستوى معيشي أعلى، أي القدرة على شراء المواد الأساسية أو مواد ذات جودة أعلى والقدرة على توفير تعليم وخدمات صحية أفضل، والهروب من الفقر. إضافة إلى ذلك، تُعد تحويلات العاملين بالخارج هي أسرع أسلوب لمساعدة الأسر في أوقات الأزمات، حيث يستطيع العاملون بالخارج إرسال التحويلات بشكل فوري، في حين قد تستغرق التدخلات الحكومية مثل توفير الدعم أو التحفيز المالي بعض الوقت (وهو ما يختلف من دولة إلى أخرى، حيث إن سرعة توفير الدعم تعتمد على فعالية وهيكل الحكومة). ولكن يختلف تأثير الأزمة الحالية عن أي…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تعمل تحويلات العاملين بالخارج كنظام للحماية الاجتماعية، حيث إنها توفر للأسر المستقبلة للتحويلات الفرصة للتمتع بمستوى معيشي أعلى، أي القدرة على شراء المواد الأساسية أو مواد ذات جودة أعلى والقدرة على توفير تعليم وخدمات صحية أفضل، والهروب من الفقر. إضافة إلى ذلك، تُعد تحويلات العاملين بالخارج هي أسرع أسلوب لمساعدة الأسر في أوقات الأزمات، حيث يستطيع العاملون بالخارج إرسال التحويلات بشكل فوري، في حين قد تستغرق التدخلات الحكومية مثل توفير الدعم أو التحفيز المالي بعض الوقت (وهو ما يختلف من دولة إلى أخرى، حيث إن سرعة توفير الدعم تعتمد على فعالية وهيكل الحكومة). ولكن يختلف تأثير الأزمة الحالية عن أي أزمة سابقة، حيث أثرت الجائحة على جميع دول العالم بشكل أو بآخر، وبشكل أكثر تحديدًا على الدول المستقبلة للعاملين وعلى أوطانهم.

أولًا: تداعيات جائحة كورونا على تدفقات التحويلات

شكل (1): تدفقات التحويلات عالميًا وفي الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط (2009-2022) (بالمليار دولار)

المصدر: تقرير الهجرة والتنمية رقم 34، مايو 2021، البنك الدولي وشراكة المعارف العالمية للهجرة والتنمية (KNOMAD).

تزداد أهمية تدفقات تحويلات العاملين بالخارج عالميًا، فوفقًا لبيانات “الاقتصاد العالمي” “The Global Economy” فإن متوسط تحويلات العاملين بالخارج من 168 دولة يمثل حوالي 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول في 2019، وقد تصل هذه النسبة إلى 42% في تونغا و27% في نيبال و21% في السلفادور و16.7% في اليمن، على سبيل المثال. ولكن وفقًا لتقرير الهجرة والتنمية رقم 34 الصادر عن البنك الدولي وشراكة المعارف العالمية للهجرة والتنمية (KNOMAD) في مايو 2021، فقد انخفضت تدفقات تحويلات العاملين بالخارج عالميًا في عام 2020 بنسبة 2.4% لتصل إلى 702 مليار دولار من 719 مليار دولار في عام 2019، حيث زادت قدرة العاملين بالخارج على تحويل الأموال لأسرهم في أوطانهم في النصف الثاني من 2020 بعد أن كانت قد تأثرت بسبب حظر السفر وسياسات التباعد الاجتماعي وانخفاض عدد ساعات العمل في البنوك مع بداية انتشار الفيروس. كان هذا الانخفاض الأول منذ عام 2016، حيث انخفضت التحويلات بنسبة 0.8% لتصل إلى 597 مليار دولار من 602 مليار دولار في 2015. إضافة إلى ذلك، فإن الانخفاض في التحويلات بسبب أزمة كورونا كان أقل حدة من ذلك في ظل الأزمة المالية العالمية في 2009، حيث انخفضت تحويلات العاملين بالخارج بنسبة 5% في 2009 لتصل إلى 433 مليار دولار. جدير بالذكر أن تأثر تحويلات العاملين بالخارج المحدود في ظل أزمة كورونا كان بسبب سياسات الدعم والتحفيز المالي التي قدمتها الحكومات، والتي ساهمت في الحد من إعلانات الإفلاس بالنسبة للشركات، والحد من الخسائر في الوظائف، وأيضًا بسبب استعداد العالم للعمل عن بعد والتي جاءت بشكل غير متوقع. علاوة على ذلك، من المتوقع أن ترتفع تحويلات العاملين بالخارج عالميًا بنسبة 1.5% في 2021 لتصل إلى 713 مليار دولار وبنسبة 1.8% في 2022 لتصل إلى 726 مليار دولار (جدير بالذكر أن بيانات 2020 هي بيانات تقديرية وبيانات 2021 و2022 هي بيانات متوقعة).

أما بالنسبة إلى الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فقد انخفضت تحويلات العاملين بالخارج بنسبة 1.6% في عام 2020 لتصل إلى 540 مليار دولار من 548 مليار دولار في 2019، وهو ما يفوق التوقعات السابقة في بداية الجائحة في تقرير أبريل 2020 بأن تنخفض بنسبة ما بين 14% و20% والتي تم تعديلها بالارتفاع في تقرير أكتوبر 2020 لتبلغ التوقعات انخفاض التحويلات بنسبة 7%. أيضًا كان هذا أول انخفاض منذ عام 2016، حيث انخفضت التحويلات بنسبة 1.3% لتصل إلى 441 مليار دولار من 446 مليار دولار في 2015. إضافة إلى ذلك، فإن الانخفاض في التحويلات بسبب الجائحة كان أقل من ذلك بسبب الأزمة المالية العالمية، حيث انخفضت تحويلات العاملين بالخارج بنسبة 4.8% في 2009 لتصل إلى 433 مليار دولار. علاوة على ذلك، من المتوقع أن ترتفع التحويلات في 2021 بنسبة 2.6% لتصل إلى 553 مليار دولار وبنسبة 2.2% في 2022 لتصل إلى 565 مليار دولار.

جدير بالذكر أن الجائحة أثبتت مرونة تحويلات العاملين بالخارج مقارنة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة والتي انخفضت في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط بنسبة 11%، مما أدى إلى اتساع الفجوة بينهما. ومع استبعاد الصين، فقد يبلغ هذا الانخفاض 30%، وبالتالي فقد تجاوزت تدفقات العاملين بالخارج مجموع الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية (ODA) في 2020.

التأثر بأسعار النفط

شكل (2): تدفقات التحويلات بالمنطقة (2009-2022) (بالمليار دولار)

المصدر: تقرير الهجرة والتنمية، مايو 2021، البنك الدولي وشراكة المعارف العالمية للهجرة والتنمية (KNOMAD).

إضافة إلى ذلك، فقد اختلف تأثر تدفقات التحويلات بسبب الجائحة من منطقة إلى أخرى. ففي 2020، انخفضت التحويلات في شرق آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 7.9% لتصل إلى 136 مليار دولار من 148 مليار دولار في 2019 لتصبح ثاني أكبر منطقة استقبالًا للتحويلات بعد أن كانت الأولى منذ 2009. أيضًا انخفضت التحويلات في أوروبا وآسيا الوسطى بنسبة 9.7% لتصل إلى 56 مليار دولار في 2020 من 62 مليار دولار في 2019، حيث تأثر العاملون بالخارج من آسيا الوسطى بشكل ضخم بالاضطرابات في النشاط الاقتصادي والعمالة في روسيا (تعد روسيا أكبر مستقبل للعمالة من آسيا الوسطى) بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط، الأمر الذي أدى أيضًا إلى انخفاض قيمة العملة الروسية (الروبل الروسي). كما انخفضت في إفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 12.5% لتصل إلى 42 مليار دولار في 2020 من 48 مليار دولار في 2019 (وهي المنطقة صاحبة أقل تدفقات لتحويلات العاملين بالخارج).

ومن ناحية أخرى، كانت منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي صاحبة أكبر زيادة في التدفقات، حيث ارتفعت بنسبة 6.5% في 2020 لتصل إلى 103 مليارات دولار من 96 مليار دولار في 2019. وتليها جنوب آسيا والتي أصبحت أكبر منطقة استقبالًا للتحويلات بعد أن ارتفعت بنسبة 5.2% في 2020 لتصل إلى 147 مليار دولار من 140 مليار دولار في 2019. كذلك سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نموًا في التدفقات بنسبة 2.3% في 2020 لتصل إلى 56 مليار دولار من 55 مليار دولار في 2019. جدير بالذكر أنه في ظل الأزمة المالية العالمية في 2009، سجلت جميع المناطق انخفاضًا في التدفقات ما عدا في جنوب آسيا، حيث سجلت نموًا بنسبة 4.5%. ومن المتوقع أن تسجل جميع المناطق نموًا في تدفقات التحويلات في عامي 2021 و2022 ما عدا منطقة أوروبا وآسيا الوسطى التي من المتوقع أن تسجل انخفاضًا بنسبة 3.2% في 2021 وبنسبة 6.9% في 2022.

شكل (3): أكبر عشر دول استقبالًا للتحويلات من بين الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط (2020) (بالمليار دولار)

المصدر: تقرير الهجرة والتنمية، مايو 2021، البنك الدولي وشراكة المعارف العالمية للهجرة والتنمية (KNOMAD).

جاءت الهند في المرتبة الأولى كأكبر مستقبل للتحويلات من بين الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط في 2020 بإجمالي 83 مليار دولار، وتليها الصين بإجمالي 60 مليار دولار والمكسيك بإجمالي 43 مليار دولار (ولكن تعد هذه الزيادة بشكل أساسي بسبب انخفاض قيمة العملة مقابل الدولار الأمريكي)، والفلبين (35 مليار دولار)، ومصر في المرتبة الخامسة بإجمالي 30 مليار دولار (وهو ما يجعلها أكبر مصدر للنقد الأجنبي في مصر)، وباكستان (26 مليار دولار)، وبنجلاديش (22 مليار دولار)، ونيجيريا (17 مليار دولار)، وفيتنام (17 مليار دولار)، وأخيرًا أوكرانيا (15 مليار دولار). هذا على الرغم من تأثر العديد من الدول ذات حجم العمالة المرتفع في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب انخفاض أسعار النفط. على سبيل المثال، انخفضت تحويلات العاملين بالخارج من السعودية إلى الفلبين بحوالي 14% في 2020.

شكل (4): تكلفة تحويل 200 دولار بالمنطقة (%)

المصدر: تقرير الهجرة والتنمية، مايو 2021، البنك الدولي وشراكة المعارف العالمية للهجرة والتنمية (KNOMAD).

بالإضافة إلى هدف التنمية المستدامة بزيادة نسبة تحويلات العاملين بالخارج من الناتج المحلي الإجمالي، فإن تخفيض تكلفة التحويل لتمثل 3% فقط من القيمة المحولة بحلول 2030 هو هدف آخر. فمع انخفاض تكلفة التحويل، من المتوقع أن يلجأ العاملون بالخارج إلى الطرق الرسمية بدلًا من الطرق غير الرسمية، مثل تسليمها باليد أو عن طريق شخص آخر. وقد ساهمت أزمة كورونا وحظر السفر في لجوء العاملين بالخارج إلى تحويل النقود عن طريق أساليب إلكترونية مثل تطبيقات الموبايل (الهاتف) (والتي في الأغلب تتطلب أن يكون لدى الشخص حساب بنكي) أو عن طريق البنوك، وهو ما ساهم في بيانات أكثر دقة لحجم التحويلات، الأمر الذي حدّ من الانخفاض في التحويلات وفقًا للبيانات. وعلى الرغم من ارتفاع التكلفة عالميًا بأكثر من ضعف النسبة لهدف التنمية المستدامة، إلا أنها انخفضت في الربع الرابع من 2020 لتصل إلى 6.5% من 6.8% في الربع الثالث من 2020 وهو انخفاض ملحوظ لربع عام، كما أن التكلفة انخفضت في جميع المناطق. ويعد متوسط تكلفة تحويل 200 دولار الأعلى في إفريقيا جنوب الصحراء (8.2% في الربع الرابع من 2020)، بينما يُعد الأدنى في جنوب آسيا (4.9% في الربع الرابع من 2020). لذلك، تحتاج الدول إلى العثور على حلول لتحسين الوصول إلى الخدمات المصرفية للمهاجرين ومشغلي تحويل الأموال الجدد لضمان عدم تباطؤ هذا الاتجاه، أو لضمان عدم عودة العاملين بالخارج إلى تحويل النقود بالأساليب غير الرسمية.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة