الأزمة المغربية الاسبانية وأفق الحل

عضو الهيئة الاستشارية

في عام 1998، أصدر القاضي الإسباني، بالتزار كارسون، أمر اعتقال ضد رئيس شيلي السابق أوكوستو بينوشي، بتهم الإبادة الجماعية والتعذيب والإرهاب الدولي والاختطاف، جراء عمليات قتل واختفاء مواطنين إسبان ما بين شتنبر 1973 ودجنبر 1983. وعملت إسبانيا على اعتقال بيونشي في لندن، على الرغم من ظروفه الصحية. وفي ابريل 2021، وفي ازدواجية فاضحة وخرق سافر للاتفاقيات الدولية ولمعايير تأشيرة شينغن الأوروبية، سمحت اسبانيا بدخول زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي؛ المطلوب من قبل القضاء الإسباني بتهم جرائم حرب، والعدو الرئيسي للمغرب؛ لأراضيها بهوية مزورة وبشكل سري. وبعد كشف الموضوع إعلاميا، تدعي اسبانيا ان سماحها لغالي يعود لأسباب “إنسانية”، للعلاج من تداعيات…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

في عام 1998، أصدر القاضي الإسباني، بالتزار كارسون، أمر اعتقال ضد رئيس شيلي السابق أوكوستو بينوشي، بتهم الإبادة الجماعية والتعذيب والإرهاب الدولي والاختطاف، جراء عمليات قتل واختفاء مواطنين إسبان ما بين شتنبر 1973 ودجنبر 1983. وعملت إسبانيا على اعتقال بيونشي في لندن، على الرغم من ظروفه الصحية. وفي ابريل 2021، وفي ازدواجية فاضحة وخرق سافر للاتفاقيات الدولية ولمعايير تأشيرة شينغن الأوروبية، سمحت اسبانيا بدخول زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي؛ المطلوب من قبل القضاء الإسباني بتهم جرائم حرب، والعدو الرئيسي للمغرب؛ لأراضيها بهوية مزورة وبشكل سري. وبعد كشف الموضوع إعلاميا، تدعي اسبانيا ان سماحها لغالي يعود لأسباب “إنسانية”، للعلاج من تداعيات كوفيد-19، مما يضرب في مصداقية خطابها السائد بخصوص حسن الجوار والشراكة الاستراتيجية مع المغرب.

على الرغم من الاتفاقيات التي تجمع مدريد والرباط على المستوى الأمني، فإن الاستخبارات الإسبانية لم تعلم نظيرتها المغربية بهذا الاستقبال. وربما أخطأت التقدير عندما خططت، او اعتقدت أن سماحها بدخول زعيم البوليساريو لأراضيها، يمكن ان يمر من خلف اعين المخابرات المغربية. او ان سماحها لشخص متابع بمجموعة من التهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بالإضافة إلى اغتصاب نساء وضحاياه يحملون الجنسية الإسبانية، ومعظم الأفعال المنسوبة إليه وقعت فوق التراب الإسباني، يمكن ان يمر بدون ضجة إعلامية، ودون ان يؤجج ازمة ديبلوماسية بين الرباط ومدريد، بدأت باستدعاء الرباط لسفيرتها لدى مدريد، ويمكن ان تصل الى تجميد العلاقات بين البلدين. 

صحيح، بدأت بوادر الازمة بين المغرب واسبانيا قبل زيارة غالي إليها، لكن هذه الزيارة هي القطرة التي أفاضت الكأس. وفي أول رد من الجانب المغربي، علق، هذا الأخير، تعاونه مع جارته الشمالية في ملف الهجرة. ومباشرة بعد سحب المغرب امنييه من المنطقة الحدودية بين المغرب وسبتة المحتلة، استطاع ما يزيد عن 8000 شخص الدخول للأراضي الاسبانية. ترى اسبانيا في موجة المهاجرين اليها “ابتزازا” من الجانب المغربي. اما الرباط، فترى ان المملكة ليست ملزمة ولا ملتزمة وليس من واجبها حماية حدود غير حدودها. وأن المغرب ليس دركيا ولا بوابا لأوروبا لحماية حدود ليست حدوده. 

تجمع المغرب وإسبانيا اتفاقيات لمواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية. وبالفعل قدم المغرب الكثير من التعاون في هذا المجال، بشكل طوعي وبدون مقابل يذكر، بحيث أن ما يحصل عليه المغرب في المتوسط من الاتحاد الأوروبي لا يتجاوز 300 مليون أورو سنويا، أي أقل من 20% من التكلفة التي تتحملها المملكة في محاربة الهجرة السرية. ودافع المغرب دائما على علاقات حسن الجوار وراعى المصالح الاستراتيجية لشركائه، سواء اسبانيا او دول الاتحاد الأوروبي ككل. وقام على مدار السنوات الأربع الماضية، بتفكيك 8000 خلية لتهريب البشر. وأجهض 14 ألف محاولة هجرة سرية منها 80 محاولة اقتحام لمدينة سبتة، وتبادل أكثر من 9000 معلومة عن الهجرة السرية مع إسبانيا.

ومع قرار تعليقه التعاون في مجال الهجرة والامن، ستكون التكلفة الأمنية والاجتماعية مكلفة جدا ليس فقط على اسبانيا، ولكن أيضا على الاتحاد الأوروبي بالكامل. كما سيكون لتجميد العلاقات بين البلدين-ان حدثت- تكلفة اقتصادية عالية على الجانب الاسباني. فمن ناحية، يعتبر المغرب الوجهة الثامنة للصادرات الإسبانية، والثانية خارج الاتحاد الأوربي بعد الولايات المتحدة. وتوفر هذه الصادرات آلاف من فرص الشعل للإسبان، كون 76% منها عبارة عن منتجات ذات قيمة مضافة عالية بتوقعات نمو عالية. ومن ناحية أخرى، يعتبر المغرب بوابة أوروبا نحو افريقيا، فهو ثاني أكبر مستثمر في إفريقيا جنوب الصحراء والأول في النصف الشمالي منها. وافريقيا اليوم باتت محط اهتمام القوى الكبرى كسوق واعدة وفرصة اقتصادية تتسابق تلك القوى للحصول على موطأ قدم داخلها. ويتعين أن تستفيد إسبانيا من الحضور القوي للمغرب في القارة الإفريقية، لشق الطريق نحو السوق الاقتصادي الافريقي، وليس ان تعاديه وتتخذ مواقف مزدوجة تضر بمصالحه وتستفز مشاعر المغاربة كافة.

يصعب التكهن بما ستنتهي عليه هذه الازمة غير المسبوقة بين المغرب واسبانيا. فالحكومة الاسبانية وضعت نفسها في ورطة كبيرة عندما فتحت حدودها ومنحت حمايتها لشخص متابع قضائيا، ضاربة بكل الاتفاقيات الدولية وبشراكتها مع المغرب عرض الحائط. وهي لا تعرف كيف يمكن أن تخرج من هذه الازمة التي يتوقع ان يكون ثمنها السياسي غال داخليا. اما المغرب، فيبدو حاسما في موقفه المبني على القطع مع العلاقات التي تكون من طرف واحد، بينما تكون للطرف الاخر مواقف مزدوجة او يعتمد على منطق المساومة والابتزاز. والمغرب حريص على بناء علاقات مع اسبانيا يكون فيها شريكا حقيقيا في إطار علاقة متكافئة مبنية على الأخذ والعطاء وعلى منطق رابح- رابح.

الكرة في ملعب إسبانيا، فهي مطالبة بتقديم توضيح للراي العام الاسباني والمغربي، ويمكنها تصحيح الخطأ الذي سقطت فيه إذا سمحت للقضاء الإسباني بمباشرة الإجراءات القانونية اللازمة في حق غالي، وعلى رأسها اصدار قرار بمنعه من السفر. وإذا كانت تهتم بشراكتها مع المغرب، فعليها الانخراط في سياسة قائمة على الوضوح والشفافية وأصول حسن الجوار. فهل تفعل؟ الأيام القادمة ستكون كاشفة.

ــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٧ مايو ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب