وحدة الدراسات الاقتصادية

“تأثير الدومينو”: انتقال أزمة نقص الرقائق العالمية للسوق المصرية

يمر العالم حاليًا بالعديد من التحديات الاقتصادية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا في نهاية عام 2019 والتي لم تتوقف عند الآثار الاقتصادية الكلية فقط، مثل انكماش الناتج الإجمالي العالمي، وتراجع حركة التجارة بين البلدان؛ بل إنها تعدت ذلك لتضرب أصغر المكونات الاقتصادية. فقد وجه وباء كورونا ضربة قوية لقطاع الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات، الذي يعتبر مكونًا أساسيًا في الكثير من القطاعات والصناعات الأخرى. وبحسب تحليل أجراه بنك “جولدمان ساكس”، فإن أزمة نقص الرقائق وأشباه الموصلات سوف تلقي بظلالها على 169 صناعة من أهمها السيارات والأجهزة الإلكترونية، مشيرًا إلى أن القطاعات التي تنفق أكثر من 1% من إجمالي ناتجها على أشباه…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يمر العالم حاليًا بالعديد من التحديات الاقتصادية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا في نهاية عام 2019 والتي لم تتوقف عند الآثار الاقتصادية الكلية فقط، مثل انكماش الناتج الإجمالي العالمي، وتراجع حركة التجارة بين البلدان؛ بل إنها تعدت ذلك لتضرب أصغر المكونات الاقتصادية. فقد وجه وباء كورونا ضربة قوية لقطاع الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات، الذي يعتبر مكونًا أساسيًا في الكثير من القطاعات والصناعات الأخرى. وبحسب تحليل أجراه بنك “جولدمان ساكس”، فإن أزمة نقص الرقائق وأشباه الموصلات سوف تلقي بظلالها على 169 صناعة من أهمها السيارات والأجهزة الإلكترونية، مشيرًا إلى أن القطاعات التي تنفق أكثر من 1% من إجمالي ناتجها على أشباه الموصلات سوف تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بالأزمة. ورغم أن مصر لا تعتبر من البلدان الموردة للرقائق، إلا أنها ليست بمعزل عن التأثيرات السلبية لتلك الأزمة.

أسباب نقص الرقائق وأشباه الموصلات 

تضافرت عدة عوامل لتصب في تفاقم أزمة الرقائق وأشباه الموصلات والتي يتمثل أهمها في انتشار فيروس كورونا الذي فرض بالفعل ضغوطًا ضخمة على سلاسل التوريد العالمية، وأسفر عن تراجع العرض بسبب إغلاق عدد كبير من مصانع إنتاج الرقائق رغم ارتفاع الطلب عليها، ويُمكن تلخيص أسباب تلك الأزمة في النقاط التالية:

توقعات غير دقيقة:

ساهمت الإجراءات الاحترازية الناتجة عن الجائحة في إغلاق مصانع السيارات مؤقتًا، وكنتيجة لذلك قامت معظم الشركات حول العالم بإلغاء طلبات شراء الرقائق المستخدمة في أنظمة إلكترونيات السيارات في ظل التوقعات التي أشارت إلى استمرار انخفاض الطلب واستمرار إغلاق خطوط الإنتاج بقية عام 2020. ولكن ما حدث كان عكس ذلك، إذ تعافت صناعة السيارات بشكل أسرع من المتوقع، وانتعشت المبيعات بحلول الربع الرابع من العام الماضي وحتى الشهور الأولى من العام الجاري 2021، ولهذا حاول صانعو السيارات زيادة الإنتاج مرة أخرى، ولكن لم تستطع مصانع الرقائق الاستجابة بالسرعة الكافية نظرًا للمدة الطويلة اللازمة لجدولة الطلبات من جديد. وفيما يلي رسم توضيحي لمبيعات وإنتاج السيارات في بعض الدول المختارة:

الشكل (1): مبيعات سيارات الركاب في بعض الدول 

Source: Knoema, Passenger car sales. 

يتبين من الشكل السابق انخفاض مبيعات السيارات في جميع الدول محل الدراسة خلال 2020 على أساس سنوي بنحو 6.03% في الصين، و11.42% في اليابان، و27.92% في الولايات المتحدة، و19.2% في ألمانيا، وأخيرًا بحوالي 17.85% في الهند. وقد جاء هذا الانخفاض رغم التعافي الذي حدث في نهاية 2020 بسبب عدم القدرة على تعويض الخسائر التي تكبدتها الصناعة خلال العام بأكمله، ولكن تشير التوقعات إلى استمرار هذا التعافي على مدار 2021.

الشكل (2): مبيعات السيارات عالميًا

Source: international Organization of Motor Vehicle Manufacturers, Global sales statistics.

من الشكل السابق يتبين تراجع إجمالي مبيعات السيارات عالميًا من 90.42 مليون وحدة في 2019 إلى 77.97 مليون وحدة خلال 2020، وذلك بنوعيها؛ سيارات الركاب والمركبات التجارية. أما عن إنتاج السيارات:

الشكل (3): إنتاج السيارات سنويًا 

Source: Statista, Estimated worldwide automobile production.

يتضح من الشكل السابق انخفاض إنتاج السيارات عالميًا خلال 2020 للأسباب سالفة الذكر من 92 مليون وحدة في 2019 إلى 78 مليون وحدة بنسبة تراجع تبلغ 15.2% على أساس سنوي.

زيادة الإقبال على الأجهزة الإلكترونية:

اتخذت جميع الدول قرارات بإغلاق حدودها العام الماضي، فضلًا عن فرض حظر التجوال لفترات طويلة بهدف الحد من انتشار فيروس كورونا، وهو ما أسفر عن بقاء الأفراد في منازلهم لوقت أطول من المعتاد، مما أدى إلى تزايد الإقبال بشكل ملحوظ على شراء الأجهزة الإلكترونية من أجل الاستخدام الترفيهي أو الالتزام بقواعد العمل والتعليم عن بعد.

ومن المتوقع أن تنمو شحنات الهواتف الذكية بنسبة 13.9٪ على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2021 و5.5٪ للعام بأكمله 2021، وفيما يلي عرض للبيانات الخاصة بأكبر خمس شركات خلال الربع الأخير من 2020:

الشكل (4): شحنات الهواتف العالمية لأكبر خمس شركات 

Source: IDC Quarterly Mobile Phone Tracker.

يتضح من الشكل السابق تحقيق جميع الشركات ارتفاعًا في حجم شحنات هواتفها الذكية عالميًا خلال الربع الرابع من 2020، عدا شركة “هواوي”، وربما يرجع ذلك للعقوبات الأمريكية على الشركة والتي تهدف لتضييق النطاق على أنشطتها.

العقوبات الأمريكية على الصين:

واجهت صناعة الرقائق وأشباه الموصلات ضغطًا قبل أزمة كورونا بفعل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتي انعكست بشكل أساسي على شركة “هواوي” التي بدأت في تخزين الرقائق بداية من عام 2019 للحد من وطأة العقوبات، مما ساهم في تركيز شركة “تي إس إم سي” التايوانية -الموردة الرئيسية لـ”هواوي”- على توريد رقائقها بشكل أساسي للشركة الصينية مما مثل ضغطًا على باقي السوق.

قلة عدد الموردين في السوق:

يتسم سوق الرقائق بقلة عدد الشركات العاملة بداخله، حيث أدى النقص العالمي في الرقائق إلى لفت الانتباه إلى دور تايوان الضخم في تصنيع أشباه الموصلات، وهو ما يوضحه الشكل التالي:

الشكل (5): الحصة السوقية لكبار اللاعبين في سوق الرقائق

Source: Trend Force (March 2021).

من الشكل السابق يتبين أن تايوان تستحوذ على النسبة الأكبر من سوق الرقائق وأشباه الموصلات، ولا سيما شركة “تي إم سي” التي وصلت حصتها السوقية إلى 54% حتى أوائل عام 2021.

وإلى جانب جميع الأسباب السابقة، تعرض مصنع الرقائق المملوك لشركة “Renesas Electronics” اليابانية –التي تمد السوق بنحو 30% من وحدات التحكم الدقيقة المستخدمة في السيارات- لحريق في مارس الماضي مما سيستغرق نحو 100 يوم على الأقل للعودة إلى الإنتاج الطبيعي. 

عواقب وخيمة

من المؤكد أن لهذه الأزمة العديد من التداعيات السلبية على صناعات عدة، بدأ بعضها في الظهور بالفعل والبعض الآخر من المرجح أن يظهر خلال الفترة المقبلة.

 تراجع الإنتاج في قطاعي السيارات والإلكترونيات:

يُمكن أن تؤثر أزمة الرقائق على إنتاج نحو 1.3 مليون سيارة من الإنتاج العالمي خلال الربع الأول، وفقًا لشركة “آي إتش إس ماركت”، حيث أجبرت الأزمة العديد من شركات السيارات العالمية على اتخاذ قرارات إجبارية بتقليص حجم الإنتاج، وتعديل خطط وأنظمة العمل بالمصانع.

حيث أعلن عدد ضخم من شركات صناعة السيارات العالمية، مثل “فولكس فاجن” و”جنرال موتورز” و”فورد” “وتويوتا” و”دايملر” و”بي إم دابليو” وغيرها، عن خطط لخفض الإنتاج بشكل ملحوظ، وإغلاق عدد من مصانعها، وتسريح العمالة لفترة مؤقتة استجابة لنقص الرقائق الذي يؤثر على سير العمل بشكل سليم.

ولم يتوقف الأمر عند صناعة السيارات، بل وصل إلى الشركات التكنولوجية، التي شهدت ازدهارًا في أعمالها العام الماضي، حيث اضطرت “آبل” إلى تأخير إطلاق “آيفون 12” لمدة شهرين بسبب نقص الرقائق، كما حذرت “سامسونج” من تأثر عملياتها بسبب أزمة الرقائق، مؤكدة انتقال الأزمة إلى قطاع التكنولوجيا.

وفي سياق متصل، أشارت شركة “جيجاست”، المصنعة للهواتف الذكية وأجهزة منزلية ذكية، إلى تأثر حوالي 80% من إنتاجها بنقص الرقائق الإلكترونية، وذكرت شركة “إيه في إم” أن الموردين ألغوا عمليات تسليم طلبيات الرقائق قبل وقت قصير من موعدها المحدد.

ارتفاع الأسعار:

مع نقص المعروض في القطاعات المستخدمة للرقائق نتيجة لانخفاض حجم الإنتاج النهائي، وتعافي الطلب في صناعة السيارات واستمرار ارتفاعه بقطاع الإلكترونيات والأجهزة الذكية، من المتوقع ارتفاع أسعار تلك المنتجات خلال الفترة المقبلة. وصرح بذلك رئيس شركة “شاومي” قائلًا: “إن النقص العالمي في الرقائق سيزيد من تكاليف الشركة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار منتجاتها”.

الشكل (6): متوسط أسعار الهواتف عالميًا

Source: Stat investor, Average selling price of smartphones worldwide.

من الشكل السابق يتضح ارتفاع متوسط أسعار الهواتف الذكية بشكل مستمر، مع توقعات بأن يبلغ 317 دولارًا بحلول نهاية 2021، بزيادة قدرها 2.5% على أساس سنوي.

الأزمة والسوق المصري

تصنف مصر على رأس القائمة العالمية في صناعة تجميع السيارات وشركات توريد السيارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وحتى عام 2018، امتلكت مصر حوالي 12 مصنعًا لتجميع السيارات، واستحوذت المكونات المحلية على 17% فقط من المنتج النهائي، وتستهدف الحكومة الوصول بتلك النسبة إلى 46% خلال السنوات المقبلة.

وبناء على ذلك، كان من المتوقع تأثر قطاع السيارات في مصر بأزمة نقص الرقائق نظرًا لاعتمادها على مكونات خارجية بشكل أساسي، وهكذا أعلنت شركة “غبور أوتو” منتصف أبريل الماضي عن عدم إمكانية تغطية أعداد السيارات المطلوبة منها في ظل مبادرة إحلال السيارات للعمل بالغاز الطبيعي التي أطلقتها وزارة المالية، نظرًا للأزمة التي تواجه شركة “هيونداي” من نقص وحدات التحكم الإلكتروني.

كما واجهت صناعة السيارات المصرية عجزًا في مدخلات إنتاجها، بعد توقف مصانع الرقائق الإلكترونية (ECU) العالمية بسبب الجائحة. وفي هذا الشأن، صرح الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات “خالد سعد” بأن الفترة الحالية تشهد صعوبات كبيرة أمام مصنعي السيارات في مصر، بسبب نقص العديد من مستلزمات الإنتاج، متوقعًا معاناة الشركات المحلية من قلة الإنتاج، موضحًا أن الشركات المشاركة في مبادرة إحلال السيارات قد تتأخر في تسليم الدفعات الخاصة بها أو تعتذر عنها إذا لم تتوافر تلك الشرائح الإلكترونية.

وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي ارتفاع أسعار عدد كبير من الطرازات المختلفة للسيارات بقيمة وصلت إلى 15 ألف جنيه، منذ بداية شهر يناير الماضي وحتى الآن، بسبب أزمة الرقائق العالمية وتأجيل استيراد بعض شحنات مكونات السيارات المستخدمة في الإنتاج المحلي، فضلًا عن ارتفاع تكاليف شحن السيارات في الموانئ البحرية بنحو 300%، مما قد يؤدي إلى التأثير على مصانع التجميع المصرية ونقص بعض الطرازات من السوق المصرية خلال الفترة المقبلة.

أخيرًا، يُمكن القول إن الأمر قد بدأ بفيروس كورونا الذي ساهم في التأثير على العرض والطلب في سوق الرقائق بشكل ملحوظ، حيث انخفض العرض بسبب إغلاق المصانع المنتجة لها لفترات طويلة وانحسار الموردين في بعض الدول، بالتوازي مع ارتفاع الطلب في سوق الإلكترونيات، وتعافي قطاع السيارات لينتهي الأمر بالتأثير الجلي على السوق المصرية، وهذا ما يُعرف بـ”تأثير الدومينو” أو ” Domino Effect”.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة