مراجعات مرحلة التهدئة فى غزة

عضو الهيئة الاستشارية

مع بدء سريان التهدئة بين قطاع غزة وإسرائيل، تبدأ مرحلة الحساب ومراجعة النتائج والتداعيات. بعض الاستنتاجات لا يتم الإعلان عنها رسميا، ويترك الأمر لرؤية المحللين المستقلين الذين يجتهدون فى رؤية الواقع من كافة زواياه. أما ما يُعلن عنه فيتلخص فيما يراه كل طرف بالجانب المضئ، وهو ما رأيناه فى تصريحات قادة حماس بإعلان الانتصار على قوة الاحتلال، وربط الأمر بصمود أهالى القطاع، والتأكيد على أن الأيدى ما زات على الزناد، فى إشارة تعنى الاستعداد لجولة أخرى. فى المقابل رئيس الوزراء الاسرائيلى نتنياهو تحدث عن تغيير كبير تم فرضه على حماس والمنظمات الأخرى التى اسُتهدف قادتها ومقاتلوها ومخازن أسلحتها ومصانعها التى…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مع بدء سريان التهدئة بين قطاع غزة وإسرائيل، تبدأ مرحلة الحساب ومراجعة النتائج والتداعيات. بعض الاستنتاجات لا يتم الإعلان عنها رسميا، ويترك الأمر لرؤية المحللين المستقلين الذين يجتهدون فى رؤية الواقع من كافة زواياه. أما ما يُعلن عنه فيتلخص فيما يراه كل طرف بالجانب المضئ، وهو ما رأيناه فى تصريحات قادة حماس بإعلان الانتصار على قوة الاحتلال، وربط الأمر بصمود أهالى القطاع، والتأكيد على أن الأيدى ما زات على الزناد، فى إشارة تعنى الاستعداد لجولة أخرى. فى المقابل رئيس الوزراء الاسرائيلى نتنياهو تحدث عن تغيير كبير تم فرضه على حماس والمنظمات الأخرى التى اسُتهدف قادتها ومقاتلوها ومخازن أسلحتها ومصانعها التى تنتج الأسلحة حسب قوله، وهذا التغيير وفقا لنتنياهو سيجعل حماس تعود كثيرا إلى الوراء. وبالقطع فمثل هذه التصريحات موجهة للرأى العام الداخلى أولا وأخيرا، مع تجاهل محسوب للخسائر المادية والإنسانية، مع الفارق الجسيم فيما تعرض له كل طرف على حدة. 

حديث الانتصار للطرفين مفهوم دوافعه، لكنه لا ينفى الحاجة إلى تأمل ما جرى بعمق، والاستعداد لما يمكن أن تأتى به الرياح فى الأيام المقبلة. ووفقا للوساطة المصرية فهناك ثلاث مراحل متكاملة، أولها تثبيت وقف إطلاق النار، والإسراع بتوصيل المساعدات الإنسانية العاجلة لاهالى غزة، وهى مرحلة بدأت بالفعل، حيث دخلت الشاحنات المصرية للقطاع، كما وصل وفدان مصريان للقطاع وتل أبيب لمنع الانزلاقق إلى عمليات عسكرية غير محسوبة. وثانيها البحث فى أفكار هدنة طويلة المدى وتداولها مع الأطرف المعنية، لاسيما ذات التأثير على الأرض فى قطاع غزة جنبا إلى جنب إشراك السلطة الفلسطينية فى طبيعة تلك الهدنة وكيفية الحفاظ عليها. اما المرحلة الثالثة فهى الاستفادة من حالة الزخم الدولى المؤيد للحق الفلسطينى فى الحرية والاستقلال، وإدانة العدوان الإسرائيلى وكل مظاهر العنصرية والتفرقة التى تُمارس منهجيا وقانونيا ضد الفلسطينيين سواء في المناطق المحتلة أو فى الداخل الاسرائيلى ذاته. وهو زخم يؤيد ضرورة التوصل إلى تسوية تاريخية عبر حل الدولتين من خلال مفاوضات جادة برعاية رباعية وأممية.

الدبلوماسية المصرية التى ترعى تثبيت وقف إطلاق النار، والتداول من أجل هدنة طويلة تسمح بعملية إعمار كبرى للقطاع، ويسهم فيها المجتمع الدولى بفاعلية، مع ضمانات إسرائيلية بعدم إعاقة عملية الإعمار أثناء حدوثها أو بعد استكمالها، تضع فى اعتبارها أن هاتين المرحلتين، مع بذل الجهد الكافى لإنجاحهما، لا ينفصلان عن المرحلة الثالثة المتعلقة ببدء مفاوضات التسوية النهائية، وأنه كلما تم الإسراع فى إنجاز المرحلتين الأوليتين، كلما كانت الفرصة أكبر لبدء المرحلة الثالثة، لاسيما إن توصلت الأطراف المعنية إلى النتيجة المنطقية التى أكدها العدوان الإسرائيلى على غزة، مصحوبا بسياسة الاستيطان وتهويد الأرض الفلسطينية المحتلة، والتمييز القانونى، بأنها سياسات عفا عليها الزمن، ولن تضمن لإسرائيل الأمن الذى تحلم به، كما لن تضمن لها البقاء، وحالة جنوب إفريقيا زمن العنصرية خير شاهد، ولن تضمن لها الاستقرار الداخلى الذى بات مُهددا بحرب أهلية حذر منها الرئيس الإسرائيلى نفسه، بين الفلسطينيين أصحاب الأرض الحاملين للجنسية الإسرائيلية، وبين اليمين بمؤسساته ومتطرفيه ورموزه السياسية والعسكرية، الذى لا يؤمن إلا بالقضاء على كل ما هو فلسطينى كأساس للبقاء.

وعلى نخبة إسرائيل الحاكمة عسكرية كانت أو سياسية، أن تدرك بأن التهليل لقصف الأبراج السكنية بمن فيها من المدنيين هو دليل على الفشل الاستخبارى الشنيع، وتدنى المبادئ العسكرية التى يطبقونها. كما أن اختراع قصص خيالية بتدمير مدينة من الأنفاق تحت أرض غزة، يعيش فيها أو يختبئ قادة حماس والفصائل الفلسطينية يؤكد الحالة المرضية لدى تلك النخبة وانخراطها فى أوهام القدرة على فعل ما لايفعله الآخرون. إن التهليل المرضى لغرض خداع الداخل والخارج، لن يعطل المحاسبة التى باتت وشيكة وستطير فيها رقاب كثيرة، كما لن يعطل الانفجار السياسى المحتوم.

فى المقابل تظل الدعوة إلى استعادة الوحدة الفلسطينية، التى استثمرت فيها مصر كثيرا جدا، هى الشرط الأكثر أهمية فى تلك المرحلة. وحدة وطنية تتطلب التنازلات من كل الأطراف، بغية وضع تصور فلسطينى وطنى يستثمر نتائج العدوان الإسرائيلى، وما ظهر من تأييد الرأى العام الأوربى وقطاعات من الرأى العام الأمريكى، بما فى ذلك ارتفاع الصوت اليسارى بالحزب الديمقراطى الأمريكى المسيطر على غرفتى الكونجرس، والرئاسة، ما يسمح بمواقف أمريكية أقل دعما للاحتلال الإسرائيلى، وأكثر ميلا لتأييد الحق الفلسطينى فى إقامة دولته كمدخل ضرورى لبناء حالة استقرار إقليمى مستدامة. مع الأخذ فى الاعتبار أن الرؤية التى عبر عنها الرئيس بايدن، فى الأيام الأخيرة، وأكد فيها دعم حل الدولتين، هى ليست مثالية على طول الخط، ففى أخر تصريحاته أكد على أن لا سلام فى المنطقة إلا باعتراف دولها بوجود إسرائيل كدولة يهودية، وهو شرط لا يؤيد التمييز القانونى الموجود بالفعل فى الداخل الإسرائيلى، بل يضعها كشرط من وجهة نظره لاستقرار كامل المنطقة، وهو عوار كبير. وأيا كانت بعض تفاصيل الرؤية الأمريكية غير منطقية وتنسف فكرة السلام والاستقرار، فمن المهم أن يتم التعامل معها بحنكة شديدة، وإفشالها عمليا عبر فضح تناقضها الداخلى أمام الرأى العام الأمريكى نفسه.

إن الشعور بالانتصار، دون النظر إلى ثمنه المُكلف ماديا وإنسانيا، يعد وصفة للفشل. وهو ما يجب أن تدركه جيدا الفصائل الفلسطينية المرتكزة فى غزة. ولعل النصيحة الأفضل هنا هى الدعوة إلى التواضع وعدم المبالغة فى الاستنتاجات ووضعها فى سياقها الصحيح، والبُعد عن توجيه الإهانات لأطراف فلسطينية أخرى لم تشارك فى الجهد الصاروخى الذى روع الإسرائيليين، وحقق إصابات، لكنها لا تقارن بما جرى فى غزة.  كما أن غياب المراجعة لدى فتح عما وصلت إليه من عزلة حتى بين قطاع كبير من الفلسطينيين فى الضفة الغربية المحتلة، من شأنه أن يعطل التوصل الى وحدة وطنية حقيقية وصلبة تتطلبها تحديات المرحلة المقبلة. وإجمالا فإن طرفى المعادلة الرئيسيين بحاجة ماسة إلى أكبر قدر من التفكير العقلانى، والتخفف من المحمولات الايديولوجية، والسيطرة على الأطروحات العدمية.  

ـــــ

نقلا عن جريدة الأهرام – الاثنين 24 مايو 2021

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب