وحدة الدراسات الاقتصادية

إعادة الإعمار: مصر وتخصيص نصف مليار دولار لقطاع غزة

أعلن المُتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، في الثامن عشر من مايو 2021، إطلاق مُبادرة رئاسية لإعادة إعمار قطاع غزة بمبلغ 500 مليون دولار، نتيجة عمليات القصف الإسرائيلي على القطاع مُنذ السادس من مايو الجاري، على أن تُشارك الشركات المصرية المتخصصة في مجالات البنية التحتية وشركات المقاولات في تنفيذ عمليات إعادة الإعمار، ورغم أن الجمهور العربي عمومًا وخصوصًا في مصر تلقى المُبادرة بترحاب كبير؛ إلا أنه ظل عاجزًا عن إدراك مُعظم الأهداف المصرية من خلف المُبادرة، وذلك لسببين رئيسيين: أولهما أن مصر تمر بالفعل بأوقات استثنائية نتيجة لجائحة كورونا، تضغط على قطاعات الاقتصاد المصري المُختلفة، بما لا يسمح له بدفع المُساعدات…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أعلن المُتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، في الثامن عشر من مايو 2021، إطلاق مُبادرة رئاسية لإعادة إعمار قطاع غزة بمبلغ 500 مليون دولار، نتيجة عمليات القصف الإسرائيلي على القطاع مُنذ السادس من مايو الجاري، على أن تُشارك الشركات المصرية المتخصصة في مجالات البنية التحتية وشركات المقاولات في تنفيذ عمليات إعادة الإعمار، ورغم أن الجمهور العربي عمومًا وخصوصًا في مصر تلقى المُبادرة بترحاب كبير؛ إلا أنه ظل عاجزًا عن إدراك مُعظم الأهداف المصرية من خلف المُبادرة، وذلك لسببين رئيسيين: أولهما أن مصر تمر بالفعل بأوقات استثنائية نتيجة لجائحة كورونا، تضغط على قطاعات الاقتصاد المصري المُختلفة، بما لا يسمح له بدفع المُساعدات لأيٍ كان. وثانيًا لأن تخصيص المُساعدات المصرية جاء -على غير عادة الدول المانحة- في شكل مُساعدات عينية تُقدمها شركات مصرية، سواء في صورة سلع أو تنصب على إعادة الإعمار، حيث جرى العرف على إرسال الدول المانحة مُساعدات نقدية.

أولًا- الوضع العام للاقتصاد الفلسطيني:

يُنظم وضع الاقتصاد الفلسطيني ما يُطلق عليه بروتوكول باريس 1994، الذي وقع كجزء من مُعاهدة غزة وأريحا التي بموجبها أُنشئت السلطة الفلسطينية وقوتها الأمنية، ويمكن تلخيص مُحتويات البروتوكول فيما يخص موضوعنا بالنقاط التالية:

1- يدمج الاقتصاد الفلسطيني في الاقتصاد الإسرائيلي وذلك عن طريق ضمهما في منطقة جمركية واحدة، تتحكم إسرائيل فيها أساسًا، وبذلك أصبحت إسرائيل تتحكم في تدفق السلع من الخارج إلى الداخل، بما يجعلها المُتحكم في المواد الخام المطلوبة للنمو سواء الزراعي أو الصناعي.

2- حرمان السلطة الفلسطينية من إقامة حواجز جمركية مع إسرائيل، وبالتالي أصبحت السلع الإسرائيلية تتدفق بحرية إلى المناطق الفلسطينية دون قيود، والعكس، لكن الإسرائيلية تكون دائمًا أرخص وأكثر تقدمًا على المُستوى التكنولوجي، بسبب المُساعدات والإعفاءات الإسرائيلية لها.

3- تُمنع السلطة الفلسطينية من إصدار عُملة خاصة بها، وبالتالي يكون التعامل -في الغالب- بالشيكل الإسرائيلي، وبذلك يصب كامل النشاط الفلسطيني في دعم الاقتصاد الإسرائيلي، حيث سيقوم الفلسطينيون طوال الوقت بتحويل مُتحصلاتهم الدولارية إلى الشيكل الإسرائيلي.

4- تعتمد السلطة الفلسطينية في الجزء الأهم من إيراداتها على الإيرادات الجمركية التي تُحصلها إسرائيل من المعابر الحدودية، وتقوم الأخيرة بتحويلها دوريًا.

5- تعمل نسبة مُعتبرة من العُمال الفلسطينيين داخل الأراضي الإسرائيلية، ويحصلون على أجور مُنخفضة، في الوقت ذاته تُحصّل إسرائيل ضرائب على رواتبهم، وتحصّل الجزء الخاص باشتراكهم في الخدمات الصحية والتأمينية، وتقوم بتحويل هذه الاشتراكات إلى السلطة الفلسطينية في تواريخ لاحقة.

6- أخيرًا يتضمن البروتوكول سلعًا مُحددة، لا يُمكن استيرادها إلا بكميات مُحددة، مُعظمها من السلع الأساسية، وما يخصنا هنا هو الحديد والأسمنت المطلوب لإعادة الإعمار.

ويعني ذلك الوضع أن الاقتصاد الفلسطيني فعلًا مُجند لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي بشتى السُبل، سواء من جانب التدفقات النقدية أو الجهود العمالية، وحتى من جانبي الاستهلاك والإنتاج، وهو ما ينقلنا إلى النقطة التالية.

ثانيًا- أهداف التخصيص واشتراك المؤسسات المصرية في إعادة الإعمار:

1- التعجيل بعملية إعادة الإعمار:

حيث اتسمت شركات الإنشاءات والمقاولات المصرية التي انخرطت في إعادة صياغة البنية التحتية المصرية ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي بالقدرة على الإنجاز والالتزام بمواعيد التسليم، خاصة في ضوء ما تُعانيه عملية إعادة الإعمار مُنذ حرب غزة الأخيرة في عام 2014 من بُطء تام، فبعد مرور ما يزيد على سبعة أعوام في خلال الرُبع الأول من عام 2021، توجد 660 أسرة مُشردة عقب فقدان منازلها في القطاع جراء الحرب، ومن أصل 850 منزلًا كانت تحتاج إلى إعادة الإعمار ما زال يوجد حتى الآن 249 منزلًا على حالها حتى الرُبع الأول كما يوضح الشكل التالي:

شكل  1- يوضح تطور عمليات إعادة الإعمار في قطاع غزة منذ 2014 وحتى 2021

ويتضح من الشكل توقف عمليات إعادة الإعمار كُليًا خلال الرُبع الأول، فيما ظلت 95% من المنازل المُستهدفة بإعادة الإعمار مُهدمة، وذلك بسبب عدم التزام المانحين بدفع مُساعدات إعادة الإعمار التي التزموا بها في مؤتمر القاهرة في أكتوبر 2014 بشأن إعادة الإعمار، فمن بين 5.08 مليار دولار تعهد بها المانحون، لم تُدفع إلا 3.49 مليارات دولار، وذلك بنسبة 68% بعد مرور ما يربو على عشر سنوات. ويوضح الجدول التالي وضع بعض أهم المانحين:

جدول 1 – يوضح التزامات الدول في مؤتمر القاهرة 2014 بشأن إعادة إعمار غزة

2- دعم أكبر عدد ممكن من الشعب الفلسطيني:

تبلغ قوة العمل في فلسطين نحو 1.29 مليون نسمة، بلغت نسبة البطالة بينهم بنهاية عام 2020 نحو 25.9%، ويتوزع هؤلاء العُمال على ستة نشاطات رئيسية يحل ثانيًا بينها من حيث استيعاب حجم العمالة قطاع الإنشاءات، كما يوضح الشكل التالي:

شكل 2 – يوضح توزيع العاملين الفلسطينيين على قطاعات الاقتصاد الفلسطيني المُختلفة

يتضح من الشكل أن قطاع الإنشاءات يستوعب ما إجماليه 16.8% من إجمالي قوة العمل الفلسطينية، كثاني أكبر القطاعات على الإطلاق بعد التجارة والمطاعم والفنادق. من هنا استهدفت المُساعدات دعم أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين عن طريق توجيه مبلغ المُساعدات إلى قطاع الإنشاءات الذي يستوعب عددًا يجاوز 162 ألفًا من العُمال، وفي الوقت ذاته الدفع بقوة في أزمة ما بعد الحرب وتدارك ما طال القطاع من تدمير.

3- عدم إفادة إسرائيل من اعتداءاتها:

تتحكم إسرائيل في النقد داخل الأراضي الفلسطينية -كما تقدم- وفقًا لما تفرضه قواعد بروتوكول باريس 1994، ذلك أن السلطة الفلسطينية لا تستطيع إصدار عُملة خاصة بها، وبالتالي فقد سادت داخل الأراضي الفلسطينية أربع عُملات هي: الدينار الأردني، والشيكل الإسرائيلي، واليورو، بالإضافة إلى الدولار الأمريكي، ورغم أنه لا يوجد حصر دقيق لكمية العُملات المُتداولة من كل نوع داخل الأراضي الفلسطينية، وذلك لأن سلطة النقد الفلسطينية ليس لها دور في إصدار ذلك النقد؛ لكن يُمكن الاستدلال على مدى انتشار كُل نوع من هذه العُملات وحجم تداولها عن طريق بيان آخر هو حركة المقاصة الوطنية بين المصارف العاملة في فلسطين بكافة العملات المُتداولة، التي يوضحها الجدول التالي مُقدرة جميعها بالمليون دولار أمريكي:

جدول 2 – يوضح عدد وقيمة الشيكات مُقيمة بالعملات المُختلفة المُتداولة في الأراضي الفلسطينية بالمليون دولار أمريكي والعدد بالألف

ويتضح من الجدول أن 93% من الشيكات التي تجري مقاصاتها في البنوك الفلسطينية تكون بالشيكل، كما تبلغ قيمتها 10.2 مليارات دولار في عام 2019، و8.3 مليارات في 2020، يلي ذلك الدولار الذي تبلغ قيمة الشيكات التي جرت مقاصتها به في عام 2020 نحو 14%، وذلك بنحو 1.47 مليار دولار. الأمر الذي يعني في مُحصلته أنه في حالة دفع هذه الأموال بالدولار فإنه في النهاية سيجري تحويلها إلى شواكل، الأمر الذي يفيد الاقتصاد الإسرائيلي من ناحية ارتفاع هذه التدفقات النقدية إليه، ومن ناحية أخرى استخدام هذه الشواكل في شراء سلع وخدمات إسرائيلية، حيث تُعتبر إسرائيل الشريك التجاري الأول للأراضي الفلسطينية وذلك بما لا يقل عن 68% من الواردات كما يوضح الشكل التالي:

شكل 3 – يوضح تطور الواردات الإسرائيلية في الفترة من 2008 وحتى 2019

يتضح من الشكل أن ما نسبته 87% من إجمالي الواردات الإسرائيلية خلال الفترة من 2008 إلى 2019 بلغ في المتوسط نحو 87%، بأعلى نسبة عام 2008 عند مُستوى 99%، وأدنى نسبة في 2019 بنحو 68%، وبالتالي فإن أية مُساعدات نقدية ستصب في النهاية في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي فإنه كان يجب مُساعدة الاقتصاد الفلسطيني مع تجنب مُكافأة الاقتصاد الإسرائيلي.

4- دعم الاقتصاد المصري: 

على نحو ما سبق فإن قطاع التشييد والمُقاولات يُشكل مع قطاع السياحة قاطرة الاقتصاد المصري، وقد جاءت جائحة كورونا وقرار تنظيم البناء ليضغطا على القطاعين وخاصة قطاع التشييد والبناء بشكل غير مسبوق. ويوضح الشكل التالي تأثير قطاع التشييد والبناء على مُعدلات نمو الاقتصاد المصري:

شكل 4 – يوضح العلاقة بين قطاعي التشييد والبناء ومُعدلات النمو الإجمالية للاقتصاد المصري

يوضح الشكل الارتباط البياني الطردي بين نمو القطاعين والمُعدلات الكُلية، وبالتالي فإن تأثر القطاع والشركات العاملة فيه يؤثر بالتبعية على كامل الاقتصاد المصري، وهنا برزت فرصة إعمار قطاع غزة كفرصة لدعم الشركات بطريقة غير مُباشرة، وفي الوقت ذاته القيام بالدور العروبي والقومي لمصر تجاه الأشقاء في الأراضي المُحتلة.

5- تعميق دبلوماسية البنية التحتية:

ضربت المنطقة مُنذ مطلع القرن الحالي –وما زالت- موجة من الصراعات ابتُدئت في العراق بعد الغزو الأمريكي لأراضيه في عام 2003، وما زالت مُستمرة حتى الوقت الحالي بوجود بعض جيوب داعش على الحدود العراقية السورية، وذلك بعدما تقهقرت نتيجة لعمليات تحرير مُدن الوسط والشمال الغربي العراقية من سيطرتها وخاصة مدينة الموصل، وقد نتج عن هذه العمليات إزالة شبه تامة للمرافق العامة، بل وحتى المنازل في هذه المُدن، وهو ما يقتضي بذل جهود ضخمة وبتكلفة باهظة لإعادة الإعمار، قد تتجاوز 88 مليار دولار، وفقًا لتقديرات الحكومة العراقية. ولا يختلف الوضع كثيرًا في ليبيا التي تعرضت لموجات الصراع ذاتها، خصوصًا في الجزء الغربي منها، حيث تُعاني مُعظم مُدنه من آثار الدمار وبخاصة طرابلس العاصمة، والزنتان ومصراتة، بالإضافة إلى تردي أوضاع البنية التحتية المُتعلقة بتوليد الكهرباء ونقلها، أو الطُرق ومرافق النفط. 

وقد دشنت مصر في ظل هذه الأوضاع ما يُعرف “بدبلوماسية البنية التحتية” بغرض الانخراط في عمليات إعادة إعمار الدول العربية التي طالها الدمار، بما يُحقق المصالح الثنائية لمصر والدولتين الشقيقتين، وذلك بطريق تسهيل تواجد شركات النفط والتشييد والمُقاولات والكهرباء والاتصالات المصرية، التي اكتسبت خبرات عريضة نتيجة برنامج الإصلاح الاقتصادي ومُشاركتها في إعادة تأهيل مرافق البنية التحتية المصرية بالكامل على صعيد الطُرق والكهرباء، وحتى المُشاركة في تأسيس مُدن جديدة بكاملها، مُقابل تسهيلات في طُرق الدفع ومُدد السداد، وهو ما يُعتبر مكسبًا هامًا للدولتين، وبخاصة العراق الذي يُعاني تراكم الديون وتأخر السداد.

تأتي المُبادرة -إذن- لتكون امتدادًا لدبلوماسية البنية التحتية في الأراضي المُحتلة، وبذات الهدف السابق وهو مُساعدة الأشقاء، وفي الوقت ذاته تعميق تواجد الشركات المصرية على الإقليم، وإكسابها مزيدًا من الخبرات الدولية وصقل مهاراتها في جميع ظروف وبيئات العمل، بما يفتح أمامها لاحقًا أبواب العمل في دول وأقاليم أخرى.

خُلاصة القول، إن المُبادرة إنما جاءت لخدمة الاقتصادَيْن المصري والفلسطيني في الوقت ذاته، مع التغلب على العقبات التي وضعها بروتوكول باريس بحيث يستفيد الاقتصاد الإسرائيلي من كل أنواع النشاط الفلسطيني والمُساعدات الموجهة له، بهذا تُحقق مصر أكثر من هدف أهمها التغلب على ما يواجه عمليات إعادة الإعمار مُنذ 2014 من تأخير، وفي الوقت ذاته تشغيل المزيد من الفلسطينيين، وأخيرًا دعم الشركات المصرية في قطاع التشييد والبناء، بعدما تُوفّي مصر بدورها الرائد تاريخيًا في خدمة القضية الفلسطينية ومُساندتها.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة