وحدة الدراسات الاقتصادية

مستقبل قطاع التأمين في مصر

مع زيادة مواجهة الدول واللاعبين الأساسيين في الاقتصاد، وهم الأفراد وأصحاب الأعمال والحكومات، للأزمات المحلية والعالمية واضطرارهم لتحمل الآثار الناجمة عنها، بدأت القطاعات العامة والخاصة في اللجوء إلى حلول لزيادة اليقين وتخفيض النتائج المحتملة مستقبليًا. أحد هذه الحلول هو توفير تأمين والذي تكون وظيفته هي ضمان العميل من النتائج المحتملة الأكثر سلبية في مقابل دفع العميل قيمة من الأموال لن يكون في حاجة إلى دفعها في حالة وجود يقين من الناتج المحتمل في المستقبل. وبالتالي قد تختلف نظرة الأشخاص والشركات للقطاع، فمنهم من ينظر للقطاع على أنه غير أساسي، في حين قد ينظر غيرهم إليه على أنه أحد القطاعات الرئيسية…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

مع زيادة مواجهة الدول واللاعبين الأساسيين في الاقتصاد، وهم الأفراد وأصحاب الأعمال والحكومات، للأزمات المحلية والعالمية واضطرارهم لتحمل الآثار الناجمة عنها، بدأت القطاعات العامة والخاصة في اللجوء إلى حلول لزيادة اليقين وتخفيض النتائج المحتملة مستقبليًا. أحد هذه الحلول هو توفير تأمين والذي تكون وظيفته هي ضمان العميل من النتائج المحتملة الأكثر سلبية في مقابل دفع العميل قيمة من الأموال لن يكون في حاجة إلى دفعها في حالة وجود يقين من الناتج المحتمل في المستقبل. وبالتالي قد تختلف نظرة الأشخاص والشركات للقطاع، فمنهم من ينظر للقطاع على أنه غير أساسي، في حين قد ينظر غيرهم إليه على أنه أحد القطاعات الرئيسية لضمان الاستدامة.

أولًا: حجم القطاع وأهم الشركات

وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري في النشرة الإحصائية الشهرية للاقتصاد الحقيقي، فإن حجم قطاع التأمينات الاجتماعية والتأمين من الناتج المحلي الإجمالي بتكلفة عوامل الإنتاج وفقًا للأنشطة الاقتصادية بالأسعار الثابتة بلغ 0.75% في العام المالي 2019-20 بإجمالي 29 مليار و363.5 مليون جنيه انخفاضًا من 0.80% في العام المالي 2015-16 بإجمالي 21 مليار و615.4 مليون جنيه. لكن على الرغم من أن نسبة حجم القطاع من الناتج المحلي الإجمالي انخفضت، إلا أن القيمة الإجمالية للقطاع ارتفعت بحوالي 35.9% في تلك الفترة. هذا بالإضافة إلى أن حجمه ارتفع نوعًا ما مقابل الناتج المحلي الإجمالي إلى 0.79% في الفترة من يوليو 2019 إلى ستبمبر 2020، كما أن من المتوقع أن ترتفع إلى 0.82% في الفترة من يوليو 2020 إلى سبتمبر 2021. وفي العام المالي 2019-20، بلغ حجم القطاع الخاص حوالي 23.9% من إجمالي حجم قطاع التأمينات، بينما بلغ حجم القطاع العام 76.1% من الإجمالي.

ووفقًا لتقرير “مصر 2020” المقدم من مجموعة أكسفورد التجارية، فإن قطاع التأمين المصري ينقسم إلى تأمين على الحياة وهو ما يشمل ثلث القطاع وتأمينًا على الممتلكات، وهو ما يشمل ثلثي القطاع. ويحتوي قطاع التأمينات المصري كذلك على 36 شركة للتأمين وإعادة التأمين. أكبر هذه الشركات من حيث الحجم السوقي هي شركة مصر القابضة للتأمين المملوكة للدولة، حيث امتلكت حجم أصول مجمعة بقيمة 6 مليارات و500 مليون جنيه في العام المالي 2018-19، وهو ما يعد حوالي 55% من إجمالي الأصول في القطاع في العام المالي نفسه. إضافة إلى ذلك، فإن شركات مثل قناة السويس للتأمين، والمهندس للتأمين، والدلتا للتأمين تعد أهم شركات التأمين من حيث الحجم السوقي.

ثانيًا: أثر الجائحة على القطاع 

تأثر القطاع من جانبي العرض والطلب. فقد انخفض الطلب على المنتجات أو التغطيات التي تقدمها شركات التأمين، مثل التأمينات المتعلقة بالسفر والسيارات، والتأمين على الحياة، وغيرها بسبب تطبيق السياسات الاحترازية وحظر التجول وتوقف حركة التجارة والسفر الخارجي. وكذلك بسبب فقدان العديد من الأشخاص وظائفهم أو مصدر دخلهم، وإغلاق العديد من الأعمال، مما أدى إلى عدم قدرة العديد من الأشخاص على استكمال دفع أقساطهم، مع توجيه الأسر مواردها المالية إلى شراء احتياجاتهم الأساسية. هذا بالإضافة إلى عدم معرفة العملاء إلى أي مدى مؤمن عليهم وغيرها من المعلومات المتعلقة بالتأمين ضد فيروس كورونا. وبناء على مقال بعنوان “كورونا والتأمين المصري: لماذا تبدي شركات التأمين تفاؤلًا ولكن بشكل حَذِر بشأن مستقبل القطاع؟” المقدم من مجموعة أكسفورد التجارية في أكتوبر 2020، وبناء على اتحاد التأمين المصري، فقد انخفضت مبيعات منتجات التأمين الجديدة بين 10% إلى 15% على أساس سنوي في فترة بداية انتشار الفيروس في مصر في فبراير 2020 إلى فترة ذروة الجائحة في منتصف يوليو 2020.

ومن ناحية أخرى، فقد قامت هيئة التنظيم المالي في مارس 2020 بتطبيق السياسات الاحترازية على القطاع، تمامًا كما طبقتها الدولة على العديد من القطاعات الأخرى، حيث خفضت ساعات العمل للموظفين العاملين بالقطاع، وبالتالي خفضت ساعات العمل التي يتعامل فيها الموظفون مع عملائهم ليكون يوم العمل من التاسعة والنصف وحتى الواحدة والنصف. الأمر الذي أدى إلى انخفاض قدرة القطاع على تقديم خدمات أكثر. لذلك، وفي محاولة من الدولة للحد من تداعيات الجائحة على القطاع، فقد أطلق الاتحاد المصري للتأمين قسم إدارة المخاطر الخاص به في أوائل 2020 لدعم شركات التأمين، وبالتالي الحد من تأثر تصنيف هذه الشركات الائتماني.

ولكن، ساهم تطبيق نظام الرعاية الصحية الشاملة، الذي بدأ تطبيق برنامجه التجريبي في بورسعيد في يوليو 2019 والذي من المتوقع أن يتم تنفيذه بالكامل على الصعيد الوطني بحلول عام 2032، في الحد من الآثار على القطاع. ووفقًا لمقال مجموعة أكسفورد التجارية، فإن تطبيق نظام التأمين الشامل إلزاميًا سيساهم في زيادة الطلب على القطاع بشكل ضخم، وبالتالي سيوفر فرص نمو كبيرة للشركات العاملة بالقطاع وغيرها التي تتطلع لبدء أعمالها، الأمر الذي يعطي نظرة مشرقة لمستقبل القطاع في مصر ومن احتمالية زيادة مشاركة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي. 

إضافة إلى ذلك، فقد سرّعت الجائحة رقمنة القطاع، حيث كانت شركات التأمين بالفعل تلجأ إلى التحول الرقمي في العديد من خدماتها مثل التأمين المتعلق بالسفر وغيره، وفقًا لمحمد عمران رئيس مجلس إدارة هيئة الرقابة المالية المصرية في لقاء مع مجموعة أكسفورد التجارية في يوليو. الأمر الذي قد يخرج الشركات التي تواجه صعوبة في تطبيق التحول الرقمي من سوق التأمين، تمامًا كما هو الحال للعديد من القطاعات في المستقبل، لتذهب حصتها في السوق للشركات التي تبنت التحول الرقمي بشكل سريع. 

بشكل عام، تختلف نظرة الأشخاص والمؤسسات إلى القطاع مع اختلاف تعرضهم للمخاطر. فعلى سبيل المثال، قد تكون الشركات أكثر عرضة لعمل تأمين في حالة أنها تعمل في قطاع ذي نتائج محتملة مختلفة، وبالتالي خطورة عالية. لذلك فإنها تزيد من تكلفة عملها الحالية لتخفض التكاليف المحتملة في حالة حدوث النتائج السلبية مثل حدوث أزمات. كذلك، فمع تحمل الاقتصادات والشركات والأفراد للآثار السبلية الناجمة عن الجائحة، فمن المحتمل لجوؤهم إلى حلول تضمن لهم عدم تحمل مثل هذه التداعيات، الأمر الذي يزيد من احتمالية نمو حجم القطاع نسبة للناتج المحلي الإجمالي.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة