وحدة الدراسات الاقتصادية

تحالف جديد: أستراليا والهند واليابان في مواجهة الصين

لا تزال أزمة كورونا مستمرة منذ أواخر عام 2019، ولا تزال آثارها ملموسة في جميع الأنشطة والنواحي الاقتصادية حتى مع إعادة افتتاح بعض الاقتصادات في العالم. كما كشفت الأزمة عن الكثير من مواطن الضعف في الاقتصاد العالمي، ومن أهمها شبكة توزيع سلاسل التوريد التي تأثرت بشدة بسبب الوباء، مما أسفر عن اتجاه بعض الدول لتشكيل تحالفات فيما بينها لتعزيز تلك الشبكات. وتعتبر اليابان وأستراليا والهند من أواخر الدول التي أعلنت عن إطلاق شبكة جديدة لتعزيز سلاسل التوريد التجارية الخاصة بهم؛ ولا سيما تلك المتعلقة بتصدير السيارات والمعدات الطبية وغيرها من المنتجات اللازمة لمواجهة أزمة كورونا. أهداف قيام التحالف الثلاثي  تهدف…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

لا تزال أزمة كورونا مستمرة منذ أواخر عام 2019، ولا تزال آثارها ملموسة في جميع الأنشطة والنواحي الاقتصادية حتى مع إعادة افتتاح بعض الاقتصادات في العالم. كما كشفت الأزمة عن الكثير من مواطن الضعف في الاقتصاد العالمي، ومن أهمها شبكة توزيع سلاسل التوريد التي تأثرت بشدة بسبب الوباء، مما أسفر عن اتجاه بعض الدول لتشكيل تحالفات فيما بينها لتعزيز تلك الشبكات. وتعتبر اليابان وأستراليا والهند من أواخر الدول التي أعلنت عن إطلاق شبكة جديدة لتعزيز سلاسل التوريد التجارية الخاصة بهم؛ ولا سيما تلك المتعلقة بتصدير السيارات والمعدات الطبية وغيرها من المنتجات اللازمة لمواجهة أزمة كورونا.

أهداف قيام التحالف الثلاثي 

تهدف اليابان وأستراليا والهند إلى العمل معًا من أجل تحقيق مرونة بداخل سلاسل التوريد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال جذب الهند بعد انسحابها من الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، فضلًا عن معالجة نقاط الضعف التي تشوب نظام التصنيع العالمي، الذي لا يزال يعاني من اضطرابات تجارية ناجمة عن الجائحة بالتوازي مع اشتعال التوترات التجارية والجيوسياسية في جميع أنحاء المنطقة.

كما تستهدف المبادرة تعزيز استخدام التكنولوجيا الرقمية، وتنويع فرص التجارة والاستثمار بين الدول الثلاث، خاصة عقب انخفاض حجم التجارة الخارجية لكلٍ منها خلال الأزمة، ولذلك خططت تلك الدول لتفعيل بعض المبادرات لاستمرارية الأعمال التجارية.

وتسعى المبادرة إلى تجنب الاضطرابات الفجائية التي تسفر عن الإضرار بجميع الشركات المحلية. وفي هذا الإطار، صرح وزير الاقتصاد والصناعة والتجارة الياباني بأن الشركات والمؤسسات في بلاده قد تضررت بنقص قطع غيار السيارات والإلكترونيات القادمة من الصين، مع تعطيل الإمداد المستقر للمعدات الطبية، مما أثر سلبًا على مواجهة تداعيات كورونا الصحية.

وعلى الرغم من عدم تطرق الدول الثلاث بشكل مباشر إلى استهداف الصين، وتقليل الاعتماد عليها كشريك تجاري إقليمي رئيسي؛ إلا أن هناك بعض التقارير الصحفية التي أشارت إلى أن هذا التحالف يعتبر ضربة موجهة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، خاصة في ظل هيمنتها على سلاسل التوريد واستحواذها على النصيب الأكبر من التصنيع حول العالم.

وتأتي تلك الخطوة في ظل توتر العلاقات التجارية والدبلوماسية بين كلٍ من الهند وأستراليا مع الصين، حيث فرضت حكومة رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” قيودًا على بعض الواردات الصينية، وحظرت العديد من التطبيقات الصينية بعد اشتباك حدودي مع الصين، فيما استهدفت بكين بعض الصادرات الأسترالية مثل لحوم البقر والشعير والنبيذ وسط تدهور العلاقات بين البلدين.

ومن الجدير بالذكر أن المسئولين من الدول الثلاث قد أكدوا إمكانية النظر في توسيع المعاهدة بناء على الإجماع إذا لزم الأمر، وهو ما يدلل على الخطوات الجدية التي تتخذها تلك الدول لتعزيز حجم التجارة فيما بينها.

ليست الخطوة الأولى 

لا تعتبر تلك المبادرة هي الخطوة الأولى من نوعها من حيث مواجهة تصاعد النفوذ الصيني؛ إذ سبقتها العديد من الاجتماعات واللقاءات الهادفة لتشكيل مثل هذا التحالف. فعلى سبيل المثال، أعلنت كلٌ من اليابان والهند وأستراليا في الثالث والعشرين من أغسطس 2020 عن رغبتهم في إطلاق مبادرة تهدف إلى تعزيز سلاسل التوريد بينها. وفي وقت سابق، اتفقت أستراليا والهند على العمل معًا لتنويع سلاسل التوريد، حيث أكدت الدولتان أن المبادرة الجديدة ستسعى إلى الاعتماد على مثل هذه الاتفاقات الثنائية بين الدول، ووضع مزيد من الإجراءات لتسهيل التجارة وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وجاءت هذه الترتيبات في ظل تحالف أكبر يضم الولايات المتحدة إلى جانب الدول الثلاث المشار إليها سلفًا، إذ عقد الرئيس الأمريكي “جو بايدن” قمة رباعية مع قادة أستراليا والهند واليابان سعيًا لتكثيف جهود تعزيز التحالفات وسط تصاعد المخاوف إزاء توسع الصين.

وتُعتبر القمة الرباعية –التي عقدت افتراضيًا في مارس 2021- الأولى من نوعها التي تجمع قادة الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا بعد أكثر من عقد على اجتماعات على مستوى أدنى ضمن تحالف “الحوار الأمني الرباعي” المسمى “كواد” الذي تم إطلاقه منذ عام 2007 من أجل إقامة توازن مع الصين، في وقت تشهد فيه علاقات الدول الأربع تراجعًا مع الصين. ورغم تأكيد “بايدن” علنيًا أن “كواد” ليس تحالفًا مبنيًا ضد “خصم واحد” إلا أن التوقيت الذي جاءت خلاله تلك التحركات يشير إلى رغبة تلك الدول في تحجيم تصاعد النفوذ الصيني الاقتصادي.

وقد حدث كل ذلك بالتوازي مع تعزيز العلاقات الأمريكية الثنائية مع اليابان، حيث قام رئيس الوزراء الياباني “يوشيهيدي سوجا” بزيارة البيت الأبيض في السادس عشر من أبريل الماضي بهدف إجراء مباحثات حول تعزيز التحالفات لمواجهة النفوذ الصيني، ومعالجة التحديات العالمية الأخرى التي كشفت عنها جائحة كورونا، وذلك بالتزامن مع مساعي الحكومتين إلى تعزيز سلاسل التوريد التكنولوجية المستقلة عن الصين في ضوء التوقعات التي تشير إلى احتمالية إعلان اليابان قريبًا عن استثمارات ضخمة في شبكات اتصالات الجيل الخامس مما يعزز فكرة الاعتماد على بدائل أخرى لبكين.

ولم يتوقف الأمر عند التحالف الرباعي فحسب، بل أعلن كلٌّ من قادة الاتحاد الأوروبي والهند في الثامن من مايو الجاري عن استئناف المفاوضات حول التوصل لاتفاق تبادل تجاري حر وزيادة التعاون في مجال الصحة، وذلك في ظل رغبة التكتل الأوروبي في تقوية علاقاته مع لاعب رئيسي في إطار مساعيه لزيادة نفوذه في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويأتي هذا الإعلان بينما تم تعليق الاتفاق الأوروبي-الصيني حول تعزيز الاستثمارات المتبادلة بينهما والمبرم في نهاية عام 2020 بسبب التوترات القائمة بشأن حقوق الإنسان.

تداعيات كورونا على سلاسل التوريد العالمية

تُعتبر اضطرابات سلاسل التوريد العالمية الناتجة عن أزمة كورونا أحد أسباب تحالف الهند واليابان وأستراليا كما ذكرنا سابقًا، حيث ساهم الوباء في حدوث صدمتين على جانبي الطلب والعرض، يُمكن تلخيصهما على النحو التالي:

  • جانب العرض: توقف عدد من الشركات الكبرى -سواء داخل الصين أو خارجها- عن الإنتاج بسبب الإجراءات الاحترازية الهادفة لاحتواء انتشار الوباء، مما أدى إلى حدوث نقص حاد في قطع الغيار والمعدات للصناعات التحويلية، وهو ما ساهم بالتبعية في إيقاف بعض المؤسسات للإنتاج أو إيقاف عملياتها تمامًا.
  • جانب الطلب: أسفرت جائحة كورونا عن انخفاض الطلب على بعض السلع نظرًا لإغلاق المصانع والعديد من المؤسسات، فضلًا عن فرض حظر التجوال في غالبية دول العالم تقريبًا، ولهذا تعطلت بعض سلاسل التوريد بشكل كامل.

أما عن الدول الثلاث المعنية بالدراسة، التي بلغ ناتجها المحلي الإجمالي التراكمي نحو 9.3 تريليونات دولار حتى عام 2019، بينما بلغ إجمالي تجارتها للبضائع حوالي 2.7 تريليون دولار؛ فقد تأثر حجم تجارتها الخارجية بشكل بالغ بسبب فيروس كورونا، ولهذا اتجهت لمواجهة هذا الأمر بإطلاق مبادرة “تعزيز سلاسل التوريد”، كما يتضح من الأشكال التالية:

الشكل (1): حجم التجارة الخارجية اليابانية (شهريًا)

Source: OEC Trade- Japan.

يتبين من الشكل السابق تأثر حركة التجارة الخارجية اليابانية بفيروس كورونا خاصة خلال شهري مايو ويونيو 2020؛ لتتعافى عقب ذلك إلى مستويات ما قبل الوباء بحلول شهري يناير وفبراير 2021. أما عن الهند:

الشكل (2): حجم التجارة الخارجية الهندية (شهريًا)

Source: The Indian ministry of Commerce and industry.

من الشكل السابق يمكن القول إن الصادرات والواردات الهندية سجلا أدنى مستوياتهما خلال شهر أبريل 2020 عند 10.2 مليارات دولار و17.1 مليار دولار على الترتيب، ومن المتوقع انخفاضهما مرة أخرى خلال الشهور القادمة بسبب تفشي كورونا بشكل قوي في جميع أنحاء البلاد، وفرض حظر التجوال والإغلاق من جديد. وعن التجارة الخارجية الأسترالية، يُمكن توضيحها من خلال الشكل الآتي:

الشكل (3): حجم التجارة الخارجية الأسترالية (شهريًا)

Source: Australian Bureau of Statistics.

يتضح من الشكل السابق أن الوباء قد أثر على التجارة الخارجية الأسترالية أيضًا من خلال تراجع الصادرات والواردات إلى أدنى مستوياتهما في شهر مايو.

ويُمكن تلخيص كل ما سبق في اتجاه عدد من الدول لتشكيل تحالفات تهدف إلى محاصرة الصين وتحجيم تصاعد نفوذها وهيمنتها الاقتصادية على سلاسل التوريد والتجارة الخارجية، فيما تسعى هذه الدول أيضًا إلى تجاوز تداعيات كورونا الاقتصادية وتقليل احتمالية حدوث مثل تلك الأضرار مرة أخرى.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة