فلسطين وفرص العودة للواجهة

عضو الهيئة الاستشارية

تتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة بشكل مقلق ومستفز. فما بدأ بقمع الفلسطينيين في منطقة باب العامود في القدس المحتلة، ومنعهم من الاحتفالات وإحياء الأمسيات الرمضانية، ثم قمع الاحتجاجات على مخطط طرد العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح، قد تحول الى عنف مفرط جراء اقتحام قوات الاحتلال حرمة المسجد الأقصى والاعتداء على المصلين، وانتهى بعدوان غاشم على غزة، مما اودى بحياة 201 شخصا (لحدود كتابة هذا المقال) من بينهم 58 طفلا و35 امرأة، وإصابة المئات وتشريد الاف العائلات وتدمير البنى التحتية. ولا يقتصر الصراع على ما يدور في قطاع غزة، حيث تمتد المواجهة بين المتظاهرين الفلسطينيين وجيش الاحتلال في…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

تتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة بشكل مقلق ومستفز. فما بدأ بقمع الفلسطينيين في منطقة باب العامود في القدس المحتلة، ومنعهم من الاحتفالات وإحياء الأمسيات الرمضانية، ثم قمع الاحتجاجات على مخطط طرد العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح، قد تحول الى عنف مفرط جراء اقتحام قوات الاحتلال حرمة المسجد الأقصى والاعتداء على المصلين، وانتهى بعدوان غاشم على غزة، مما اودى بحياة 201 شخصا (لحدود كتابة هذا المقال) من بينهم 58 طفلا و35 امرأة، وإصابة المئات وتشريد الاف العائلات وتدمير البنى التحتية.

ولا يقتصر الصراع على ما يدور في قطاع غزة، حيث تمتد المواجهة بين المتظاهرين الفلسطينيين وجيش الاحتلال في القدس والضفة الغربية، وحتى في البلدات العربية داخل الخط الأخضر. فيما تتواصل الهجمات الصاروخية من الفصائل الفلسطينية في المقابل، لتطال المدن والمواقع العسكرية الإسرائيلية ومنصات الغاز الإسرائيلية في البحر المتوسط.

وسط هذا التصعيد تتوالى تنديدات الدول العربية بالاعتداءات الإسرائيلية على المقدسيين وانتهاك حرمة الأقصى، وغاراتها على غزة. كما أدانت الجامعة العربية جرائم الحرب والعدوان الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، وكافة مخططات وإجراءات التطهير العرقي، التي تمارسها سلطات الاحتلال، خاصة في مدينة القدس وأحيائها. وأدانت منظمة التعاون الإسلامي “بأشد العبارات الاعتداءات الوحشية الإسرائيلية” على الشعب الفلسطيني. اما الشعوب العربية فلم تجد سبيلا للتعبير عن غضبها العارم ضد همجية المحتل سوى الخروج في مسيرات شعبية متحدية بذلك الإجراءات الاحترازية ضد كورونا.

ولأن الكلمة العليا في القضية الفلسطينية هي لأمريكا، التي لا تجدي معها تصريحات التنديد والاستنكار ولا بيانات الادانة ولا صوت العدل، فقد عرقلت للمرة الثالثة، الاحد الماضي، إصدار بيان مشترك لمجلس الأمن يدعو إلى وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين وإسرائيل. وعللت أمريكا موقفها بضرورة ترك مزيد من الوقت لجهودها الدبلوماسية. وصرح بايدن، إن إدارته تعمل مع الفلسطينيين والإسرائيليين لتحقيق تهدئة دائمة معتبرا أن الطرفين “يستحقان العيش في أمن وسلام”. لكن عن أي سلام يتحدث بايدن وفلسطين تحترق بنيران المحتل، وسط استنكار المجتمع الإسرائيلي نفسه، والذي يرى ان السياسة الحالية والتصعيد ضد الفلسطينيين هو نتيجة لسيطرة اليمين المتطرف على الشأن السياسي؟

ربما لن تتأخر إسرائيل كثيرا قبل ان تعلن وقف عدوانها على القدس وغزة وفلسطينيي 48، بشكل يحفظ ماء وجهها ويبرر اعتداءاتها الوحشية على المدنيين العزل. وبالتأكيد ستدعي النصر بقولها أنها كبدت المقاومة الفلسطينية خسائر فادحة. لكن ذلك لن يغير شيئا من الواقع، وهو ان اسرائيل التي تعاني ازمة سياسية داخلية، سيزيد هجومها الأخير من انقسام الإسرائيليين على أنفسهم. وان اسرائيل بقوتها وجبروتها وتطرف حكومتها لم تعد تخيف أحدا من الفلسطينيين الذين وحدتهم القدس وصواريخ غزة.

على الرغم من حجم الاستفزازات والاعتداءات والخسائر البشرية والاقتصادية للعدوان، الا انه منح الفلسطينيين فرصة كبيرة من اجل إعادة قضيتهم الى واجهة الاجندة السياسية العربية والدولية بعد ان اعتقد كثيرون أن دونالد ترامب قد تمكن من دفنها عبر ما سماه “صفقة القرن”. وبعد ان توارت القضية لما يزيد عن عقد من الزمن بسبب الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة، وبسبب التشرذم الفلسطيني الداخلي بعدما انقسم الفلسطينيون الى فصائل ومجموعات متناحرة تواجه كل واحدة أزمات سياسية واقتصادية وهوياتية، من غزة الى القدس والضفة وفلسطينيي الـ 48، وصولا الى فلسطينيو الشتات ممن يعيشون خارج فلسطين. وبعدما تم حصر القضية على انها “مسألة سياسية” وليست قضية وجود، وتم اختزال المقاومة في غزة، وتم الدفع بعدم التدخل في القضية الفلسطينية باعتبارها قضية لا تخص إلا الفلسطينيين، الا ان الاعتداءات الأخيرة استطاعت ان توحد الفلسطينيين كافة. وهو ما بدا واضحا في الدعوات للمشاركة في الإضراب الشامل، الذي دعت إليه مجموعة من الفعاليات الفلسطينية، “لمؤازرة الشعب الصامد في القدس والداخل وقطاع غزة”.

لقد أثبتت الأحداث الاخيرة للمجتمع الدولي أن القضية الفلسطينية لاتزال حاضرة بقوة، وأن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقوقه المشروعة، وأن لا سلام في المنطقة قبل إيجاد حل عادل لقضيته العادل. ومسار السلام لا يمكن أن يكون خارج ضمان حقوق الشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة. فالحل الوحيد للقضية الفلسطينية هو حل الدولتين، كي لا تستمر دوامة العنف، خاصة بعد ان بدا واضحا امام العالم اجمع سعي إسرائيل الممنهج الى تهويد كافة الأراضي المحتلة عبر اتباع سياسة التطهير العرقي والتهجير القسري بحق الفلسطينيين.

طرحت دولا عربية مقترح عقد مؤتمر دولي حول فلسطين برعاية اممية مباشرة بعد وقف العدوان الإسرائيلي. ربما ستسهم حالة التعاطف الدولي والانشغال العالمي بالقضية الفلسطينية في تنفيذ هذا المقترح، بالإضافة الى تنفيذ مقترح سابق يقضي بتوسيع اللجنة “الرباعية الدولية”، التي تضم أمريكا وروسيا والاتحاد الأوربي، والأمم المتحدة، لتضم مصر والسعودية والصين وألمانيا، ودولا اخرى حتى تكون أكثر تأثيرا. ومن شأن تفعيل هذه المقترحات انهاء استفراد امريكا بالملف “الفلسطيني – الإسرائيلي”، والذي لم يسفر عن التوصل لأي حلول بسبب الانحياز الدائم لإسرائيل. كما سيفرض عقد المؤتمر على طرفي النزاع الجلوس الى طاولة المفاوضات، وما يمكن ان يترتب عن ذلك من الالتزام بحل الدولتين ووضع جدول زمني لتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه.

نقلا عن الاهرام اليومي 

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب