وحدة الدراسات الاقتصادية

مستقبل قطاع التصنيع في إفريقيا

يساهم قطاع التصنيع والانتقال من الأساليب التقليدية ذات الإنتاجية منخفضة إلى أساليب حديثة ذات إنتاجية مرتفعة نسبيًا، والتي في أغلب الأحيان تكون مصاحبة بتطور تكنولوجي، في تحسين مستويات المعيشة تمامًا كما حدث في أوروبا والولايات المتحدة وفي دول آسيا حديثًا، كما يساهم في تخفيض عدم المساواة في الدخل وتخفيض معدلات الفقر. وعلى الرغم من أن التصنيع كان قد بدأ في الازدهار في العِقد الأخير بالعديد من الدول الإفريقية، إلا أن الجائحة كان لها تأثير سلبي على القطاع في هذه الدول، تمامًا كما هو الحال حول العالم.  نصيب قطاع التصنيع من العمالة ومشاركته في الناتج المحلي الإجمالي شكل 1: نصيب قطاع…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يساهم قطاع التصنيع والانتقال من الأساليب التقليدية ذات الإنتاجية منخفضة إلى أساليب حديثة ذات إنتاجية مرتفعة نسبيًا، والتي في أغلب الأحيان تكون مصاحبة بتطور تكنولوجي، في تحسين مستويات المعيشة تمامًا كما حدث في أوروبا والولايات المتحدة وفي دول آسيا حديثًا، كما يساهم في تخفيض عدم المساواة في الدخل وتخفيض معدلات الفقر. وعلى الرغم من أن التصنيع كان قد بدأ في الازدهار في العِقد الأخير بالعديد من الدول الإفريقية، إلا أن الجائحة كان لها تأثير سلبي على القطاع في هذه الدول، تمامًا كما هو الحال حول العالم. 

نصيب قطاع التصنيع من العمالة ومشاركته في الناتج المحلي الإجمالي

شكل 1: نصيب قطاع التصنيع من العمالة

 المصدر: تقرير اتجاهات التصنيع في العالم النامي، المعهد العالمي لجامعة الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاقتصادية، فبراير 2021.

وفقًا لتقرير اتجاهات التصنيع في العالم النامي الصادر عن المعهد العالمي لجامعة الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاقتصادية في فبراير 2021، فإن اتجاه نصيب قطاع التصنيع من العمالة بداية من 1990 إلى 2018 اختلف من منطقة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، انخفض نصيب قطاع التصنيع من العمالة في دول آسيا المتقدمة من 26.1% في 1990 إلى 13.9% في 2018، ومن 14.1% في 1990 في أمريكا اللاتينية إلى 10.3% في 2018. وعلى الرغم من أن هذه الدول كانت نسبيًا أكثر تقدمًا من المناطق الأخرى في الشكل رقم 1 بالنسبة لقطاع التصنيع، إلا أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أيضًا كان لديها نفس الاتجاه في نصيب قطاع التصنيع من العمالة، حيث إنخفضت نسبة القطاع من العمالة من 15.9% في 1990 إلى 14.5% في 2018 (ولكنه انخفاض طفيف نسبيًا مقارنة بدول آسيا المتقدمة أو أمريكا اللاتينية).

ومن ناحية أخرى، ارتفع نصيب قطاع التصنيع من العمالة في إفريقيا جنوب الصحراء من 7.2% في 1990 إلى 8.4% في 2018، متخذًا الاتجاه نفسه لدول آسيا النامية، حيث ارتفعت النسبة من 10% في 1990 إلى 13.4% في 2018. 

شكل 2: مساهمة قطاع التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي (القيمة المضافة الحقيقية)

 المصدر: تقرير اتجاهات التصنيع في العالم النامي، المعهد العالمي لجامعة الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاقتصادية، فبراير 2021.

أما بالنسبة لمساهمة قطاع التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي، فقد اختلف أيضًا اتجاه نسب المساهمة بين المناطق. فعلى الرغم من أن نصيب قطاع التصنيع من العمالة في آسيا المتقدمة قد انخفض، إلا أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي قد ارتفعت من 17.9% في 1990 إلى 19.9% في 2018. الأمر الذي يشير إلى تبني هذه الدول تقنيات رأس المال المكثف ذات التكنولوجيا الحديثة. كما ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل طفيف لتصل إلى 16.6% في 2018 من 15.9% في 1990. جدير بالذكر أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة كانت الأعلى في 2010، حيث بلغت 17.4%. ولكن على الرغم من أن نصيب القطاع من العمالة انخفض في أمريكا اللاتينية، تمامًا كما هو الحال في دول آسيا المتقدمة، إلا أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي أيضًا انخفضت (على عكس دول آسيا المتقدمة) لتصل إلى 15.4% في 2018 من 18.7% في 1990، الأمر الذي يشير إلى انخفاض أهمية قطاع التصنيع في دول أمريكا اللاتينية.

إضافة إلى ذلك، في حين أن نصيب القطاع من العمالة في دول إفريقيا جنوب الصحراء وفي دول آسيا النامية قد ارتفع، إلا أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي قد اختلفت بين المنطقتين. فقد ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي في دول آسيا النامية ليصل إلى 18.5% في 2018 ارتفاعًا من 14.2% في 1990. بينما انخفضت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي في دول إفريقيا جنوب الصحراء لتصل إلى 10.9% في 2018 انخفاضًا من 12.7% في 1990. ووفقًا لمقال بعنوان “الصناعة الإفريقية تحقق أداءً أفضل مما كان متوقعًا” الذي نشرته مجلة الـ”إيكونيميست” في 20 مارس 2021، فعلى الرغم من ارتفاع الناتج بنسبة 91٪ بالقيمة الحقيقية منذ عام 2000، إلا أن ارتفاع نصيب القطاع من العمالة بينما تنخفض مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي تشير فقط إلى تدهور إنتاجية القطاع. 

يمكن شرح هذا التدهور في الإنتاجية في إفريقيا جنوب الصحراء بحقيقة أن الارتفاع في خلق فرص العمل كان من قِبَل المصانع والأعمال الصغيرة التي تفتقر للتكنولوجيا الحديثة والتي تتبع تقنيات العمالة المكثفة (وهو ما قد يكون متلائمًا بالفعل مع طبيعة الموارد في هذه الدول، حيث إنها تتميز بعدد سكان مرتفع في سن العمل ورأس مال منخفض مقارنة بالمناطق الأخرى). ولكن إذا تمكنت إفريقيا من اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر في هذا القطاع واجتذاب الشركات الكبيرة ذات تكنولوجيا عالية، فقد تتمكن من استغلال تكنولوجيا أحدث، وبالتالي رفع كفاءتها، وأخيرًا الحصول على نصيب أكبر في الأسواق العالمية.

وقد سلطت الجائحة الضوء على اعتماد قطاع التصنيع الإفريقي على سلاسل التوريد العالمية، تمامًا كما هو الحال في جميع أنحاء العالم، كذلك إلى احتمالية تأثر القطاع على المدى الطويل مع تأثر قطاعات التعليم والصحة والتي لها أثر مباشر على إنتاجية العمال. ولكن كانت لدى المصانع الصغيرة القدرة على التكيف مع تداعيات الجائحة، والانتقال إلى أسواق وتصنيع منتجات أخرى مثل تصنيع الكمامات وغيرها من المنتجات الطبية. وكذلك فإن العديد من الدول الإفريقية تشجع التصنيع المحلي. على سبيل المثال، وفقًا لمقال بعنوان “كيف يمكن أن ينطلق التصنيع في إفريقيا” المقدم من مجلة الـ”إيكونيميست” فإن أوغندا وغانا وجنوب إفريقيا ومصر وغيرها يلجئون إلى الصناعة المحلية ويجعلون إحلال الواردات أولوية. كما اجتذبت غانا، على سبيل المثال، مصانع تجميع السيارات مثل نيسان وفولكس فاجن. وأخيرَا أشار مقال الـ”إيكونيميست” إلى أن البنك الدولي يتوقع أن منطقة التجارة الحرة الجديدة على مستوى القارة والتي دخلت حيز التنفيذ هذا العام قد تؤدي إلى تضاعف حجم التجارة في المنتجات الصناعية بين هذه الدول بحلول عام 2035، وهذا ما يقوي من التوقعات بازدهار القطاع.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة