مقال تحليلي

الحرب الرابعة في غزة!

لم تكن الحرب الجارية الآن في غزة منذ أكثر من أسبوع الحرب الأولي التي جرت بين إسرائيل وحماس، وإنما سبقتها ثلاثة حروب كانت مكلفة بل وباهظة الثمن الإنساني والمادي. وطبقا للبيانات التي نشرها مكتب الأمم المتحدة للشئون الانسانية فإن الحروب الثلاث الأولي في ٢٠٠٨و ٢٠١٢و ٢٠١٤ وحتى ٢٠٢٠ بلغ عدد الضحايا من الفلسطينيين ٥٦٠٠، والجرحى ١١٥٠٠٠. في المقابل فإن إسرائيل خسرت ٢٥٠ إسرائيليا، وبلغ الجرحى ٥٦٠٠. وحتى مساء الأحد ١٦ مايو الجاري سقط ٢٠٨ فلسطيني ضحايا، ونزف ٥٦٠٤ جرحي في مقابل ٧ من الإسرائيليين. هي حرب في ميزان الدم غير متكافئة تقوم فيها إسرائيل بعدوان يخلو من أي شرف عسكري…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

لم تكن الحرب الجارية الآن في غزة منذ أكثر من أسبوع الحرب الأولي التي جرت بين إسرائيل وحماس، وإنما سبقتها ثلاثة حروب كانت مكلفة بل وباهظة الثمن الإنساني والمادي. وطبقا للبيانات التي نشرها مكتب الأمم المتحدة للشئون الانسانية فإن الحروب الثلاث الأولي في ٢٠٠٨و ٢٠١٢و ٢٠١٤ وحتى ٢٠٢٠ بلغ عدد الضحايا من الفلسطينيين ٥٦٠٠، والجرحى ١١٥٠٠٠. في المقابل فإن إسرائيل خسرت ٢٥٠ إسرائيليا، وبلغ الجرحى ٥٦٠٠. وحتى مساء الأحد ١٦ مايو الجاري سقط ٢٠٨ فلسطيني ضحايا، ونزف ٥٦٠٤ جرحي في مقابل ٧ من الإسرائيليين. هي حرب في ميزان الدم غير متكافئة تقوم فيها إسرائيل بعدوان يخلو من أي شرف عسكري بلغ فيه الضحايا المدنيين في معظمهم من النساء والأطفال الربع، وهؤلاء كتبوا سجل عار لا يمحي لإسرائيل طالما ظل للتاريخ تسجيل. ومع ذلك فإن العلاقات الصراعية بين الدول أو الكيانات السياسية لا تخضع كثيرا للمعايير الأخلاقية والمثالية وإنما لحسابات القوة والقدرات المختلفة للأطراف وكيفية استعمالها بمهارة وقدرة على كسب المؤيدين والحلفاء في إقليم الصراع وخارجه على المستوي العالمي. 

تجربة الحروب الثلاث السابقة تعطي بعض المؤشرات التي نلقي بظلها على الحرب الحالية. أولها أن الحرب لا يجري وقفها بسرعة وإنما عبر عملية قد تستغرق ما بين أسبوعا وخمسة أسابيع، وفي العادة فإنها تكون الزمن الذي تسعي فيه إسرائيل إلى تقليم أظافر حماس لفترة زمنية مقبلة. ولذا فإن مرور أسبوع واحد على بداية الحرب لا يدفع إلى اليأس من إنجاز هدف وقف إطلاق النار والسعي لإطار للتفاهم وتنظيم العداء بين حماس وإسرائيل. وثانيها أن الحرب في العادة تبدأ من نقطة انطلاق لها علاقة بالذنب الأصلي للقضية الفلسطينية المشتقة من الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين. وهو ما حدث في هذه الحرب عندما جوت الصدامات في القدس بين إسرائيل والمواطنين الفلسطينيين لدخول المجلس الأقصى خلال شهر رمضان؛ وصاحب ذلك إصدار حكم محكمة إسرائيلية لصالح مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين لانتزاع ملكية منازل وهو ما يعد جزءا من تيار تاريخي إسرائيلي لتهويد القدس الشرقية حتى بات العرب فيها يمثلون فقط ٤٠٪ من عدد السكان. وثالثها أن الحرب تكون قد بدأت منذ لحظة الحرب السابقة حيث تسعي حماس وإسرائيل إلى تحقيق تراكم تسليحي تتصور أنه سوف يسمح لها بحسم المعركة العسكرية التالية. وهو ما جري بالفعل خلال الفترة ما بين الحرب الأخيرة في ٢٠١٤ والحرب الراهنة حيث حصلت حماس علي المزيد من الصواريخ كما ونوعا من إيران ذات المصلحة في فتح جبهة إضافية في مواجهة إسرائيل. وعلي الجانب الآخر فإن إسرائيل هي الأخرى عززت من قدراتها على اختراق الأنفاق، واكتشاف مقار القيادات الفلسطينية تحت الأرض أو فوقها، ورابعها أن مفتاح الحل أو تجاوز المعارك يبدأ دائما من تحركات الدبلوماسية المصرية بالتعاون مع الولايات المتحدة وأطراف دولية أخري؛ وهو ما يحدث هذه المرة كما حدث في المرات السابقة.

ورغم هذه المشابهات ما بين الحرب الرابعة والحروب الثلاث السابقة فإن هناك تغيرات هيكلية تجري في الحرب الحالية وتدخل حسابات جديدة غير مسبوقة. أولها أنه رغم العداء والصراع فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يعيشون بين نهر الأردن والبحر المتوسط باتوا يشكلون حقيقة سياسية واقتصادية ومالية واحدة تتفاوت فيها الرؤوس سياسيا واقتصاديا نعم، ولكنها مجبرة على التعايش في دولة واحدة. الأخطر أن هذه الحقيقة باتت نافية بشكل جذري إمكانية التوصل إلى حل الدولتين وبقي أن يكون موضوع السياسة هو كيفية ترجمة هذه الحقيقة إلى واقع سياسي تكون فيه “المساواة” وليس “التحرير” هي جوهر العملية السياسية لخلق السلام بين الطرفين. وثانيها أن الحرب الحالية عكست تشابكات جديدة مع الواقع الإقليمي لما كان صراعا عربيا إسرائيليا ثم صار فلسطينيا إسرائيليا وهو الدخول الثقيل لإيران (وتركيا أيضا) في الصراع من خلال السلاح والحركات السياسية التابعة بالتمويل والتوجيه في لحظة تدخل فيها إيران في مفاوضات مع الولايات المتحدة بصد الأسلحة النووية. وثالثها أن هناك تغيرات دولية لا يمكن تجاهلها وفي مقدمتها الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والذي يعني عمليا الانسحاب من الشرق الأوسط عسكريا على الأقل ونسبيا في الدبلوماسية والسياسة والاقتصاد. ورابعها أن هناك واقعا جديدا في الإقليم نجم عن السلام الإبراهيمي والذي بمقتضاه انضمت أربعة دول عربية إلي ركب السلام والتطبيع مع إسرائيل لأسباب ومصالح جيو سياسية لا يمكن تجاهلها. وإذا أضيف إلى ذلك مشاركة مصر وفلسطين والأردن وإسرائيل في منتدي شرق البحر الأبيض المتوسط، وأن معظم دول المنطقة تمر بعمليات إصلاحية عميقة، فإن التعامل مع الصراع هذه المرة سوف يختلف عما كان عليه الحال في المرات السابقة. 

كيف نتعامل مع ذلك أمر يحتاج إلى تفكير مبدع قوامه أن الاعتماد في حل الصراع على القوى الخارجية علي الإقليم، وحتي علي المنظمات الدولية، لم يكن مجديا كثيرا لأن العالم بات مشغولا بالكورونا ومصالح أخري جديدة تجعل الشرق الأوسط كله جزءا من معضلة العالم كله في هذه المرحلة من تاريخيه، وليس جزءا من الحل. بالنسبة للعالم العربي فربما آن الأوان لقمة للدول العربية التي وقعت معاهدات سلام مع إسرائيل يضاف إليهم المملكة العربية السعودية صاحبة مبادرة السلام العربية للبحث في أمور السلطة الوطنية الفلسطينية، وكيفية التعامل مع إسرائيل، وتحقيق الأمن الإقليمي. التفاصيل تحتاج تفكيرا أطول.    

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية