الإصلاحات الهيكلية والمدخرات المحلية

أشرنا فى مقالنا السابق إلى أن برنامج الإصلاح الهيكلي المعلن من الحكومة المصرية والذي يعد وبحق نقلة مهمة، قد أهمل الحديث عن بعض القضايا الموضوعية وعلى رأسها الحديث عن سياسة الادخار المحلي. وهى قضية تكاد تكون مهملة فى معظم الأحاديث الحكومية ولدى صانعي السياسة الاقتصادية على وجه الخصوص وذلك على الرغم من أهميتها القصوى وهو ما سبق أن أوضحناه فى العديد من المقالات السابقة، وتزداد أهمية هذه المسألة مع استهداف خطة التنمية للعام المالي القادم 2021/2022 استثمارات كلية بقيمة 1250 مليار جنيه وبزيادة نحو 51% على العام الحالي تأتى معظمها من الاستثمارات العامة نتيجة لاستمرار الحكومة فى تطوير وتحديث البنية…

عبد الفتاح الجبالي

أشرنا فى مقالنا السابق إلى أن برنامج الإصلاح الهيكلي المعلن من الحكومة المصرية والذي يعد وبحق نقلة مهمة، قد أهمل الحديث عن بعض القضايا الموضوعية وعلى رأسها الحديث عن سياسة الادخار المحلي. وهى قضية تكاد تكون مهملة فى معظم الأحاديث الحكومية ولدى صانعي السياسة الاقتصادية على وجه الخصوص وذلك على الرغم من أهميتها القصوى وهو ما سبق أن أوضحناه فى العديد من المقالات السابقة، وتزداد أهمية هذه المسألة مع استهداف خطة التنمية للعام المالي القادم 2021/2022 استثمارات كلية بقيمة 1250 مليار جنيه وبزيادة نحو 51% على العام الحالي تأتى معظمها من الاستثمارات العامة نتيجة لاستمرار الحكومة فى تطوير وتحديث البنية الأساسية والتوسع فى مشروعات الإسكان وكذلك زيادة الاستثمارات الموجهة لقطاعي الصحة والتعليم للحد من تداعيات فيروس كورونا المستجد. وهو ما يزيد من الاحتياجات التمويلية للبلاد وهنا نلحظ أن معدل الادخار المحلى فى تراجع حيث وصل إلى 6.2% عام 2019/2020وهو معدل منخفض للغاية لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع معدلات الإستثمار المطلوبة لرفع معدل النمو بما يحقق الأهداف التنموية للبلاد، ومن ثم انخفض معدل الإستثمار إلى 13.8% من الناتج المحلى وتراجع معدل النمو إلى 2.8% عام 2020/2021. لذلك فإن تحقيق معدل النمو المستهدف فى خطة العام المقبل بنحو 5.4% وبالتالي معدل الإستثمار بنحو 17.6% يشير إلى اتساع الفجوة التمويلية لتوفير التمويل اللازم لها كشرط أساسي لسد احتياجات الاقتصاد المحلي من واردات الطاقة والسلع الرأسمالية ومدخلات الإنتاج اللازمة للنمو والتوسع الاقتصادي دون أن يمثل ذلك ضغطاً على موارد النقد الأجنبي للبلاد فينتج عنه خلل غير حميد في موقف القطاع الخارجي للبلاد.

وهو ما يطرح قضية الادخار المحلى باعتبارها حجر الزاوية فى هذه المسألة، حتى بالنسبة لجذب الإستثمار الأجنبي. وذلك لأن نجاح أي مشروع جاد، في المديين المتوسط والطويل، يتوقف على حسن أداء الاقتصاد القومي في مجموعه. ونظراً لضرورة رد الموارد الأجنبية في المستقبل، فمن الضروري أن تستخدم هذه الموارد بشكل منتج وفعال. ومن ثم فإن اجتذاب المدخرات الأجنبية يقتضي أولا زيادة الادخار المحلى وتعبئتها فى استثمارات منتجة وهنا يجب التفرقة بين المدخرات الإجبارية التي تتم وفقا للقانون مثل التأمينات الاجتماعية، والمدخرات الاختيارية التي يقوم بها الأفراد طواعية مثل الودائع لدى الجهاز المصرفي وصناديق توفير البريد وكذلك شهادات الإستثمار والتأمينات التجارية، كما يجب التفرقة بين مدخرات القطاع العائلي ومدخرات قطاعات الدولة الأخرى مثل الحكومة وقطاع الأعمال والقطاع الخاص. وجدير بالذكر أن تراجع الادخار المحلى يرجع فى جانب كبير منه إلى عجز الموازنة العامة للدولة. إذ تشير الإحصاءات الختامية لمصفوفة الادخار والاستثمار إلى أن القطاع العائلي استطاع تعبئة مدخرات لا بأس بها خلال الفترة الماضية إلا أنها استخدمت فى معظمها لإقراض الحكومة وتمويل العجز الجاري فى الموازنة، كما يتضح من مصفوفة تمويل الاستثمارات. هذا فضلا عن العديد من السياسات الأخرى التي أثرت فى هذه العملية ونقصد بها تحديدا سياسة التيسير النقدي المتبعة من البنك المركزي والتي تم بمقتضاها خفض معدلات الفائدة بنحو عشر نقاط مئوية خلال الفترة الماضية. وهو ما أدى إلى قيام البعض، خاصة المدخر الصغير، بسحب جزء من ودائعه لدى الجهاز المصرفي إما للاكتناز أو للاستهلاك. أو توظيفها لدى كيانات توظيف الأموال التي عادت للظهور بشدة خلال الآونة الحالية والتي تحسن استغلال هذه المسالة تماما. خاصة في ضوء ما يتميز به المجتمع من قيم تجاه التعامل المصرفي، فمازال التعامل النقدي هو الغالب على معظم التعاملات ناهيك عن ارتفاع معدل الاكتناز. ومازالت العادات المصرفية بالبلاد بعيدة تماما عن مفهوم التعامل المصرفي وتفضل التعاملات النقدية. وليس أدل على ذلك من ارتفاع عنصر النقود بمعناها الضيق فى السيولة المحلية. فضلا عن فشل الجهاز المصرفي حتى الآن، على الأقل، في تغذية الروح الادخارية لدى المواطن العادي. وذلك نظرا لتعقيدات المعاملات البنكية أو لسيادة انطباع لدى البعض بسوء المعاملة وتكلفتها ورغم الإجراءات العديدة التي يقوم بها الجهاز المصرفي، فإن الطريق مازال طويلا وشاقا لتحويل المجتمع إلى التعاملات المصرفية، ويحتاج إلى تضافر الجهود بغية تغيير العادات السائدة وكذلك قيام البنوك بتوسيع دائرة الاهتمام لتشمل كل قرى ومدن مصر مع إزالة العقبات أمام تسهيل المعاملات وتعميم الشمول المالي، بهدف تيسير الوصول واستخدام وتقديم المنتجات والخدمات المالية الرسمية إلى مختلف الشرائح فى المجتمع، بأسعار معقولة وبعدالة وشفافية بدلا من الحصول عليها من خلال القنوات غير الرسمية وتوسيع نطاق العمل المصرفي ليشمل جميع الفئات والسكان مثل سكان الريف والفقراء والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر ودمج القطاع غير الرسمي فى الاقتصاد الرسمي الأمر الذى يؤثر بالإيجاب على معدلات الادخار. عموما ورغم كل ما سبق فإن هناك فرصة هائلة لزيادة المدخرات المحلية عن طريق تدعيم الشمول المالي وكذلك إحياء صندوق توفير البريد كأداة ادخارية مهمة. وهو ما يتطلب العمل على تطوير هيئة البريد لتضطلع بدور أكبر في هذه العملية نظرا لما تحظ به من قبول شعبي لدى الغالبية العظمى من ساكني الريف والقرى، والشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، وهناك العديد من الخبرات الدولية في هذا المجال والتي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك الإمكانات الهائلة التي يمكن أن تسهم بها هذه الأداة في تعزيز النمو ورفع معدلات الادخار بالمجتمع. وهو ما لن يتأتى إلا عبر إعادة النظر في البناء المؤسسي لهيئة البريد وإصلاح القانون 19 لسنة 1982 المنشئ لها بما يحررها من كل القواعد واللوائح الحكومية، جنبا إلى جنب مع الاهتمام بتطوير وتدريب العاملين بها لمجابهة التقدم التكنولوجي الكبير في هذا المجال.

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٢ مايو ٢٠٢١.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب