الضابط والشريف وعالم الكيمياء

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

عندما صعدت القومية في الشرق الأوسط قبل مائة عام، كانت القوميات العربية والتركية والصهيونية تتصدر المشهد. قومية الترك تصدرها الضباط، وأهمهم مصطفى كمال؛ وقومية العرب تصدرها الأشراف شيوخ العشائر من الهاشميين بقيادة الشريف حسين؛ وقومية الصهاينة تصدى لقيادتها عالم الكيمياء حاييم وايزمان. مصطفى كمال والشريف حسين وحاييم وايزمان ليسوا فقط ثلاثة قادة كبار، ولكنهم أيضا رموز لنخب سياسية تصدرت المشهد السياسي كل في النطاق الخاص به، وهي النخب التي تركت بصمة قوية على تاريخ الحركات القومية الثلاث، وعلى مسار المائة سنة التالية من تاريخ الشرق الأوسط. فما هي البصمات التي تركها الرجال من النوعيات الثلاثة على الحركة القومية لشعوبهم، وكيف…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

عندما صعدت القومية في الشرق الأوسط قبل مائة عام، كانت القوميات العربية والتركية والصهيونية تتصدر المشهد. قومية الترك تصدرها الضباط، وأهمهم مصطفى كمال؛ وقومية العرب تصدرها الأشراف شيوخ العشائر من الهاشميين بقيادة الشريف حسين؛ وقومية الصهاينة تصدى لقيادتها عالم الكيمياء حاييم وايزمان. مصطفى كمال والشريف حسين وحاييم وايزمان ليسوا فقط ثلاثة قادة كبار، ولكنهم أيضا رموز لنخب سياسية تصدرت المشهد السياسي كل في النطاق الخاص به، وهي النخب التي تركت بصمة قوية على تاريخ الحركات القومية الثلاث، وعلى مسار المائة سنة التالية من تاريخ الشرق الأوسط. فما هي البصمات التي تركها الرجال من النوعيات الثلاثة على الحركة القومية لشعوبهم، وكيف انعكست طبيعة القيادة التأسيسية للحركات القومية الثلاث على المآل الذي انتهت إليه هذه الحركات ؟

أخذت حركات التحديث والإصلاح في التشكل في إطار الدولة العثمانية طوال القرن التاسع عشر، وقرب نهاية القرن تبلورت أغلب هذه الحركات في جمعية الاتحاد والترقي، التي تجاوزت المطالبة بالتحديث الاجتماعي والثقافي والحكم الدستوري، وتحولت إلى حركة قومية، تركز على المصالح والثقافة التركية، فيما كانت تجاهد للإبقاء على الدولة العثمانية متعددة الأعراق والثقافات، الأمر الذي مثل تناقضا شديدا كان من الصعب حله في الإطار السياسي القائم.

مثل رجال الإدارة وضباط الجيش العمود الفقري لجمعية الاتحاد والترقي، ومن بين هؤلاء كان الضابط مصطفى كمال. انهزمت الجيوش العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وقبلت السلطنة المهزومة بالتخلي عن جزء كبير من البلاد لصالح خصمها اللدود اليونان، ودول الحلفاء الأخرى، ولولا الحرب التي قادها الجيش بقيادة الفريق مصطفى كمال لكانت تركيا الحالية أصغر كثيرا مما عليه الآن.

طرد مصطفى كمال الجيوش الأجنبية، فحرر البلاد، ونجح فيما فشلت فيه حكومة السلطان الخليفة، وأصبح للضابط القومي العلماني شرعية ونفوذ يفوق شرعية الخلافة والسلطنة. انطلق مصطفى كمال من ميراث الدولة العثمانية ومؤسساتها، ليؤسس كيانا مختلف تماما، فأعلن الجمهورية وألغى الخلافة. تخلى مصطفى كمال عن كل ما له صلة بالإسلام، وإن حاول توظيف الدين كأحد أعمدة الهوية القومية. رفض مصطفى كما ل التعددية العرقية والثقافية التي ميزت الدولة العثمانية، واعتبر جميع سكان الدولة أتراكا. تخلى مصطفى كمال عن الحروف العربية في كتابة اللغة التركية، واستبدلها بالحروف اللاتينية، بدعوى تطهير الثقافة التركية من العناصر الثقافية الدخيلة. حظر مصطفى كمال رموزا وملابس عثمانية وإسلامية، واستبدلها برموز وملابس مستوحاة من أوروبا. قاوم مصطفى كامل دعوات توحيد الشعوب الناطقة بالتركية، المنتشرة في المنطقة الممتدة حتى حدود الصين، مركزا فقط على الأتراك المقيمين داخل حدود تركيا الحالية، فجنب البلاد مغامرات توسعية كان يمكن أن تطيح بها.

غير مصطفى كمال أشياء كثيرة في تركيا، لكنه بنى مشروعه على ميراث الإدارة والجيش العثماني، وعلى فلسفة سياسية تضع الدولة، حدودا ومؤسسات وجيش وهوية قومية أولا وقبل كل شيء، فبنى دولة يعتد بها، وإن لم يستطع خلفائه إبقائها في مأمن من دعوات الإسلام السياسي المستحدثة.

فيما كانت القومية التركية في مرحلة صعودها التدريجي في القرن التاسع عشر، كانت العروبة آخذة في التشكل كحركة ثقافية، تسعى إلى تحقيق إحياء ثقافي عربي، يؤكد على الهوية العربية المشتركة، بدلا من الهويات الطائفية، بعد أن أدت الصراعات الطائفية بين المسيحيين والدروز وطوائف إسلامية أخرى في سوريا ولبنان لمذابح دامية. لم تقترح العروبة الثقافية برنامجا سياسيا إلا كرد فعل لسياسات القومية التركية، فكانت المطالبة باللامركزية في إطار الدولة العثمانية هي أقصى مطالب عرب المشرق.

كان هذا هو الحال حتى ظهرت الطموحات السياسية لشريف مكة حسين بن علي. لم يكن للشريف حسين وأولاده دور مهم في الأنشطة العروبية التي عرفتها مدن المشرق الرئيسية، خاصة دمشق وبيروت. غير أن اشتعال الحرب العالمية الأولى، ودخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا، أتاح للشريف حسين فرصة لم يكن له أن يهدرها. ففي إطار سعيها لإضعاف الدولة العثمانية التي انضمت لمعسكر الأعداء، شجعت انجلترا الشريف حسين على الثورة ضد العثمانيين. لاقى هذا التشجيع هوا في نفس شريف مكة، الذي كانت علاقته بحكومة اسطنبول آخذة في التدهور لأسباب غير ذات صلة بالعروبة. اشتعلت ثورة عرب الحجاز بقيادة الشريف حسين؛ وبمساعدة الحلفاء نجح الثوار في طرد العثمانيين من الحجاز والأردن وسوريا، وأصبح الشريف حسين رمزا وقيادة لما عرف بالثورة العربية الكبرى، فكان العرب وكأنهم انتقلوا من الإحياء الثقافي للثورة دفعة واحدة. غير أن مقاتلي بدو الحجاز لم يكن لديهم من القوة ما يسمح لهم بالحفاظ على ممتلكاتهم الجديدة في سوريا، ولم يكن لدى أشراف مكة من المعرفة والخبرة السياسية ما يسمح لهم بالسباحة الآمنة في مياه السياسة الدولية المضطربة، فانتهى الأمر إلى الإجهاز السريع على الدولة العربية الناشئة.

شارك الأمير فيصل بين الشريف حسين في مؤتمر الصلح، الذي انعقد في باريس من أجل ترتيب عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى. في مؤتمر باريس كان هناك أيضا الدكتور حاييم وايزمان، أحد أهم النشطاء اليهود الذين ساهموا في تأسيس دولة إسرائيل. وايزامان هو عالم كيمياء من أصول روسية، استقر في انجلترا، مكرسا وقته وجهده للبحث في الكيمياء ولإنشاء دولة إسرائيل. لم يكن لدى حاييم وايزمان والحركة الصهيونية حتى ذلك الوقت جيش يشبه ولو حتى فرسان بدو الحجاز؛ ولم يكن لديهم أي شيء يشبه مؤسسات الدولة؛ لكن كان لديهم اطلاع واسع على حضارة العصر، في معامل الكيمياء والفيزياء، وفي منابر الفكر، ودهاليز صنع القرار، الأمر الذي مكن عالم الكيمياء اليهودي من استصدار وعد بلفور، ثم تحويل الوعد المشئوم إلى جزء من قرار الانتداب البريطاني على فلسطين، لينتهي الأمر في النهاية إلى تأسيس دولة إسرائيل، وبدء المأساة الفلسطينية التي مازالت فصولها تتواصل منذ ذلك الحين.

ـــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٣ مايو ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب