رجل غير العالم

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

قائمة الرجال الذين غيروا العالم طويلة. لسنا في حاجة للغوص بعيدا في أعماق التاريخ، فيكفينا مراجعة القرون الثلاثة الأخيرة، لنجد المئات من العلماء والمخترعين والمستثمرين والمفكرين والقادة السياسيين والعسكريين، الذين قدم كل منهم إسهاما غير الحياة على وجه الكوكب. ينطبق هذا على مخترعي المصباح الكهربائي والراديو والتلغراف، وصاحب نظرية النسبية، وفلاسفة التنوير، ومخترع القاطرة البخارية، وقادة كبار من أمثال نابليون وتشرشل ولينين وماو. لا تكاد قائمة الرجال الذين غيروا العالم تضم أحدا من منطقتنا، ربما باستثناء شخصية وحيدة منفردة، أتمنى لو أنها لم تظهر أبدا على وجه الأرض. عن أسامة بن لادن أتحدث، فلم يترك أحد من منطقتنا بصمة على…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

قائمة الرجال الذين غيروا العالم طويلة. لسنا في حاجة للغوص بعيدا في أعماق التاريخ، فيكفينا مراجعة القرون الثلاثة الأخيرة، لنجد المئات من العلماء والمخترعين والمستثمرين والمفكرين والقادة السياسيين والعسكريين، الذين قدم كل منهم إسهاما غير الحياة على وجه الكوكب. ينطبق هذا على مخترعي المصباح الكهربائي والراديو والتلغراف، وصاحب نظرية النسبية، وفلاسفة التنوير، ومخترع القاطرة البخارية، وقادة كبار من أمثال نابليون وتشرشل ولينين وماو. لا تكاد قائمة الرجال الذين غيروا العالم تضم أحدا من منطقتنا، ربما باستثناء شخصية وحيدة منفردة، أتمنى لو أنها لم تظهر أبدا على وجه الأرض. عن أسامة بن لادن أتحدث، فلم يترك أحد من منطقتنا بصمة على العالم الحديث بقدر ما ترك هذا الرجل.

تذكرت أسامة بن لادن بمناسبة قرار أمريكا استكمال سحب قواتها من أفغانستان بحلول الحادي عشر من سبتمبر القادم، أي بحلول الذكرى العشرين لعدوان إرهابيي القاعدة أتباع أسامة بن لادن على نيويورك وواشنطن. تنسحب الولايات المتحدة من أفغانستان بلا أي ادعاء عن النصر أو تحقيق المهمة، فقد خسرت الولايات المتحدة أطول حرب خاضتها في تاريخها، واضطرت في النهاية للانسحاب من أفغانستان، مفسحة المجال لطالبان للعودة مرة أخرى للسلطة بعد أن طردهم الأمريكيون منها قبل عشرين عاما.

ضرب أسامة بن لادن الولايات المتحدة عندما كانت في ذروة تسيدها على العالم، عشر سنوات بعد انتهاء الحرب الباردة. وقتها لم يكن هناك الكثيرون ممن يستطيعون أن يقولوا لا لواشنطن. قارن ذلك بنفوذ الولايات المتحدة المتراجع في عالم اليوم. لقد ضمت روسيا أراض تابعة لأوكرانيا، رغم المعارضة والعقوبات الأمريكية، ورغم أن أوكرانيا كانت قد حصلت على ضمانات أمنية أمريكية عندما قبلت التخلي عن الأسلحة النووية غداة انتهاء الحرب الباردة. قامت الصين بإنهاء الوضع الخاص الذي تمتعت به هونج كونج متجاهلة الاحتجاجات الأمريكية. سيطرت إيران عبر الميلشيات التابعة على عدد من الدول العربية، فيما تواصل ابتزاز العالم ببرنامجها النووي. حتى إثيوبيا انسحبت عشية حفل التوقيع، من اتفاق توسطت الولايات المتحدة للوصول إليه من أجل تنظيم إدارة مياه النيل. كل هذه التطورات، وغيرها الكثير لم يكن من الممكن تصور حدوثها قبل عشرين عاما، ولكنها باتت أمرا شائعا في عالم اليوم.

لم تلحق ضربة بن لادن كل هذا الضرر بالولايات المتحدة، ولكن الولايات المتحدة هي التي جلبت كل هذا الضرر على نفسها عندما اختارت أن ترد بالحرب على اعتداء الإرهاب. عبث بن لادن بأنف الولايات المتحدة فانتفضت غاضبة، وتوقفت عن التفكير والتدبر، وأطلقت العنان لغريزة الانتقام، فلحق بها ضرر أكبر مما ألحقه بها الإرهابيون.

فيما جلبته أمريكا على نفسها دروس كثيرة. أول هذه الدروس هو أن الحرب ليست هي الطريقة الملائمة للتعبير عن الغضب ورد الإهانة. لقد غضب الأمريكيون بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وأرادوا التعبير عن غضبهم عبر القيام بفعل كبير يتلاءم مع المهانة والألم الذي لحق بهم، فكانت الحرب في أفغانستان، ليكتشفوا بعد ذلك أنهم وقعوا في فخ. شعر الأمريكيون بكرامتهم وقد أهينت، وأرادوا الثأر للكرامة المجروحة، لتلحق بهم الحروب الفاشلة المزيد من المهانة.

لم تعدم الولايات المتحدة سببا وجيها لشن الحرب على أفغانستان، التي استضافت وسهلت عمل أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة. كان الحق في جانب الولايات المتحدة، لكن الحق ليس ضمانة للانتصار في الحرب. هذا درس طالما لقنه لنا خبراء الاستراتيجية الغربيين، ولكن الكرامة المجروحة والنفوس الغاضبة ليست مؤهلة لمراجعة الدروس والاستماع للنصائح. الحق مفهوم مراوغ، علينا التعامل معه بحرص، فما قد يكون حقا من وجهة نظري، قد لا يكون كذلك في رأي آخرين؛ وما قد يراه الناس حقا اليوم، قد لا يرونه كذلك غدا؛ فالولايات المتحدة التي كان معها كثير من الحق بعد الحادي عشر من سبتمبر، تحولت إلى قوة معتدية بعد أن طالت الحرب لعدة سنوات.

ينصح خبراء الاستراتيجية بأن سؤال نهاية الحرب أهم من سؤال بدايتها، وأنه عليك قبل دخول الحرب أن تعرف كيفية الخروج منها، وإلا وجدت نفسك متورطا في نزيف بلا نهاية أو قاع.

ميزان القوة مهم، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يقرر نتيجة الحرب. هذا هو الدرس الذي تعلمه الأمريكيون في فيتنام، لكنهم تجاهلوه تماما في أفغانستان. لم يكن الفيتناميون أو طالبان أكثر قوة من الأمريكيين، ولكنهم كانوا مستعدين لتحمل خسائر أكبر بكثير مما كان الأمريكيون مستعدون لتحمله. 

خسر الأمريكيون، ونحن أيضا خسرنا معهم. تسبب الإرهاب في توسيع الفجوة بين المسلمين والغرب، وشاعت مشاعر الشك والخوف من المسلمين، الذين باتوا موضعا للاشتباه أكثر من أي وقت مضى. شنت الولايات المتحدة حربا عسكرية مدمرة على أفغانستان والعراق؛ وشنت حربا سياسية لترويج الديمقراطية، فتسببت في تدمير عدة بلاد عربية أخرى، وخلقت أوضاعا كانت إيران وحدها هي المستفيد منها، وهكذا خسرت أمريكا لصالح الصين وروسيا، فيما خسر المسلمون السنة لصالح إيران.

ستنسحب الولايات المتحدة من أفغانستان، مثلما انسحبت سابقا من فيتنام، مخلفة ورائها حلفاء أمريكا المحليين من الحكومات وأنصار النموذج الغربي في كرب كبير، بعد أن بدلت أمريكا شعاراتها من الانتصار للحرية، إلى أن حماية حقوق المرأة ليست من وظائف الجيش الأمريكي؛ والدرس هنا هو أن الاحتماء بالمتدخل الأجنبي خسارة مؤكدة ولو بعد حين.  

لن يهنأ الشرق الأوسط حتى يكف عن إنتاج رجال يلوحون بقبضتهم في وجه العالم، ويتوعدونه بالذبح، لينتج بدلا من ذلك رجالا ونساء يغيرون العالم بما يبدعونه من معارف وأفكار وابتكارات وفنون وثروات مادية ومعنوية، وحتى يحدث ذلك فإن مجتمعاتنا ودولنا تبقى مهددة، وتبقى الخسائر التي يلحقها الإرهاب بنا أكبر كثيرا مما يلحقه بغيرنا.

ــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٩ أبريل ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب