الرابحون والخاسرون فى سماء فلسطين

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

لم يكن المشهد الذى رُتب بعناية شعبية وطنية فلسطينية فى باحة المسجد الأقصى المحاصر، ومعه أحداث حي الشيخ جراح التي لم تقل ثباتًا فى عفوية وانضباط ردات فعلها، ينتظران فى أي من لحظات تطورهما الإيجابية- وقد تمكنا من غزل وصناعة مشهد فلسطيني جديد- أن يكون هناك من يرغب فى التقاط كرة الثلج من بين أقدام المصلين المثابرين المرابطين، كي يدفع بها بعيدًا من قمة جبل الزيتون الواقف شاهدًا على ما هو فلسطيني يولد أمامه، وما هو إسرائيلي محتل مأزوم من خلفه، لتتدحرج الكرة بعيدًا عن هذا الفعل الصادق إلى دروب السياسة والتوافقات، تجاه قائمة طويلة من حسابات المكسب والخسارة التي…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

لم يكن المشهد الذى رُتب بعناية شعبية وطنية فلسطينية فى باحة المسجد الأقصى المحاصر، ومعه أحداث حي الشيخ جراح التي لم تقل ثباتًا فى عفوية وانضباط ردات فعلها، ينتظران فى أي من لحظات تطورهما الإيجابية- وقد تمكنا من غزل وصناعة مشهد فلسطيني جديد- أن يكون هناك من يرغب فى التقاط كرة الثلج من بين أقدام المصلين المثابرين المرابطين، كي يدفع بها بعيدًا من قمة جبل الزيتون الواقف شاهدًا على ما هو فلسطيني يولد أمامه، وما هو إسرائيلي محتل مأزوم من خلفه، لتتدحرج الكرة بعيدًا عن هذا الفعل الصادق إلى دروب السياسة والتوافقات، تجاه قائمة طويلة من حسابات المكسب والخسارة التي طمعت وخشيت منها كل الأطراف.

السلطة الفلسطينية القابعة فى رام الله على بُعد كيلومترات عديدة من الأحداث، والأقرب- منطقيًا وسياسيًا- لولاية ما يجرى، بدت كالمراقب أو على أفضل توصيف كالمسير للأحداث دون رؤية لا واضحة ولا متكاملة عن القادم، فالمشهد بطبيعته الإيجابية يصب فى صالح رصيدها السياسي قبل أن يكون وطنيًا لمجمل القضية الفلسطينية. 

كلا الحدثين رغم توافقهما مع أداء ورؤية السلطة و«حركة فتح» فى الوقت الراهن إلا أنها بدت متفاجئة بما يجرى أمامها وعلى عينها وبغالبيته من شبابها والأسر التاريخية من الانتماء لها، الحدثان بطبيعتهما اكتسبا طابع الامتداد الزمنى الهادئ الذي وفر للسلطة فرصة استيعابه، والتفاعل الذكى معه بعد استيعابه وتحديد مسارات تحقيق المكاسب من حصاده. 

لكن الكسل الاستيعابي شلَّ حركة أركان السلطة وبدأت مفاصلها تتثاءب فى اطمئنان وانصراف غريب غير مفهوم، حتى أغرت الطرف الآخر من المعادلة الفلسطينية كي يتقدم ليقتحم عرين الأحداث، طالما صاحب الولاية شاخ على مقاعد المتفرجين مستسلمًا لأكياس الرمال التي تقيد خطواته.

بدأت حركة حماس تخترق الأحداث وجغرافيًا الضفة الغربية، فى تسلل منظم استثمر هدوء الأحداث التي استمرت لأسابيع، ليظهر عناصرها فى صفوف المصلين رافعين أعلام الحركة المناقضة لأعلام فلسطين، والتف موالوها فى أحياء باب العمود والشيخ جراح براياتها وهتافات القسام وغزة الصمود!

فى هذه اللحظة فقط وعلى وقع تلك المشاهد، بدأت السلطة مرحلة الاستيقاظ الكسولة، معربة عن غضبها واستنكارها المتأخر من دخول حماس على خط استلاب المشهد من على الأرض، الأغرب أن هذا الاستيقاظ لم يفارق فراش النميمة الداخلية فيما بين أركان السلطة حول تهريب حماس لعناصرها ولافتاتها وأعلامها إلى تخوم الأحداث. 

لكن التجمد وتصلب شرايين الفعل حرما السلطة حتى من استغلال الأسبوع الأخير الذي بدت فيه هذه المتغيرات تطرق أبواب الأحداث، والتي كان يمكنها أن تبدل ملابس النوم سريعًا لترتدي زي الخروج ولو شكليًا أو إعلاميًا، مما قد يرتب لها مساحة لاحقة من الأمر فيما هو آت لا ريب فيه لأي متابع. لذلك ولغيره مما يطول الحديث بشأنه، خرج إسماعيل هنية مساء الثلاثاء، فى خطابه المتلفز، بعد ٢٤ ساعة من وصول «كرة الثلج» لمستقرها، كي يتحدث باسم الشعب الفلسطيني جميعًا فى امتداد كرره أكثر من مرة، من القدس والأقصى إلى غزة مرورًا بالضفة الغربية ومدن الداخل الواقعة تحت الاحتلال، وصولًا إلى فلسطيني الشتات فى المخيمات بالأردن ولبنان وسوريا وغيرها فى دول العالم المختلفة.

هناك الكثير مما قيل على لسان هنية فى هذا الخطاب المثير سنتناوله لاحقًا، لكن الأبرز أنه وضع ببراعة سهلة شارة الخسارة الكاملة على صدر السلطة الفلسطينية، لتخرج هي وفتح أمام الجميع بوسم أكبر الخاسرين من هذا المشهد الذي ظل يصنع على عينيها لأسابيع! بذكر حركة حماس وفعلها خلال ذات الأسابيع، يبدو انتصارها الداخلي بارزًا أمام الجميع حتى هذه المحطة من تدحرج «كرة الثلج»، بالنظر إلى التأزم والانعزال الكبير الذي كانت الحركة ترزح تحت وطأته ما قبل أحداث القدس بشهور، ففي صراع الجولات الانتخابية التي أعلن عنها وبدء دخول الحركة فى ترتيبها وتحالفاتها، لم يكن لدى حماس جديد تقدمه للشارع الفلسطيني، سوى ذات الأداء النمطي الذي اعتاد عليه الشارع الفلسطيني من الحركة وبدا غير متحمس لتكراره. 

ومع وصول الإدارة الأمريكية الجديدة، تمثلت ملامح جديدة لتعاطى مختلف يصب فى صالح إنعاش حظوظ السلطة، خاصة أن تفاعل الولايات المتحدة مع المسئولين الإسرائيليين كشف عن تغير ملحوظ قد يفضي مستقبلًا إلى التراجع عن كثير مما تحقق فى عهد الإدارة السابقة. هذه المعادلات التي لاحت فى أفق لم تُترك له مساحة زمنية للتشكل الواقعي بعد، كما أصاب السلطة بالارتكان أيقظ لدى حماس الرغبة فى الاستنفار، استعدادًا لاقتناص أي متغير- أو صناعته- كي تضمن العودة لبؤرة الأحداث من جديد، أو تنجح فى خلط أوراق المائدة التي لم يشرع أحد فى إعدادها بجدية بعد. راهنت حماس خلال تلك الأحداث على مسارين مثَّلا لها مستهدفًا رئيسيًا منذ اللحظة الأولى، استثمار شيخوخة الرؤية لدى السلطة من أجل تنفيذ اختراق يضمن لها تواجد فعال مستقبلي فى الضفة الغربية والقدس، على خلفية الشروخ العميقة والترهل الذي بدت عليه الأخيرة إبان إعدادها للانتخابات أكده خيار التأجيل الذي ذهبت إليه. وأيضًا العودة لتنشيط آلية الردع العسكري تجاه إسرائيل، باعتباره الميزة النسبية التي تمكنه من الإمساك بأوراق الفعل لا سيما فى حال الدخول لفصل الاستحقاقات.

كلا المسارين حققت فيهما الحركة أرباحًا مبدئية ملموسة وقابلة للاستثمار، فى حال ظلَّ التصعيد محسوبًا بالقدر الذي ينقل المشهد سريعًا لملعب الغرف المغلقة وبدء ترتيبات التهدئة، وهو ما برعت فيه حماس قبلًا وقادرة على إدارته وتكراره هذه المرة أيضًا.

إسرائيل تقف فى منطقة المنتصف، ما بين حسابات المكاسب والخسارة، فالكرة هذه المرة تحتاج لمهارة وصبر كي تستخلص قدر المكاسب التي حصدتها فى المرات السابقة، لكنها فى كل الأحوال أقرب وفق حساباتها لمنطق المكسب ولو اقتصر الأمر على إعادة الموقف الأمريكي لتموضع مغاير، على خلفية انزعاجه التقليدي من تصعيد المواجهات. وبعد أن تتوافر لديها دلائل مشاركة الجهاد الإسلامي بدفع إيراني فى صناعة هذا التصعيد، وهي أوراق تجيد تل أبيب استثمارها جيدًا فى أروقة واشنطن التي أدارت لها ظهرها منذ أسابيع قليلة خلت، لذلك ستظل إسرائيل ونتنياهو بالأخص الأكثر حرصًا على تمدد الأحداث طالما ظلَّت الخسائر فى نطاق ما يمكن احتماله، حتى تلوح له فرصة ترميم المأزق السياسي الداخلي الذي يخصه. المنطقة الجديدة التي تجذب إسرائيل إلى مربعات جديدة من الخسائر التي لم تعتدها قبلًا، هدى انتفاض مدن الداخل الفلسطيني شعبيًا بصورة غير مسبوقة، جرى ذلك فى مدن اللد وبئر سبع وحيفا وغيرها ومرشح للتوسع فى حال استمرار أجواء التصعيد، وهي جبهة مستحدثة قد تخصم من حصاد المكاسب الإسرائيلية بصورة تبدو أبعادها غير ظاهرة حتى الآن.

نقلا عن جريدة “الدستور”، ١٢ مايو ٢٠٢١.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب