حي الشيخ جراح وتهويد القدس

عضو الهيئة الاستشارية

في انتهاك صارخ للقانون الدولي، وفي مشاهد صادمة لم تحرك ساكنا من مشاعر من يدعون الإنسانية والدفاع عن حقوق الانسان، تعرض اهالي حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، لهجوم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية بعد تصاعد التوتر بشأن الإجلاء المحتمل لعائلات فلسطينية من ارضهم وبيوتهم بشكل قسري، لصالح جمعيات استيطانية إسرائيلية. وقد طالت المواجهات بين الأهالي وقوات الاحتلال محيط المسجد الأقصى والمصلين فيه، في أيام لها قدسيتها عند المسلمين كافة. بالعودة الى التاريخ، بدأ تهجير عدة عائلات فلسطينية من حي الشيخ جراح عام 1948. وفي خطة إسرائيلية ممنهجة لإحكام السيطرة على الفلسطينيين وفرض العزلة عليهم من خلال المستوطنات، كأداة خبيثة…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

في انتهاك صارخ للقانون الدولي، وفي مشاهد صادمة لم تحرك ساكنا من مشاعر من يدعون الإنسانية والدفاع عن حقوق الانسان، تعرض اهالي حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، لهجوم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية بعد تصاعد التوتر بشأن الإجلاء المحتمل لعائلات فلسطينية من ارضهم وبيوتهم بشكل قسري، لصالح جمعيات استيطانية إسرائيلية. وقد طالت المواجهات بين الأهالي وقوات الاحتلال محيط المسجد الأقصى والمصلين فيه، في أيام لها قدسيتها عند المسلمين كافة.

بالعودة الى التاريخ، بدأ تهجير عدة عائلات فلسطينية من حي الشيخ جراح عام 1948. وفي خطة إسرائيلية ممنهجة لإحكام السيطرة على الفلسطينيين وفرض العزلة عليهم من خلال المستوطنات، كأداة خبيثة لتفتيت المدن الفلسطينية وعزلها ووأد أي بذور للمقاومة، زعمت جمعيات يهودية، منذ 1972، أنها تمتلك وثائق تثبت ملكيتها للأراضي التي أقيمت عليها منازل الحي. وتقول ان تلك الوثائق تعود إلى العام 1885، بحسب ادعاء لجنتي اليهود الأشكناز والسفارديم. ومنذ مطلع العام 2020، سمحت المحاكم الإسرائيلية بإجلاء 36 عائلة فلسطينية من منازلهم، وتضم تلك العائلات نحو 165 فردا وعشرات منهم من الأطفال، في بطن الهوى وسلوان والشيخ جراح لصالح المستوطنين.

في وقت سابق من العام الجاري، قضت المحكمة المركزية في القدس بإخلاء أربعة منازل يسكنها فلسطينيون لديهم عقود إيجار معطاة من السلطات الأردنية. ومن المعروف أن القدس الشرقية التي يقع بها الحي كانت خاضعة لسيطرة الأردن قبل أن تحتلها إسرائيل في عام 1967. وأقامت الأردن آنذاك منازل إيواء للفلسطينيين الذين هجروا عام 1948 مع قيام إسرائيل، ولدى تلك العائلات الوثائق التي تثبت ذلك. كما ان وزارة الخارجية الأردنية نشرت، في وقت سابق، وثائق تخص 28 عائلة في الحي الذي كان يخضع للسيادة الأردنية، كسائر القدس الشرقية والضفة الغربية، لدعم موقف الفلسطينيين في القضية.

الحكومة الإسرائيلية تدعي انها لا تتدخل في جدل حي الشيخ جراح، الذي وصفته وزارة خارجيتها بأنه “نزاع عقاري بين أطراف خاصة”. لكن حقيقة الامر ان ما يحدث في القدس الشرقية هو حرب تهويد ممنهجة تهدف إلى طمس المعالم العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة، وتغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم في المسجد الأقصى. إن لم يكن ذلك عن طريق الاغراء المالي من اجل دفع فلسطينيين لبيع منازلهم لمجموعات يهودية تسعى للانتشار داخل الأحياء الشرقية من المدينة لتهويدها من الداخل، فإنه من خلال الدعاوى القضائية الباطلة ومصادرة البيوت والضغط على المقدسيين بوسائل مختلفة، منها التطفيش والمضايقات اليومية، والتهديد بسحب الهويات المقدسية. 

إن خطة التهجير والاستيطان التي تنتهجها إسرائيل، منذ ما يزيد عن سبعة عقود، تهدف في الأساس الى تفتيت الاحياء والقرى الفلسطينية، والحد من إمكانية توسعها، وتجزئة التواصل العمراني الفلسطيني، كما هو الحال في حي رامات إشكول وحي التلة الفرنسية اللذين يشكلان قوسا ممتدا يفصل حي شعفاط الفلسطيني عن البلدة القديمة الفلسطينية وعن حي الشيخ جراح. في المقابل، يسعى الاحتلال للاستحواذ على المزيد من الأراضي الفلسطينية والتوسع الجغرافي، مهما تعارض ذلك مع القرارات الدولية.

بفرض سياسة التقسيم الفلسطيني هذه مقابل سياسة الاستيطان الإسرائيلي، تهدف قوات الاحتلال والتي الى فرض واقع جغرافي ومعماري جديد يعزل القرى الفلسطينية ويجعل الحياة فيها أكثر صعوبة بينما يسهل المراقبة الأمنية عليها. وقد أصبح الفلسطينيون يعيشون في جزر منعزلة ومغلقة، بحيث تضم الأراضي الواقعة تحت الحكم الفلسطيني ما يقرب من 200 قطعة متناثرة، في حين تسيطر إسرائيل على المناطق المحيطة بها إلى جانب سيطرتها على مخزون المياه الجوفية، وسيطرتها على الجو الذي يغلف تلك المناطق. ومع سن سياسة منافذ التفتيش المرورية، بعد اتفاقية أوسلو، على تخوم الأراضي المحتلة، جنح الاستيطان لتفريغ الأرض الفلسطينية من محتواها لصالح مستوطناته.

هذه هي سياسات الاحتلال العنجهية التي لم تستطع ردعها كل القرارات الأممية والدولية. واذا كانت مدينة القدس تواجه، في الوقت الحالي، مواجهات ملتهبة واجواء مشحونة بعد الاقتحام الهمجي لقوات الاحتلال لباحات المسجد الأقصى وانتهاكاته المستمرة واعتداءاته للمصلين في الشهر الفضيل، فإن تداعيات هذه الازمة ستصل الى الداخل الإسرائيلي، خاصة بعد مظاهرات تحالف “الصهيونية الدينية” عند أسوار القدس القديمة قبالة باب العمود، والدعوات لقتل الفلسطينيين. 

ما تشهده القدس من احداث سيعمق الازمة السياسية داخل إسرائيل. فإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي غالبا ما يوظف القضايا الحارقة والأمن القومي لأهدافه السياسية، الا ان اندلاع المواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال ومسيرات التحالف، سيزيد من ازمة تشكيل الحكومة التي فشل نتنياهو في إقامتها خلال المدة القانونية الممنوحة له. وفي ظل المتابعات بتهم الفساد، لن يستطيع نتنياهو استغلال أحداث القدس الراهنة من اجل تشكيل حكومة طوارئ أو حتى حكومة وحدة. بل على العكس، فإن المعسكر المناوئ له، وكتلة التغيير المكلفة بتشكيل حكومة بديلة، قد تستغل هذه الأحداث لتوجيه انتقادات شديدة لنتنياهو واتهامه بعدم الحفاظ على ما تعتبره السيادة الإسرائيلية في “القدس الموحدة”.

اما الفلسطينيون فليس امامهم سوى الصمود والمقاومة للحفاظ على ما تبقى من أراضيهم وبيوتهم وهوية احيائهم ومدنهم العتيقة.

ـــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٣ مايو ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب