المصالح الشوفينية ومأزق التعددية الدولية

عضو الهيئة الاستشارية

فى الحوار الافتراضى الذي جرى يوم الجمعة الماضي بين وزراء خارجية الدول الأعضاء فى مجلس الأمن، والذي دعت إليه الصين بصفتها رئيس المجلس لشهر مايو، تحدث الوزراء عن كيفية حماية التعدية والمؤسسات الجماعية المستندة إلى ميثاق الامم المتحدة، والتى تتيح بدورها ولو نظريا مشاركة كل الدول فى إدارة القضايا الدولية. وفى هذه المداخلات تأكد أنه لا توجد رؤية موحدة أو متقاربة للحفاظ على حالة التعددية الدولية القائمة كحد أدنى، كما تأكد أن فرص الحرب الباردة وسباقات التسلح بين القوى الكبرى موجودة بقوة، وقد يشهد العالم ما هو أكثر من مجرد الحرب الباردة. هذه الاستنتاجات الأولية تؤكدها الكلمات الرئيسة لكل من…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

فى الحوار الافتراضى الذي جرى يوم الجمعة الماضي بين وزراء خارجية الدول الأعضاء فى مجلس الأمن، والذي دعت إليه الصين بصفتها رئيس المجلس لشهر مايو، تحدث الوزراء عن كيفية حماية التعدية والمؤسسات الجماعية المستندة إلى ميثاق الامم المتحدة، والتى تتيح بدورها ولو نظريا مشاركة كل الدول فى إدارة القضايا الدولية. وفى هذه المداخلات تأكد أنه لا توجد رؤية موحدة أو متقاربة للحفاظ على حالة التعددية الدولية القائمة كحد أدنى، كما تأكد أن فرص الحرب الباردة وسباقات التسلح بين القوى الكبرى موجودة بقوة، وقد يشهد العالم ما هو أكثر من مجرد الحرب الباردة.

هذه الاستنتاجات الأولية تؤكدها الكلمات الرئيسة لكل من وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند. فوزير الخارجية الأمريكى بلينكن ركز على مفهوم القيم الجماعية واحترام القانون الدولى، وأدان كل من يستهين بهذين المفهومين. والوزير الروسى لافروف ركز بدوره على إدانة الاستقطابات الدولية التى تسعى الولايات المتحدة لايجادها من خلال الدعوة الى قمة للدول الديمقراطية. اما الوزير الصينى فركز بدوره على أربعة مبادئ تراها الصين أساس حماية التعددية الدولية منها السعي إلى التعاون المربح للجانبين، وليس التنمر، وإضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدولية، واحترام التنوع والعزوف عن السعي إلى التفوق. أما وزير خارجية الهند فقد نادى بإصلاح مجلس الامن معتبرا أن تركيبته الحالية لم يعد يناسب التغيرات التى حدثت فى العالم طوال العقود الستة الماضية، ومطالبا بفتح العضوية لممثلى قارتى افريقيا وأمريكا اللاتينية بصورة دائمة.

الأفكار الرئيسية على النحو السابق توضح حجم المسافة فكريا وعمليا بين القوى الكبرى، والتى تؤثر بعمق فى حالة النظام الدولى من خلال سياساتها والمواقف العملية التى تتخذها سواء فى مواجهة بعضها البعض، أو تجاه القضايا الاقليمية المختلفة سواء كانت قضايا ممتدة كالصراع العربى الإسرائيلى، أو قضايا تظهر بفعل تطورات الاحداث فى بقاع مختلفة من العالم، مثل ما جرى من قتل وتهجير قسرى جماعى للروهينجا فى ميانمار قبل ثلاثة اعوام.

على صعيد العلاقة بين هذه القوى وبعضها، فليس هناك عناء فى القول بأنها تمر بحالة صراعية، وأن التربص المتبادل بين كل منهم هو الأساس، وأن الشك المتبادل فى نوايا الطرف الأخر هو السائد، وأن النزعة القومية الشوفينية التى تسود توجهاتهم هى النقيض لمبدأ التعددية الدولية، وبالتالى تبدو الكلمات المنمقة التى ركز عليها الوزراء الثلاثة للحفاظ على تعددية النظام الدولى، ليست سوى خداع فكرى وسياسى. فحين يطالب وزير خارجية الولايات المتحدة بالحفاظ على منظومة القيم التى قامت عليها الأمم المتحدة والالتزام بالقانون الدولى وعدم الاستهتار به، يحق لنا أن نتسائل إلى أى مدى تحترم الولايات المتحدة هذه المبادئ عمليا، إذ لدينا العديد من الشواهد قديما وحديثا على أن الإدارات الأمريكية سواء الديموقراطية أو الجمهورية لم تحترم تلك المبادئ، وقامت بأعمال تتناقض معها تناقضا كبيرا. القضية الفلسطينية وعدم الاعتداد بتطبيق القانون الدولى الذى يحرم احتلال أراضى الغير، ويمنع قيام سلطة الاحتلال من تغيير الأوضاع السكانية والجغرافية فى الأراضى المحتلة، والمواقف المائعة التى التزمت بها الولايات المتحدة طوال العقود الخمسة الماضية هى المسئولة عن الوضع الاستيطانى الخطير الذى وصلت إليه الأوضاع فى الضفة الغربية المحتلة. كما أن الموقف الأمريكى من الاحداث التى جرت فى الأيام الأربعة الماضية بحى الشيخ جراح الفلسطينى فى القدس المحتلة على أيدى القوات الإسرائيلية والمستوطنين المتطرفين، كذلك ما حدث فى الحرم الشريف بالقدس، والذى لم يتعدى عبارات القلق يدل على أن واشنطن لم تغادر بعد دائرة القاء الدروس على الغير، فى حين تتجاهل تماما مسئوليتها فى تطبيق القانون الدولى بالرغم من دعواتها للغير باحترامه. وهناك الكثير جدا من المواقف التى تثبت أن الشعارات السياسية الأمريكية البراقة لا علاقة لها بالواقع.

الأمر ذاته ينطبق روسيا وإن بدرجة أقل، فهى لا تلقى دروسا فى السياسة الدولية كما تفعل واشنطن، وكل تركيز موسكو منصبا على تعزيز مكانتها الدولية وتحقيق مصالحها الخاصة ودرء التحركات الأمريكية والغربية التى تؤثر على مصالحها القومية، وتحركاتها ناحية أوكرانيا ودعم انفصال القرم يعكس أولوية الأمن القومى على أى اعتبار أخر. ولا تخلو بعض التصرفات الروسية من إزدواجية، كما هو الحال فى سوريا، والتى تعمل فيه على الحفاظ على بقاء النظام السورى برئاسة الرئيس بشار الأسد، ولكنها سمحت لتركيا بالتغلغل العسكرى فى الشمال السورى وحماية المرتزقة بل وتوظيفهم ضد السيادة السورية، كما تسمح موسكو أيضا لإسرائيل بشن غارات وهجمات صاروخية على مواقع فى الداخل السورى، بالرغم من توافر بطاريات مضادة للصواريخ لدى الجانب السورى، لكنها تتوقف بأمر روسى مباشر حين تنطلق الغارات والهجمات الإسرائيلية. 

الصين تلك القوة الاقتصادية الصاعدة بقوة، كل تركيزها الأكبر هو على فتح الأسواق وربطها جميعا عبر مبادرات مثل الحزام والطريق، واللألىء المتألقة التى ترنو إلى ربط عدد من الموانئ الرئيسية فى عدد من دول العالم لخدمة التجارة الصينية على حساب الموارد الذاتية والوطنية للدول صابحة تلك الموانئ، كما تعمل على تعزيز قدراتها البحرية الجوية والصاروخية وفرض أمر واقع جغرافى جديد فى بحر الصين الجنوبى. والمحرك الأكبر لدى بكين هو الاقتصاد دون أى ارتباط بالقيام بأدوار دولية نافذة لحل القضايا والأزمات الدولية والاقليمية، وهو ما يفسر صمت الصين بالنسبة لمخاطر السد الاثيوبى الكبير على دولتى المصب وكلاهما له علاقات قوية مع بكين، حيث أن الهدف هو تعزيز المصالح الصينية فى إثيوبيا وليس تطبيق القانون الدولى، أو مراعاة المخاطر التى تنطوى عليها سياسات دول تعمل على منع المياه عن أصحابها.

إن حديث الحفاظ على تعددية النظام الدولى فى ظل التركيز على جنى مكاسب اقليمية ودولية بغض النظر عن ارتباطها بتطبيق القانون الدولى ومبدأ العدالة والانصاف، لا يعنى شيئا، بقدر ما هو حوار بين طرشان، كل منهم يريد أن يفرض رؤيته على باقى العالم، دون الاهتمام بمصالح البقية الباقية من دول العالم.  

نقلا عن جريدة الأهرام – الإثنين 10 مايو 2021

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب