فلسطين والطريق نحو المجهول

عضو الهيئة الاستشارية

في وقت كان من المقرر فيه إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، هي الأولى منذ عام 2006، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أنه سيؤجل الانتخابات، لما اعتبره انه لا يمكن أن تجرى إلا إذا سمحت إسرائيل للفلسطينيين بالتصويت في مدينة القدس الشرقية المحتلة.  يشير اتفاق أوسلو، بخصوص حقوق التصويت للفلسطينيين في القدس الشرقية، أنه يسمح فقط لما يصل إلى 6300 شخص التصويت داخل المدينة في مكاتب للبريد حددتها إسرائيل، بينما سمح للباقين، في انتخابات 2006، بالإدلاء بأصواتهم خارج حدود المدينة. وفي الانتخابات التي كانت مقررة في 22 مايو واخر يوليو، وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية الاسرائيلية قد صرحت أنها “ليس لديها…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

في وقت كان من المقرر فيه إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، هي الأولى منذ عام 2006، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أنه سيؤجل الانتخابات، لما اعتبره انه لا يمكن أن تجرى إلا إذا سمحت إسرائيل للفلسطينيين بالتصويت في مدينة القدس الشرقية المحتلة. 

يشير اتفاق أوسلو، بخصوص حقوق التصويت للفلسطينيين في القدس الشرقية، أنه يسمح فقط لما يصل إلى 6300 شخص التصويت داخل المدينة في مكاتب للبريد حددتها إسرائيل، بينما سمح للباقين، في انتخابات 2006، بالإدلاء بأصواتهم خارج حدود المدينة. وفي الانتخابات التي كانت مقررة في 22 مايو واخر يوليو، وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية الاسرائيلية قد صرحت أنها “ليس لديها نية للتدخل في الانتخابات الفلسطينية ولا منعها”، الا أنه، في الواقع، لم تستجب إسرائيل للطلب الفلسطيني لإجراء الانتخابات في القدس الشرقية، ومنعت إجراء الحملات الدعائية للمرشحين في المدينة. اما الفلسطينيون فيصرون على السماح لجميع الناخبين الفلسطينيين في المدينة، وعددهم 150 ألفا، بالإدلاء بأصواتهم في ضواحيها. 

صحيح يدخل وضع القدس في صلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وغالبا ما تكون لمواقف كل طرف رمزية سياسية كبيرة، الا ان قرار تأجيل الانتخابات يبدو غير مرتبط فقط بعدم سماح إسرائيل لسكان القدس بالتصويت، ولكن أيضا بحسابات سياسية داخلية. أولا، رغم كل ما قيل عن كون الانتخابات فرصة لرأب الصدع داخل البيت الفلسطيني وانهاء حالة الانقسام بين حركة فتح وحماس؛ التي قررت خوض الانتخابات؛ الا ان هناك تخوف من تكرار سيناريو الانتخابات السابقة حيث حققت حركة حماس فوزا مفاجئا ساحقا، ما أدى إلى تشكيل حكومة مشتركة مع حركة فتح لم تدم طويلا، وقسمت على إثرها فلسطين الى غزة والقطاع. حماس التي لا تعترف بحق إسرائيل في الوجود ولا تقبل اتفاقيات السلام السابقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لاتزال، رغم سنوات الحصار، تخلق صعوبات لإسرائيل، ولاتزال تشكل منافسا قويا لفتح.

ثانيا، الصراع لم يعد مقتصرا فقط بين فتح وحماس، ولكن داخل البيت الفتحاوي نفسه الذي يشهد انشقاقات وانقسامات متزايدة. فقد أعلنت أسماء بشعبية كبيرة في حركة فتح أنهم سيخوضون الانتخابات بقوائمهم الخاصة. ومن بين هؤلاء مروان البرغوثي، الأسير في السجون الاسرائيلية منذ عام 2004، والذي دخل في مواجهة مباشرة مع محمود عباس. ومحمد دحلان، المسؤول الأمني السابق بحركة فتح الذي تم نفيه في عام 2011 بتهمة التخطيط لانقلاب. وناصر القدوة، ابن شقيق الراحل ياسر عرفات. وافادت نتائج استطلاعات للرأي ان حركة فتح ستخرج خاسرة من الانتخابات، ولن تضمن الغالبية في المجلس التشريعي، وربما لن تضمن نتائج الانتخابات الرئاسية والمجلس الوطني لصالحها.

ربما أخطأ الرئيس الفلسطيني التقدير عندما بادر بطرح فكرة اجراء الانتخابات، معتقدا ان حركة حماس غير معنية بالرئاسة وأنها مهتمة بانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني أكثر من اهتمامها بانتخابات المجلس التشريعي. وربما أخطأ أيضا عندما اعتقد انه يمكن السيطرة على الانشقاقات داخل فتح. لكن هبت الرياح بما لا تشتهي السفن، وأشارت بعض التوقعات ان محمود عباس سيخرج خاسرا من هذا المعترك الانتخابي، وجاء الرفض الإسرائيلي ليسهل الهروب من هذا الإخفاق الانتخابي بفرض قرار تأجيل الانتخابات. 

لتدارك قرار التأجيل، دعا محمود عباس إلى حكومة وحدة وطنية، في محاولة لإرضاء حركة حماس التي ترى نفسها أكبر المتضررين، خصوصا أنها كانت تسعى إلى الخروج من حالة الحصار الذي تعيشه منذ 15 عاما. ويبدو من دعوات مماثلة، ان هذه الدعوة لن تجد لها أي أرضية للتطبيق، وانها ستصطدم، كسابقاتها، بجدار المحاصصة التي لم يخرج منها طرفا الانقسام الفلسطيني. أما حماس، فقد حملت حركة فتح ورئاسة السلطة المسؤولية الكاملة عن قرار تأجيل الانتخابات وتداعياته. واعتبرت، في بيان لها، ان تعطيل الانتخابات الفلسطينية هو انقلاب على مسار الشراكة والتوافقات الوطنية، ولا يجوز رهن الحالة الوطنية كلها والإجماع الشعبي والوطني لأجندة فصيل بعينه.

 من المتوقع ان تعبر شرائح مختلفة من الفلسطينيين عن رفضهم لقرار التأجيل. ومن المتوقع أيضا ان يعيد هذا القرار ملف الانقسام الفلسطيني إلى الواجهة مرة أخرى، لكن سيكون، هذه المرة، انقساما ثلاثي الابعاد وسيؤدي الى المزيد من التشرذم والتفرقة. فإذا كان الانقسام الأول بين حركتي حماس وفتح قد أخذ طابعا سياسيا وجغرافيا، وقسّم فلسطين الى الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن الانقسام الحالي، بالإضافة الى السابق الذي سيعود للواجهة، بات داخل بيت فتح، ومنه الى باقي أرجاء فلسطين. هذا يعني ان الشعب الفلسطيني سيدخل في شرخ سياسي جديد، ونفق مظلم اخر، في وقت كان يعول على هذه الانتخابات لإصلاح النظام السياسي ومعالجة إفرازات الانقسام.

الرابح الوحيد من الوضع الراهن هي إسرائيل التي ستستفيد من قرار تأجيل انتخابات من شأنها تمكين الفلسطينيين من استعادة وحدتهم الداخلية وجمع الضفة بغزة. وأيضا ستستثمر في هذا القرار من اجل تكريس الانقسام بين الفلسطينيين وتقديمهم للعالم على انهم شعب غير مؤهل لدولة مستقلة!.

ــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٦ مايو ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب