وحدة الدراسات الاقتصادية

قطاع الدواء في مصر بين الفرص والتحديات

يعد قطاع صناعة الدواء من الصناعات الاستراتيجية الهامة، وتعتبر مصر من بين العديد من الدول التي لديها القدرة على تصنيع الأدوية محليًا، ويغطي الإنتاج المحلي من الأدوية في مصر أكثر من 80% من استهلاكها. وفي عام 2019، أعلنت الحكومة المصرية عن صياغة خطة وطنية لدعم قطاع الأدوية، بداية من إنشاء هيئة الدواء المصرية، والإعلان عن إقامة مدينة متكاملة للدواء، بالإضافة إلى التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل. وفيما يلي نظرة تحليلية للقطاع. الخلفية التاريخية عن تطور صناعة الدواء في مصر: تطورت صناعة الدواء في مصر منذ بداية القرن العشرين، وقد مرت الصناعة بخمس مراحل رئيسية، المرحلة الأولى امتدت خلال الفترة…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

يعد قطاع صناعة الدواء من الصناعات الاستراتيجية الهامة، وتعتبر مصر من بين العديد من الدول التي لديها القدرة على تصنيع الأدوية محليًا، ويغطي الإنتاج المحلي من الأدوية في مصر أكثر من 80% من استهلاكها. وفي عام 2019، أعلنت الحكومة المصرية عن صياغة خطة وطنية لدعم قطاع الأدوية، بداية من إنشاء هيئة الدواء المصرية، والإعلان عن إقامة مدينة متكاملة للدواء، بالإضافة إلى التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل. وفيما يلي نظرة تحليلية للقطاع.

الخلفية التاريخية عن تطور صناعة الدواء في مصر:

تطورت صناعة الدواء في مصر منذ بداية القرن العشرين، وقد مرت الصناعة بخمس مراحل رئيسية، المرحلة الأولى امتدت خلال الفترة (1930-1961) لتشهد بداية الصناعة في مصر من خلال إنشاء عدد من شركات القطاع الخاص ثم دخول شركات الدواء التابعة لبنك مصر، ثم بعد قيام ثورة يوليو 1952 وبدء سياسة الإحلال محل الواردات والتوسع في إنشاء الشركات المملوكة للدولة.

بدأت المرحلة الثانية خلال الفترة (1961-1973) والتي تعد أهم مراحل صناعة الدواء، حيث شهدت إنشاء الهيئة العامة للصناعات الدوائية والتي تولت تنظيم الصناعة، كما توسعت شركات القطاع العام في إنتاج الأدوية لتنجح في عام 1970 في تغطية نحو 90% من استهلاك السوق المحلي. ومع بدء سياسة الانفتاح الاقتصادي بدأت صناعة الدواء في مصر مرحلة ثالثة جديدة تمتد خلال الفترة (1973-1983) مع دخول الاستثمارات الأجنبية للقطاع وبدأت في إنشاء مصانع خالصة الملكية أو مشروعات مشتركة مع القطاع العام.

كل تلك التحولات دفعت الدولة إلى ضبط الأطر المؤسسية والتنظيمية من خلال إنشاء الهيئة العامة للصناعات الدوائية بدلًا من المجلس الأعلى للدواء لتضع بداية للمرحلة الرابعة من مراحل تطور القطاع والتي امتدت خلال الفترة (1983-1990)، ثم جاءت المرحلة الخامسة والأخيرة التي شهدت عددًا من الإجراءات التنظيمية أيضًا، منها إنشاء الشركة القابضة للأدوية بدلًا من الهيئة العامة للصناعات الدوائية.

ويضم قطاع الأدوية المصري حاليًا 152 مصنعًا، و700 خط إنتاج، و6300 مستحضر متداول، وتنتج مصر 88% من احتياجاتها. وفي إطار سعي الدولة رفع إنتاج الدواء أعلنت عن إقامة مدينة الدواء المصرية.

قطاع الدواء في مصر:

يعد سوق الدواء المصري أكبر سوق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث حجم استهلاك الأدوية، وثاني أكبر سوق بعد السوق السعودي من حيث القيمة حيث تبلغ القيمة السوقية لقطاع الأدوية 38.3 مليار جنيه مصري (2.1 مليار دولار أمريكي) في عام 2017.

ويشير تقرير مؤسسة فيتش سليوشنز إلى أن السوق يتوسع بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ (7.9%) بالعملة المحلية و9.1٪ بالدولار الأمريكي، ليصل إلى 48.6 مليار جنيه مصري. وتجدر الإشارة إلى نمو سوق الأدوية المصري بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 17% خلال الفترة (2011-2017).

تطور حجم مبيعات الأدوية في مصر:

تمثل مصر أكبر مستهلكي الأدوية في المنطقة. ويعتمد نمو صناعة الدواء في مصر على تزايدها السكاني. وبلغ إجمالي المبيعات مؤخرًا عام 2019، رقمًا كبيرًا يتجاوز 2.5 مليار دولار، وتشير التوقعات إلى ارتفاعه ليقترب من 3 مليارات دولار أمريكي في عام 2022، وذلك وفقًا لتقرير مؤسسة فيتش لتحليل القطاع في مصر عام 2019. ويشير الشكل التالي إلى تطور حجم مبيعات الأدوية في مصر خلال الفترة (2016- 2022).

شكل رقم (1) تطور حجم مبيعات الأدوية في مصر خلال الفترة (2016-2022) (بالمليار دولار)

وأسهم قطاع إنتاج الدواء بنحو 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016، وتشير تقديرات مؤسسة فيتش إلى أن النسبة ستشهد تراجعًا خلال الأعوام القادمة لتصل إلى 0.75% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022.

مبيعات الأدوية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (%)

شركات إنتاج الدواء في مصر:

تغطي صناعة الأدوية المحلية في مصر توريد الأدوية إلى 30 % من أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما يجعلها أكبر قاعدة محلية لتصنيع الأدوية في المنطقة وفقًا لغرفة التجارة الأمريكية.

يتكون قطاع صناعة الأدوية في مصر من شركات القطاع العام المملوكة للدولة وشركات القطاع الخاص، والتي تمثل نحو 94% من إجمالي الشركات العاملة في مجال إنتاج الأدوية في مصر، وتضم الشركات متعددة الجنسيات والشركات المحلية.

هيكل شركات إنتاج الدواء المصري عام 2018

تستحوذ شركات القطاع الخاص على نصيب كبير من إجمالي إنتاج الأدوية في مصر، حيث تمثل حوالي 85% من إجمالي الإنتاج في العام المالي 2016 / 2017، بينما استحوذ القطاع العام على %15 من إجمالي الإنتاج.

كما تستحوذ حوالي 10 شركات على النصيب الأكبر من إجمالي حجم مبيعات الأدوية في مصر، لتتصدر شركة نوفارتس القائمة مستحوذة على أكثر من 7% من الحصة السوقية، ويوضح الشكل التالي الحصة السوقية لأكبر 10 شركات خاصة ومحلية من شركات تصنيع الأدوية حسب نصيبها من السوق (%).

التجارة الخارجية لسوق الدواء في مصر:

بلغت قيمة الصادرات المصرية من الأدوية حوالي 271.8 مليون دولار مقابل 2.6 مليار دولار للواردات خلال عام 2019، وتشير تقديرات مؤسسة فيتش إلى نمو الصادرات المصرية بمعدل 6.7% خلال السنوات الخمس القادمة حتى عام 2019، ويشير الشكل التالي إلى تطور قيمة الصادرات والواردات المصرية خلال الفترة (2005-2019).

سياسة تسعير الدواء في مصر:

للوصول إلى فهم أفضل لسياسة التسعير في مصر، يجب إلقاء الضوء على الأطر المؤسسية المنظمة لقطاع إنتاج الأدوية في مصر، لتحديد الجهات الفاعلة وعملية صنع القرار التي تؤثر على قرارات التسعير والتصنيع، وتوضح كيفية تحديد أنظمة التسعير والتسجيل. يوضح الشكل التالي هيكل الجهات الحكومية الفاعلة بقطاع صناعة الأدوية.

نظام تسعير الدواء في مصر:

تم تنفيذ مخططات التسعير في مصر منذ الستينيات من خلال لجنة التسعير التابعة للهيئة الدوائية للرقابة والبحوث الدوائية التي تحدد أسعار الأدوية المنتجة محليًا والمستوردة بناءً على تقديرها الخاص وقدرة شركات الأدوية على التفاوض. ثم شهد إطار عمل التسعير تطورًا بحلول التسعينيات بإنشاء آلية جديدة للتسعير بناء على التكلفة الاقتصادية. ثم مع ضغط شركات الأدوية الأجنبية لرفع أسعار الدواء محليًا، تبنت الدولة نموذج التسعير المرجعي الخارجي الذي وضعته منظمة الصحة العالمية لتوجيه البلدان مع ترك اختيار البلد المرجعي في تحديد الأسعار إلى تقدير لجنة التسعير. 

وفي عام 2017، أصدرت وزارة الصحة قرارًا برفع أسعار أكثر من 3 آلاف دواء بنسبة 30 % – 50 % بموجب صيغة تسعير جديدة، وذلك تواكبًا مع تحرير سعر الجنيه المصري عام 2016.

أبرز التحديات والفرص للقطاع:

مما سبق يتضح لنا أن قطاع صناعة الدواء المصرية مر بمراحل كبيرة وهو أحد القطاعات الواعدة في ظل تزايد الطلب العالمي والمحلي والاهتمام المحلي بالقطاع، مع الاتجاه نحو إنشاء مدينة متكاملة للدواء وتطبيق لمنظومة التأمين الصحي الشامل، إلا أن القطاع في مصر قد يعاني من بعض أوجه القصور والتي يمكن العمل على معالجتها والتي يأتي في مقدمتها:

  • أولًا: سياسات تسعير الدواء فقد أظهرت الدراسات تحديات بداية من تحديد البلدان المرجعية. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي استخدام بلد منخفض الدخل للبلدان ذات الدخل المرتفع كمرجع وحيد إلى تضخم الأسعار، ونقص المعلومات حول الأسعار والتكاليف والأرباح في البلدان، بالإضافة إلى تحديات تسعير أخرى تتمثل في الفساد والممارسات الاحتكارية غير التنافسية للشركات متعددة الجنسيات.
  • ثانيًا: تقنيات صناعة الدواء، نقص القدرة على البحث والتطوير حيث بلغ متوسط إنفاق مصر السنوية على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة (2010 – 2019) حوالي 0.6%، هذا بالإضافة إلى العقبات المتعلقة بتسجيل وحماية الملكية الفكرية لبراءات الاختراع. 

لذا يجب على الحكومة إنشاء هيئة مسئولة عن معالجة عوائق وسياسات الملكية الفكرية على النحو المبين في المادة 69 في الفصل الثالث من دستور 2014، بالإضافة إلى العمل على حماية وتطوير صناعة الدواء المحلي وتطوير منظومة البحث والتطوير.

تحليل لنقاط القوة والضعف للقطاع

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية