وحدة الدراسات العربية والإقليمية

أطفال “الهول”: واقع مؤلم ومستقبل مضطرب

يبلغ عدد لاجئي مخيم الهول حوالي 65 ألف نسمة، ويمثل الأطفال دون سن 12 عامًا أكثر من 53% بحسب التقرير الصادر عن منظمة اليونيسيف في 2021، ويقع المخيم في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا بمدينة الهول بالقرب من الحدود العراقية، ويعتمد بشكل كامل على المساعدات الإنسانية، حيث يرعى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (OCHA) بالتعاون مع أكثر من 30 منظمة إنسانية إغاثة اللاجئين في المخيم وخاصة الأطفال. وبالرغم من ذلك تسوء أوضاع الأطفال في المخيم، وتزداد معدلات وفياتهم يومًا بعد يوم جراء انتشار الأمراض، وعمليات الخطف والتعذيب، علاوة على الحرائق، وأعمال العنف الموجه من تنظيم داعش. ويستقرئ المقال التالي…

د. إسراء علي

يبلغ عدد لاجئي مخيم الهول حوالي 65 ألف نسمة، ويمثل الأطفال دون سن 12 عامًا أكثر من 53% بحسب التقرير الصادر عن منظمة اليونيسيف في 2021، ويقع المخيم في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا بمدينة الهول بالقرب من الحدود العراقية، ويعتمد بشكل كامل على المساعدات الإنسانية، حيث يرعى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (OCHA) بالتعاون مع أكثر من 30 منظمة إنسانية إغاثة اللاجئين في المخيم وخاصة الأطفال. وبالرغم من ذلك تسوء أوضاع الأطفال في المخيم، وتزداد معدلات وفياتهم يومًا بعد يوم جراء انتشار الأمراض، وعمليات الخطف والتعذيب، علاوة على الحرائق، وأعمال العنف الموجه من تنظيم داعش. ويستقرئ المقال التالي واقع الأطفال داخل مخيم الهول اجتماعيًا وصحيًا، كما يستشرف مستقبلهم بعد عودتهم إلى أوطانهم الأصلية.

أطفال الهول: واقع مؤلم

ينتمي أطفال مخيم الهول إلى جنسيات متعددة، ولا يمكن تحديد عددهم بدقة، ويصنف الأطفال حسب الجنسية إلى عراقيين، وسوريين، وأطفال من 57 دولة أخرى يقيمون في ملحق الأجانب، ويبلغ إجمالي عدد الأطفال في المخيم حوالي 26 ألف طفل سوري، و19 ألف طفل عراقي، وما يقرب من 6 آلاف طفل من دول مختلفة وفق الإحصاء الصادر عن هيئة إنقاذ الطفولة في فبراير 2021. هذا بالإضافة إلى 480 طفلًا عديم الجنسية من الأطفال المنفصلين عن ذويهم بحسب التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية في مايو 2019. 

شكل (1): جنسيات الأطفال داخل مخيم الهول

مصدر البيانات: تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية, مايو 2019

ساهمت الظروف البيئية في تفاقم وضع الأطفال في المخيم، فقد أثرت درجات الحرارة المرتفعة جدًا صيفًا، والمنخفضة ما دون الصفر أحيانًا في الشتاء، على الأطفال بلا مأوى أو ملبس داخل المخيم، فالطعام لا يتوفر بالقدر الكافي للاحتياجات الغذائية للأطفال، لذا يلجأ بعضهم إلى البحث عن الطعام في القمامة. أما عن توافر المياه الصالحة للشرب فبالرغم من وجود خمس محطات مياه، إلا أن المخيم يعاني من مشكلة التعكر، وتلوث خزانات المياه بالديدان بحسب ما نشرته Human Rights Watch في هذا الشأن عام 2019.

على الصعيد الصحي يعاني أطفال الهول من ارتفاع معدل وفيات الرضع، حيث سجل المخيم حوالي 340 حالة وفاة للأطفال في أقل من عام خلال الفترة من ديسمبر 2018 إلى سبتمبر 2019 بحسب ما أعلنته لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) عام 2019. ويُعزَى ارتفاع نسبة الوفيات في المواليد إلى القيود التي تفرضها إدارة المخيم والتي تتمثل في إجبار النساء على الولادة في المخيمات بمفردهن دون تقديم أي مساعدات أو دعم، علاوة على فرض حظر التجوال بتوقيتات محددة مما يعيق إنقاذ بعض الحالات المرضية من الأطفال بنقلها إلى المستشفى الميداني التابع للمخيم. كما يُعزَى ارتفاع نسب وفيات أطفال المخيم إلى سوء الأحوال الصحية الناتجة عن سوء التغذية، وتفشي الأمراض التي تحتاج إلى تقديم رعاية طبية سريعة، ومنها الجفاف والالتهاب الرئوي، وتساهم بعض المساعدات الدولية في توفير رعاية صحية إلى حد ما، ففي عام 2019 تلقى أكثر من 12 ألف طفل تطعيمًا ضد الحصبة الألمانية، وتم توفير ثلاث عيادات للولادة، وخمسة فرق رعاية صحية متنقلة وفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية 2020، لكن لا تستوعب هذه المساعدات الاحتياجات الصحية والطبية للأطفال داخل المخيم، مما يدعو إلى ضرورة توفير عيادات دائمة تضمن تقديم رعاية صحية مناسبة. فقد بلغت نسبة الأطفال المصابين بالفيروس المستجد دون سن الخامسة نحو 44.93٪ من إجمالي المصابين بحسب نشرة قطاع الصحة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية في فبراير 2021.

أما عن التعليم فقد أحصى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية في تقريره الصادر في مايو 2019 أكثر من 11 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و18 عامًا لم يتلقوا أي تعليم لمدة تجاوزت أربع سنوات متتالية، وقد قدمت بعض المنظمات الدولية خدمات تعليمية إلى نحو 6 آلاف طفل فقط، بيد أن هذه الخدمات لم تصل بعد إلى ما يقرب من 64٪ من أطفال الهول. لذا يقع الأطفال فريسة في يد داعش التي تستقطبهم وتغذيهم بأيديولوجيتها المحرضة على العنف، حيث تحتضن النساء المقاتلات الأطفال وتربيهم وترعاهم ليصبحوا جيلًا قادمًا من مقاتلي داعش، فيتعلم أشبال الخلافة الولاء المطلق للتنظيم من بعد سن السابعة من خلال تلقي تدريبات وحشية في أكاديميات مخصصة لتعليم الأطفال، الأمر الذي دفع العديد من المنظمات الدولية إلى دعوة الدول لإعادة رعاياها اللاجئين في مخيم الهول وخاصة الأطفال. 

مستقبل مضطرب.. ودلالات هامة

ساهمت جائحة (كوفيد-19) في تباطؤ عمليات إعادة التوطين، وبلغ عدد الأطفال العائدين نحو 685 طفلًا عام 2019، وانخفض عددهم إلى 200 طفل فقط في 2020 وفق إحصاء هيئة إنقاذ الطفولة 2021، وتفاوتت استجابات الدول لاستعادة مواطنيها، فقد أثرت الهجمات الإرهابية في بعض الدول الغربية على عدم تقبل استعادة المواطنين من مناطق النزاع، وأحجمت العديد من الدول عن استعادة الأطفال من مخيم الهول، مبررة بأنهم ليسوا ضحايا أبرياء، علاوة على ارتفاع التكلفة المادية لتنفيذ خطط دعم الاندماج الاجتماعي للأطفال العائدين، وتفكيك ارتباطهم الأيديولوجي بالتنظيم، وإعادة تأهيلهم نفسيًا وتربويًا، والتي غالبًا ما تكون خططًا طويلة الأمد. وتظل التكلفة الناتجة عن احتضان التنظيم للأطفال ورعايتهم ليصبحوا مقاتلين في صفوفهم في المستقبل ضد مواطنهم الاصلية أغلى بكثير من خطط إدماجهم وعودتهم، فانتماؤهم إلى داعش يعزز احتمالية رغبتهم في الانتقام من بلادهم في المستقبل.

يعاني الأطفال العائدون من صدمات نفسية مزمنة وعنيفة، تتفاوت في حدتها بحسب درجة العنف الذي تعرضوا له، فمعظم الأطفال العائدين أكثر عرضةً للأمراض النفسية والعصبية والمشكلات السلوكية المختلفة، وعملية إعادة تنشئتهم اجتماعيًا وتربويًا ليست بالأمر اليسير، خاصة تأهيل أولئك الذين لم يتلقوا أي برامج أو أنشطة تعليمية من قبل، أو الأطفال الذين اختبروا تجارب مؤلمة مباشرة لهم أنفسهم أو غير مباشرة من خلال تعرض ذويهم للأذى أمام أعينهم بشكل متكرر، مما قد يساهم في استمرار آثار الصدمة النفسية، واضطرابات ما بعد الصدمة، والتي تؤثر على مهارات التواصل الاجتماعي وبعض مهارات التعلم، وينتج عنها مشكلات التعليمية مثل: فرط الحركة، وتشتت الانتباه، والسلوك الانفصامي. لذا يجب أن تتضمن خطط الإدماج معايير تشخيصية للأطفال حسب السن ودرجات العنف، ومقاييس لتأثير الاضطرابات النفسية قصيرة وطويلة المدى، وبرامج تعليمية وتربوية واجتماعية، وأنشطة سلوكية لبناء الثقة وتقبل الذات.

ويجب أن يتم إعداد ملف تعريفي شامل لكل الأطفال العائدين، وتصنيف هذه الملفات في قاعدة بيانات تساهم في إنتاج برامج إعادة تأهيل تناسب البنية التحتية النفسية والاجتماعية لكل طفل على حدة. ويمثل الأطفال الذكور تحديًا أكبر لدمجهم اجتماعيًا عن الإناث، حيث إنهم عانوا من مشاهدة وممارسة العنف المميت بشكل أكبر عن الإناث بفضل تعرضهم لعمليات التدريب في أكاديميات داعش، لذا فإن تركهم معزولين اجتماعيًا يمكن أن يؤدي إلى الشعور بالقمع، ويساهم في إعادة توظيفهم لصالح داعش. أما الأطفال الإناث فتتمثل معاناتهن في الزواج المبكر من سن التاسعة، لذا فإنهن عرضةً لممارسة الدعارة بعد عودتهن لمواطنهن الأصلية إذا لم يتم دمجهن اجتماعيًا ونفسيًا.

ويمثل المجتمع التعليمي للأطفال العائدين تحديًا آخر، حيث يتطلب دمجهم في المدارس تأهيل الطلاب والمعلمين والإداريين للتعامل معهم، خاصة وأن الأطفال العائدين يعانون من فجوة في التعليم، فقد حُرموا من العديد من الفرص الطبيعية للتطور الجسدي والعاطفي والفكري خلال تواجدهم بالمخيم، لذا يجب تأهيل المجتمعات المستقبلة للأطفال العائدين، وربما يمكن أن تتضمن برامج الإدماج الدمج التدريجي في منشآت تعليمية منفصلة خاصة بالأطفال العائدين قبل دمجهم في المدارس النظامية، وذلك بعد التأكد من اكتسابهم المهارات الحياتية المتعلقة ببيئاتهم الجديدة.

شكل (2): إحصائية المواد البشرية بقطاع الصحة النفسية بالعراق وسوريا

مصدر البيانات: تقرير مرصد الصحة بمنظمة الصحة العالمية, إبريل 2019

ختامًا، إن كل ما تم استعراضه آنفًا يؤكد ضرورة استعداد الدول المستقبلة للأطفال العائدين ماديًا وتخطيطيًا، وفي حالة أطفال الهول من الصعب أن تكون بعض الدول -وخاصة العراق وسوريا- على استعداد كافٍ لاستقبال رعاياهم من الأطفال، فبالإضافة إلى قلة أعداد المعالجين النفسيين، والأخصائيين الاجتماعيين، والمعلمين، لا تتوافر أيضًا المعرفة الأساسية بمعايير وخطط الدمج بالشكل المطلوب، علاوة على قلة توافر العنصر الأهم وهو التكلفة المادية المناسبة لتنفيذ خطط الإدماج وإعادة التأهيل، الأمر الذي يفرض طلب إحاطة مجلس الأمن الدولي بضرورة تفعيل ميثاق دولي شامل يدعم دمج الأطفال العائدين من خلال تحديد التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها أطفال داعش في التكيف مع البيئات الجديدة، وتحديد التكاليف المادية لقبول عودة أطفال داعش في ظل تباين البنية التحتية الطبية والنفسية الاجتماعية والتعليمية للدول المستقبلة، وتحديد معايير وأدوات قياس دولية لتقييم التقدم في تنفيذ برامج خطط الدمج ونزع التطرف.

د. إسراء علي