وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تحول مفاجئ: دوافع التقارب السعودي الإيراني

مثّل اقتحام المئات لمبنى السفارة السعودية في العاصمة الإيرانية طهران وقنصليتها في مدينة مشهد شرقي البلاد، يوم 2 يناير 2016، تحولًا رئيسيًا في مسيرة العلاقات الثنائية بين البلدين. جاء هذا التحول بعد أشهر قليلة من الإعلان عن التوصل لاتفاق نووي تاريخي بين طهران والقوى الكبرى في يوليو من عام 2015. وخلال الفترة التي أعقبت هذا الهجوم، شهدت علاقات الطرفين توتراتٍ وتصعيدًا سياسيًا ودبلوماسيًا حادًا، زادت طهران خلاله من دعمها لجماعاتٍ في بعض الدول المجاورة للسعودية تسبب في زعزعة الاستقرار بهذه الدول وطال لاحقًا مياه الخليج العربي ووصل ذروته هناك منتصف عام 2019. وفي ظل تطور هذا التصعيد بعد اتفاق عام…

علي عاطف

مثّل اقتحام المئات لمبنى السفارة السعودية في العاصمة الإيرانية طهران وقنصليتها في مدينة مشهد شرقي البلاد، يوم 2 يناير 2016، تحولًا رئيسيًا في مسيرة العلاقات الثنائية بين البلدين. جاء هذا التحول بعد أشهر قليلة من الإعلان عن التوصل لاتفاق نووي تاريخي بين طهران والقوى الكبرى في يوليو من عام 2015. وخلال الفترة التي أعقبت هذا الهجوم، شهدت علاقات الطرفين توتراتٍ وتصعيدًا سياسيًا ودبلوماسيًا حادًا، زادت طهران خلاله من دعمها لجماعاتٍ في بعض الدول المجاورة للسعودية تسبب في زعزعة الاستقرار بهذه الدول وطال لاحقًا مياه الخليج العربي ووصل ذروته هناك منتصف عام 2019.

وفي ظل تطور هذا التصعيد بعد اتفاق عام 2015 النووي، مثّل عام 2016، الذي تزامن مع انتهاء فترة ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، بداية وقمة اشتعال الصراع في الوقت نفسه. واستمر التوتر بين الجانبين أثناء ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب بين عامي (2017-2021)، ولكن الحالة الإيرانية ومختلف التطورات السياسية والاقتصادية داخل طهران خلال هذه السنوات اختلفت عما كانت عليه أيام أوباما أو حتى سلفه جورج دبليو بوش. 

أما بعد رحيل ترامب وتنصيب المرشح الديمقراطي جون بايدن رئيسًا للولايات المتحدة، وحديثه وتأكيده على رغبة إدارته في العودة إلى الاتفاق النووي، الذي خرج منه ترامب في مايو 2018، فقد بدا رويدًا رويدًا أن هناك تغيرًا قادمًا في علاقات الرياض مع طهران. 

ومؤخرًا، نشرت تقارير تقول إن الطرفين التقيا في العاصمة العراقية بغداد يوم التاسع من أبريل الماضي، وإن المحادثات تطرقت إلى الهجمات الإرهابية للحوثيين على المملكة. وقد نفت الرياض حدوث هذا اللقاء كما فعلت طهران الأمر نفسه. ولكن يبدو منذ مطلع العام الجاري على أرض الواقع أن هناك محفزاتٍ ودوافع يمكنها أن تقود الجانبين لإحداث تقارب في العلاقات وإذابة الجليد بينهما.

دوافع التحول الإيجابي في علاقات السعودية وإيران

تتعدد الدوافع والمحفزات السياسية والاقتصادية التي يمكنها أن تدفع السعودية وإيران إلى الحوار والحديث سويًا. وتتداخل هذه الدوافع مع بعضها بعضًا بشكل أو بآخر، ومن أبرزها: 

– الرغبة في المشاركة بإعادة صياغة الاتفاق النووي:

ترغب المملكة العربية السعودية جديًا في إشراكها كطرف أصيل في المفاوضات النووية المتعلقة بإعادة صياغة اتفاق لوزان النووي لعام 2015. إذ إنه من المعلوم أن أي اتفاق نووي يشمل رفع العقوبات عن إيران، ليس جميع العقوبات بالطبع، سيعمل على تعزيز القدرات العسكرية والسياسية لإيران في الإقليم. ووضعت دول الخليج العربي احتمال أن يقود هذا الصعود الإيراني المرتقب إلى زعزعة للاستقرار في المنطقة مجددًا ما دفعها إلى المطالبة بإشراكها في المحادثات النووية لضمان حدوث تهدئة أوسع وحوار مباشر وذوبان في الجليد بينها وبين إيران، ضمانًا لعدم تفاقم أزمات المنطقة لاحقًا.

فعلى سبيل المثال، طالب وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في أوائل شهر فبراير الماضي بأن تكون “الدول الأكثر تأثرًا من الممارسات الإيرانية” طرفًا أصيلًا في أية مفاوضات دولية حول برنامج طهران النووي وبقية الأنشطة المهددة لأمن الشرق الأوسط.

وشدد وزير الخارجية السعودي، على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب في العاصمة المصرية القاهرة، على أن أية تسوية لملف إيران النووي لا تُراعَى فيه مصالحُ الدول العربية، لا يمكن أن يحقق الاستقرار في الإقليم.

ولكن الطرف الإيراني رفض إجراء أي مفاوضات أو تغييرات جديدة على المشاركين في الاتفاق النووي. وبالتزامن مع ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، إن “الاتفاق النووي اتفاق دولي متعدد الأطراف صدق عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، وهو غير قابل للتفاوض، كما أن الأطراف فيه واضحة وغير قابلة للتغيير”، ما يعني رفض طهران لدخول دول جديدة في الاتفاق.

 وعليه، فبعد الرفض الإيراني ستكون أفضل وسيلة للمشاركة في الاتفاق، من أجل ضمان حدوث التهدئة وعدم زعزعة الاستقرار الإقليمي لاحقًا، هو الحديث المباشر مع إيران.

– طبيعة نهج إدارة الرئيس الأمريكي بايدن تجاه إيران:

يختلف نهج إدارة الرئيس الأمريكي الحالي، بايدن، عن إدارة سلفه وذلك تجاه كلٍ من الرياض وطهران. فنهج بايدن تجاه إيران يتمركز حول إعادة التوصل لاتفاق نووي مقابل الإفراج عن أموال مجمدة لطهران في الخارج؛ وذلك في سبيل منع توصلها لسلاح نووي. ولما كان من المحتمل أن ينتج عن هذا النهج تجاه إيران تنامٍ في قدراتها المالية والعسكرية إقليميًا يُتوقع أن يقود لتوسع نطاق أنشطتها في المنطقة وتزايد في دعمها للجماعات الموالية لها في الشرق الأوسط، فقد كان من المنطقي أن يتم اللجوء للحوار المباشر مع طهران لمحاولة عدم تصعيد الأوضاع في المنطقة، خاصة في ظل الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط.

– رغبة إيران في الحد من التدهور الاقتصادي المحلي بعد سنوات من العقوبات القاسية:

 لا يُعتقد أن تتجه إيران إلى توظيف جل الأموال، التي من المرجح أن تحصل عليها بعد التوصل إلى اتفاق نووي، في دعم الجماعات الموالية لها في الشرق الأوسط أو غيره. حيث إن وضع الاقتصاد الإيراني الداخلي، خاصة بعد حزم العقوبات الاقتصادية المتتالية التي فرضها الرئيس السابق ترامب، يجعل من المنطقي أن يتم استخدام جزء من هذه الأموال في تحقيق انتعاش ولو جزئي لاقتصاد إيران المحلي.

وفضلًا عن هذا، ستحتاج إيران من أجل تحريك اقتصادها الراكد إلى استثمارات خارجية من جانب شركات أوروبية أو صينية أو روسية للعمل في مجالات اقتصادية مختلفة. ويعني هذا أن إيران من الممكن أن تتجه للعمل على تحقيق استقرار مجتمعي في الداخل لخفض مستوى الاستياء من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وألا تنجر كثيرًا وراء عدم استقرار المنطقة خلال الفترة المقبلة، وأن ترمي أيضًا في الوقت نفسه إلى تحسين علاقاتها مع دول الجوار، خاصة في الخليج العربي، وتحقيق تعاون اقتصادي أكبر معهم.

– رؤية السعودية 2030: 

 يُعد الأمن أحد أهم ركائز رؤية المملكة العربية السعودية 2030، وهو ما يتطلب تحقيق استقرار إقليمي أو على الأقل في محيطها. فعلى سبيل المثال، تؤكد الرؤية على السعي لأن تكون الاستثمارات الضخمة محركًا للاقتصاد السعودي وموردًا إضافيًا للبلاد، وهذا يتطلب تحقيق معدلات عالية من الأمن في دول المحيط الإقليمي.

– جائحة فيروس كورونا:

يرتبط هذا العامل بطبيعة الأحوال الاقتصادية في إيران، حيث إن جائحة فيروس كورونا قد زادت من سوء الأوضاع الاقتصادية في طهران، ما يدفع إلى الميل نحو إزالة آثار الجائحة الاقتصادية بالتزامن مع التوصل لاتفاق نووي، واحتمال توجه طهران لتحريك اقتصادها، والدفع نحو الحد من الاستياء الداخلي. ولا تنحصر آثار فيروس كورونا في إيران فقط، بل إن جميع دول المنطقة تأثرت بتداعياته بنسب متفاوتة، ما يجعل الإقليم في حاجة للمزيد من الاستقرار خلال الأيام المقبلة لتعويض خسائره.

 -الانسحاب الأمريكي من أفغانستان:

على الرغم من أن إيران لم تكن تؤيد تواجد القوات الأمريكية في أفغانستان خلال السنوات الماضية، وكانت تعلن معارضتها له؛ إلا أن الحدود الشرقية لإيران باتت على وشك الدخول في مرحلة جديدة من الاضطرابات الأمنية بعد الانسحاب الأمريكي المرتقب من أفغانستان. حيث إن الرحيل سوف يتسبب في ترك فراغ داخلي في أفغانستان، وعودة محتملة لبروز حركة “طالبان”. فالوضع في أفغانستان في حالة انسحاب القوات الأمريكية في سبتمبر المقبل سيعيدنا إلى الوراء إلى المشهد الأفغاني في بداية عقد التسعينيات حينما دخلت جماعات أفغانية كثيرة في حالة اقتتال داخلي من أجل الوصول إلى السلطة.

وعلى أية حال، سوف يساعد إيران استقرارُ الأوضاع على حدودها الغربية من أجل مراقبة والتفرغ والتعامل مع تطورات المشهد الأفغاني الذي يُعتقد أنه سيمر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار ستكون أكثر حدة من السنوات الماضية.

الملفات المطروحة للنقاش حال بدء الحوار بين الجانبين

يواجه الحوار السعودي الإيراني عدة ملفات أو تحديات سيكون على الطرفين التطرق إليها وتناولها. لعل من أبرز هذه القضايا يجيء الملف النووي الإيراني ومخاطر توصل طهران إلى سلاح ذري، ما ينذر معه بتحول المنطقة إلى ترسانة نووية. ولا ترى السعودية وحدها امتلاك طهران لهذا النوع من السلاح خطرًا، بل إن كثيرًا جدًا من دول العالم تتشارك في هذا الرأي. 

ويبرز الوضع في اليمن وملف جماعة “الحوثيين” التي تطلق منذ أعوام صواريخ باتجاه الجنوب السعودي، كإحدى أهم القضايا المطروحة. فالسعودية ترفض دعم إيران لـ”الحوثيين” وتهديدهم أمنها من الجنوب، مما سيتطلب تسوية لهذا الملف.

وإلى الشمال الشرقي من اليمن، تشكل التهديدات الإيرانية في مياه الخليج العربي تحديًا كبيرًا لعملية نقل الصادرات النفطية والسلع الأخرى، حيث برز حجم هذا التهديد في السنوات الأخيرة أكثر مما كان عليه مسبقًا. واتصالًا بالخليج العربي عبر بحر العرب، تمثل أنشطة “الحوثيين” الموالين لإيران في جنوب البحر الأحمر تهديدًا أيضًا للتجارة بجميع أنواعها. ولا تشكل هذه الأنشطة في الخليج والبحر الأحمر تهديدات لعملية النقل القادمة من السعودية فقط، ولكن لتجارة باقي دول العالم التي تمر من خلالهما.

وعلى الرغم من أن هذه الملفات الثلاثة تجيء على رأس اهتمامات الحوار المشترك بين البلدين، إلا أن هناك قضايا أخرى ذات أهمية كبيرة من المتوقع أن يتناولها الجانبان في أي حوار مستقبلي من بينها أنشطة الجماعات الموالية لإيران في العراق على الحدود الشمالية للسعودية، إضافة إلى دعم طهران لجماعات وخلايا أخرى في مناطق بالجزيرة العربية تعمل على زعزعة الاستقرار في الدول التي تنشط بها. كما سيحتاج الحوار بين الرياض وطهران إلى تسوية ملفات إقليمية أخرى في المنطقة. 

إجمالًا، سينتج عن التحول الإيجابي في علاقات السعودية وإيران مكاسب سياسية واقتصادية للطرفين تؤخذ بعين الاعتبار في ظل التحولات الدولية والإقليمية، وكذلك رغبة الرياض في تعزيز الأمن الإقليمي للمضيّ قدمًا في رؤية 2030 والتعامل مباشرة مع الإيرانيين فيما يتعلق بالقضايا المختلف عليها في ظل نهج إدارة بايدن تجاه إيران وانسحابها من الشرق الأوسط. وبالنسبة لإيران، فإن أهم المكاسب تتمثل في الحد من الاستياء الداخلي الذي تفاقم بعد حزم العقوبات المتتالية، وذلك عن طريق التعامل مع حالة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاستنزاف المحلي. 

ويبدو أن هناك رغبة إيرانية في الاستعداد للتعامل مع تطورات المشهد الأفغاني في المستقبل القريب بعد انسحاب القوات الأمريكية. كما لا يجب تجاهل مرور النظام السياسي في إيران حاليًا بمرحلة تحول داخلية بدأت إرهاصاتها تتشكل، وتسعى خلالها أطراف داخلية لكسب مزيدٍ من النفوذ والقوة. وتتطلب مثل هذه الحالة الانتقالية تهدئة خارجية. وإذا كان التمدد الإيراني في المنطقة قد توسع بعد عام 2015، فإنه ونظرًا للتحولات الإقليمية والعالمية، والداخلية أيضًا في إيران، لا يُتوقع أن يصل هذا التمدد بعد إعادة التفاوض على الاتفاق النووي إلى نطاق سابقه. وعلى أية حال، سيتوقف نجاح أي حوار سعودي إيراني مقبل على مدى تحقيق تسوية بشأن التحديات المُشار إليها.

علي عاطف