مقتل ديبي وأمن المنطقة

عضو الهيئة الاستشارية

عشية اعلان فوزه بفترة رئاسية سادسة، توفي رئيس تشاد، إدريس ديبي، متأثرا بجروح أصيب بها في اشتباكات مع المتمردين بشمال البلد، وفق ما أعلنه الجيش التشادي، الذي أعلن أيضا أن الانتخابات ستجرى بعد 18 شهرا. وفي تحرك سريع لاحتواء الازمة ومنع أي انفلات أمنى، تم اعلان حل الحكومة وتعيين نجل ديبي، محمد ديبي، البالغ من العمر 37 عاما، وهو جنرال في الجيش، رئيسا مؤقتا للبلاد. ادريس ديبي الذي حكم البلاد لمدة ثلاثين عاما، نجا خلالها من عدة تمردات، توفي بطريقة مفاجئة وفي ظروف لاتزال غامضة. فبعد اعلان نتيجة الانتخابات، ذهب ديبي إلى خط الجبهة، على بعد عدة مئات من الكيلومترات…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

عشية اعلان فوزه بفترة رئاسية سادسة، توفي رئيس تشاد، إدريس ديبي، متأثرا بجروح أصيب بها في اشتباكات مع المتمردين بشمال البلد، وفق ما أعلنه الجيش التشادي، الذي أعلن أيضا أن الانتخابات ستجرى بعد 18 شهرا. وفي تحرك سريع لاحتواء الازمة ومنع أي انفلات أمنى، تم اعلان حل الحكومة وتعيين نجل ديبي، محمد ديبي، البالغ من العمر 37 عاما، وهو جنرال في الجيش، رئيسا مؤقتا للبلاد.

ادريس ديبي الذي حكم البلاد لمدة ثلاثين عاما، نجا خلالها من عدة تمردات، توفي بطريقة مفاجئة وفي ظروف لاتزال غامضة. فبعد اعلان نتيجة الانتخابات، ذهب ديبي إلى خط الجبهة، على بعد عدة مئات من الكيلومترات شمال العاصمة نجامينا، لزيارة القوات التي تقاتل المتمردين المنتمين إلى جماعة “جبهة التغيير والوفاق في تشاد”. هذه الجماعة تأسست عام 2016 على يد ضباط سابقين في الجيش، ويقودها محمد مهدي علي، الرجل النافذ سابقا في وزارة النفط التشادية. وقد اتخذت من الجفرة في جنوب ليبيا قاعدة لها. 

على مدار السنوات الأخيرة، كانت قوات جبهة التغيير والوفاق تقاتل الى جانب باقي المرتزقة في ليبيا، لكن منذ اعلان وقف إطلاق النار، العام الماضي، واستئناف مسار الحل السياسي الليبي بدعم من الأمم المتحدة، بدأ المرتزقة يعودون إلى أوطانهم، ومنهم المرتزقة التشاديين. وتشير تقارير الى انه غداة الانتخابات التشادية في مطلع ابريل الجاري، دخلت قوات “جبهة التغيير والوفاق” الى شمال تشاد، بقوات يقدر عدد عناصرها بنحو 1500، مدججين بالأسلحة، وعلى متن مئات السيارات رباعية الدفع.

هاجمت قوات الوفاق ولاية تبستي، ثم دخلت ولاية كانم، ونشرت تصريحا عبر صفحتها على فيسبوك يقول إن “انتخابات الأحد الماضي كانت مهزلة… وعلى الشعب الحفاظ على زخم الضغط على الديكتاتورية ومساندة مقاتلي جبهة الوفاق الشجاعة لتحرير وطنهم تشاد”. وأعلنت هذه القوات استيلاءها على حاميات بالقرب من الحدود الشمالية لتشاد مع النيجر وليبيا “دون مقاومة”. ربما الرد على هذه التصريحات والرغبة في إيقاف هذه التحركات هي من دفعت الرئيس الراحل الى زيارة خط الجبهة التي لم يكن يعلم انه سيعود منها مقتولا. 

كان ادريس الديبي حليفا عسكريا قويا لفرنسا ويدها الطولى ضد الجماعات المتطرفة الارهابية. وعمل طوال السنوات التي حكم فيها البلاد بيد من حديد، على بناء جيش يعتبر واحدا من أقوى القوات المقاتلة في إفريقيا. وقاتلت هذه القوات ضد الجماعات الارهابية في جميع أنحاء الساحل، بما في ذلك بوكو حرام والتنظيمات التابعة للقاعدة. وبمقتل ديبي، تدخل تشاد في منطقة شديدة السواد فيما يتعلق بمستقبلها الامني. خاصة بعد تعيين ابنه، بشكل غير دستوري، رئيسا مؤقتا للبلاد، بحيث إن رئيس البرلمان هو من يجب أن يتولى المنصب عندما يتوفى الرئيس قبل تنظيم انتخابات. وبالإضافة الى الصراع المحتدم بين السلطة والمتمردين، باتت الازمة اليوم فجوة داخل السلطة، وانتقال غير دستوري من حكم الاب إلى حكم الابن.

على الرغم من ان باريس ودول غربية أخرى باركوا هذا الانتقال للسلطة، لكن هناك تخوف داخل البلاد الى انزلاق الوضع الى الفوضى، خاصة إذا قررت الكتائب المتمردة استمرار الزحف تجاه العاصمة، أو تحركت القوى السياسية المعارضة ضد النظام الجديد. ولا يستبعد أن تتوتر الأمور خصوصا مع دعوة المتمردين الجيش للسعي إلى تخليص تشاد من بقايا نظام ديبي.

الفراغ الأمني الذي سيخلفه مقتل ديبي لن يؤثر فقط على امن التشاد الداخلي، ولكن أيضا على امن المنطقة بالكامل. من ناحية، من المحتمل ان يتأثر الجنوب الليبي، الذي تستقر فيه المعارضة التشادية منذ سنوات طويلة، بشكل مباشر بالأحداث الجارية في تشاد. فهذه المعارضة تسيطر على بعض المناطق وتمتلك الأسلحة والأموال، وربما قد تجعل من الجنوب الليبي حديقة خلفية لصراعها مع النظام والجيش في تشاد. كما ان اي انهيار منظومة الدولة في تشاد، ستزيد من تواجد العصابات المسلحة العابرة للحدود معها، ما يعني تهديد امن الجنوب الليبي. لتفادي هذا الخطر، فإن الحكومة الليبية مدعوة الى عدم الرضوخ لاي تغييرات جيوسياسية محتمل حدوثها في تشاد، في وقت تسيطر فيه المعارضة التشادية على مناطق الجنوب الليبي!

من ناحية أخرى، سوف تتأثر السودان بمجريات الاحداث في التشاد، خاصة ان هذه الأخيرة توجد بمحاذاة إقليم دارفور الذي يعاني من هشاشة أمنية وعدم استقرار. من المعروف ان الحدود بين البلدين لم تشهد استقرارا إلا عقب توقيع اتفاق بين حكومتي السودان وتشاد عام 2009 ألزمهما بوقف أي دعم للمتمردين من البلد الآخر. قد يتأثر السودان بشكل مباشر بحالة عدم الاستقرار في التشاد التي قد تسبب عدم الاستقرار في دارفور. ويمكن أيضا ان تؤجج الصراع الدائر بين العرب والقبائل الإفريقية، بعدما كان الرئيس الراحل حريصا على السلام والمصالحة بين العرب والقبائل الإفريقية في دارفور، لأنها تنعكس على المصالحة بين العرب والقبائل الإفريقية في تشاد.

نقطة أخيرة يجب الإشارة إليها، اذا كانت قوات تشاد من اكثر القوات ضد الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، أي انشغال لهذه القوات بالأزمة الداخلية يعني استفادة هذه الجماعات من هذا الفراغ، وبالتالي تمدد نشاطها بشكل يشكل تهديدا لأمن المنطقة بالكامل.

ـــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٩ أبريل ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب