وحدة الدراسات الأمريكية

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وإعادة هندسة التفاعلات الإقليمية

أعلن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” عن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر (الذكرى العشرون للهجمات الإرهابية)، مؤكدًا أنه “حان الوقت لإنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة”. يأتي ذلك على الرغم من تزايد التكهنات حول التداعيات السلبية الخطيرة لهذا الانسحاب التي لن تتوقف عند حدود أفغانستان، وإنما قد تغطي كامل القارة الآسيوية، مما ينذر بإمكانية تحول أفغانستان لبؤرة ملتهبة وساحة لتصدير المشكلات الحرجة إلى محيطها. الكابوس الأفغاني منذ عام 2001، تبنت واشنطن مقاربة “الحرب العالمية على الإرهاب” مستندة إلى استخدام الأداة العسكرية، لا سيما الحرب في أفغانستان والعراق؛ إذ مثلت أفغانستان أطول ساحة حرب دخلتها واشنطن على مدار تاريخها،…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

أعلن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” عن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر (الذكرى العشرون للهجمات الإرهابية)، مؤكدًا أنه “حان الوقت لإنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة”. يأتي ذلك على الرغم من تزايد التكهنات حول التداعيات السلبية الخطيرة لهذا الانسحاب التي لن تتوقف عند حدود أفغانستان، وإنما قد تغطي كامل القارة الآسيوية، مما ينذر بإمكانية تحول أفغانستان لبؤرة ملتهبة وساحة لتصدير المشكلات الحرجة إلى محيطها.

الكابوس الأفغاني

منذ عام 2001، تبنت واشنطن مقاربة “الحرب العالمية على الإرهاب” مستندة إلى استخدام الأداة العسكرية، لا سيما الحرب في أفغانستان والعراق؛ إذ مثلت أفغانستان أطول ساحة حرب دخلتها واشنطن على مدار تاريخها، كلفتها تريليونات الدولارات وأزهقت آلاف الأرواح. ليس هذا فحسب، فقد أضرت أيضًا بصورة الولايات المتحدة وسمعتها كقوة كبرى، ومثلت أحد العوامل –ولو المحدودة- في اتساع الهوة عبر الأطلسي، كما يمكن اعتبار أنها ساهمت في تحويل الانتباه الأمريكي عن قضايا خارجية أكثر أهمية، وقضايا داخلية أكثر إلحاحًا كتطوير البنية التحتية والصحة والتعليم.

وارتباطًا بهذا، ظهرت مسألة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان -ضمن ملف السياسة الخارجية- خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية كمسألة شبه توافقية بين كلا المرشحين “ترامب” و”بايدن” من بين قضايا توافقية محدودة، مما يعني أن مسألة الانسحاب باتت ذات أولوية ملحة. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس “بايدن” بدء انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، اعتبارًا من الأول من مايو، على أن يكتمل بحلول 11 سبتمبر، مشيرًا إلى أن الانسحاب سيشمل كذلك القوات التي ينشرها الحلفاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

خلال فترة حكمه، أطل الرئيس “ترامب” بتغريدة حول إعادة القوات الأمريكية المتبقية في أفغانستان إلى الوطن بحلول عيد الميلاد 2020. ومع ذلك، أكد مسئولون كبار في البنتاجون أن واشنطن تسير على الطريق الصحيح لخفض القوات إلى 4500 بحلول نوفمبر 2020، وأن الانسحاب سيظل قائمًا على الظروف. وفي غضون ذلك، وقعت إدارة “ترامب” اتفاقًا مع حركة طالبان على الانسحاب حتى الأول من مايو 2021. 

أجلت إدارة “بايدن” الانسحاب أربعة أشهر حتى سبتمبر القادم، لكن وكالة الاستخبارات الأمريكية لا تزال تبدي تخوفًا من هذا الانسحاب بسبب أنه يبدو بلا ضمانات فيما يخص الأمن السياسي في أفغانستان. إذ أخبر “وليام بيرنز”، مدير وكالة المخابرات المركزية، لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ 14 أبريل، أن قدرة أمريكا على جمع المعلومات والعمل ضد التهديدات الإرهابية في أفغانستان سوف تتراجع بعد رحيل القوات الأمريكية.

كما أثار بعض أعضاء الكونجرس مخاوف من أن الانسحاب الأمريكي قد يؤدي إلى استعادة طالبان السيطرة، ولفت السيناتور الجمهوري “ليندسي جراهام” إلى أنه “لا توجد خيارات جيدة في أفغانستان.. في اللحظة التي يرفرف فيها علم طالبان فوق جزء من أفغانستان، ستتصدر حملة تنشيطية إلى كل جهاديي العالم”. كما كتب كل من “مايكل والتز” و”ليز تشيني” و”سكوت فرانكلين” أعضاء بالكونجرس إلى وزير الخارجية “أنتوني بلينكين” في 12 أبريل الجاري مؤكدين أن مجتمع الاستخبارات “حذر مرارًا وتكرارًا من أن انسحاب واشنطن سيسمح للجماعات الإرهابية بالازدهار والحفاظ على ملاذات آمنة”.

ومن اللافت للنظر، تأكيد الرئيس “بايدن” الانسحاب في سبتمبر القادم سيتم “بدون شروط مسبقة”، والتي تعني في مضمونها تجاوز الشروط التي وردت في الاتفاق؛ وهي: التزام طالبان بإجراء مفاوضات مع الحكومة الأفغانية لتعزيز العملية السياسية السلمية، والتزامها بمواجهة الجماعات المتطرفة والإرهابية. وذلك بالرغم مما كشفه تقرير قدمه فريق الدعم التحليلي ومراقبة العقوبات التابع للأمم المتحدة في مايو 2020 حول حفاظ طالبان على علاقات أيديولوجية وعملياتية وثيقة مع القاعدة.

وفي المقابل، وعلى الرغم من الحديث عن انسحاب غير مشروط، إلا أن تأجيل الانسحاب إلى سبتمبر أثار غضب حركة طالبان، ودفع الناطق باسمها في قطر “محمد نعيم” إلى التشديد -عبر تغريدة- على أنه “إلى أن تنسحب كل القوات الأجنبية من بلادنا، لن نشارك في أي مؤتمر قد تُتخذ خلاله قرارات بشأن أفغانستان”.

وفي سياق موازٍ، قال البيت الأبيض إن الرئيس “بايدن” تحدث مع الرئيس الأفغاني “أشرف غني” للتأكيد على الالتزام المستمر بشراكة ثنائية قوية بعد الانسحاب، وأضاف البيان أن “بايدن” أكد أن واشنطن ستواصل دعم الشعب الأفغاني بما يشمل مواصلة التنمية والمساعدات الإنسانية والأمنية”.

من النتائج المباشرة المرجحة للانسحاب الأمريكي أن ينشط الإرهابيون الذين يقتنون مناطق متفرقة من العالم، ويرون في أفغانستان ساحة مناسبة لهم، قد يفضل بعضهم الانضمام إلى ولاية خراسان التابعة لداعش، بينما قد يفضل آخرون المكوث في المناطق الخاضعة لحكم طالبان من أجل التلقين والتدريب. علاوة على ذلك، من المرجح أن تستفيد التنظيمات الإرهابية في أفغانستان من مخزون الأسلحة –بما فيها المنظومات المتطورة- الخاصة بالجيش الأفغاني حال فقدانه السيطرة.

دوافع محفزة

تعتبر بعض التحليلات أن أفغانستان باتت تمثل أكبر تحدٍ يواجهه “بايدن” في السياسة الخارجية، إذ يواجه معارضة لمغادرتها وكذا البقاء فيها في آن واحد، كون الرحيل الأمريكي الكامل والمتسرع قد يدفع أفغانستان إلى مزيد من العنف والفوضى.

ويحمل الانسحاب الأمريكي تنفيذيًا أكثر من صيغة؛ يتمثل أولها في الدخول في سلسلة متكررة من قرارات التأجيل، وينصرف ثانيها إلى تنفيذ نوع من الانسحاب الجزئي الذي يعني سحب جزء من القوات كنوع من الالتزام بتنفيذ القرار مع بقاء مجموعة من القوات التي تسمح لواشنطن بتوجيه دفة الأمور وحماية مصالحها، وقد يتسبب السيناريوهان في إلغاء الاتفاق الموقع مع طالبان وتزايد وتيرة العنف.

بينما يقوم ثالثها على الانسحاب الكامل وفك الارتباط، ما يعني خروج واشنطن التام من المشهد ودخول أطراف إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ. وأخيرًا تعتبر الصيغة الرابعة الأكثر اتساقًا مع خطاب واشنطن والذي يشير إلى أن واشنطن ستنسحب عسكريًا فقط، بينما ستظل حريصة على أدوارها الأخرى. وبشكل عام، قد تتجه واشنطن للانسحاب استجابة للضغوط ثم الدخول مجددًا بمبرر جديد يتصل بتدهور الأوضاع في أفغانستان.

وعلى الرغم مما يبدو كحالة من الارتباك والتخبط تخيم على القرار الأمريكي بشأن الانسحاب، وعلى الرغم أيضًا من حالة التشكك في قيام واشنطن الفعلي بتنفيذه؛ إلا أنه عبر نظرة تحليلية مفصلة يبدو وجود دوافع محفزة وراء إصدار القرار والتأكيد على تنفيذه حتى في ظل التأجيل الحالي، ويمكن توضيحها على النحو التالي:

  • قضية موضع اتفاق: بالرغم من حالة التوجس والخوف من الانسحاب التي أبداها بعض السياسيين أو بعض الجهات أو المؤسسات على الساحة الأمريكية، إلا أن مضمون هذه الحالة لم ينكر أهمية الانسحاب من أطول الحروب أمدًا في التاريخ الأمريكي، وإنما يدعو إلى خروج أكثر تنظيمًا وتعقلًا وأقل اندفاعًا. وهو ما يتضح في محورية القضية والتوافق بشأنها خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ما يعني أن هذه المسألة تحمل قدرًا من التوافق، ما يلمح إلى أهمية وحيوية هذه القضية وكذا ضرورة التعاطي معها. 
  • تردي الأوضاع الداخلية: تشهد الولايات المتحدة أوضاعًا داخلية شديدة التعقيد لا سيما مع التفشي الواسع لجائحة كورونا، وما ارتبط بها من تداعيات اقتصادية هائلة ألقت بظلالها على أغلب الأسر الأمريكية، وفرضت على الإدارة الأمريكية أعباء إضافية، مما يعني أن الموارد الأمريكية باتت في حاجة ملحة إلى إعادة التخصيص، لا سيما تجاه القضايا الداخلية الأكثر إلحاحًا. بعبارة أوضح، لم يعد من المنطق أن تستنزف الولايات المتحدة مواردها في الخارج، مع ترك قضايا الداخل بلا تعاطٍ عملي وحقيقي. 
  • إرضاء الشارع الأمريكي: بعد مرور ما يقرب من 20 عامًا على الغزو الأمريكي لأفغانستان وما صاحبه من تكلفة مالية وبشرية، يبدو أن الشارع الأمريكي لم يعد مقتنعًا بأهمية استمرار الوجود الأمريكي في الخارج، وبالأخص في أفغانستان، مما يعني أن الشارع الأمريكي سئم الاستماع إلى مبررات الإدارات المتعاقبة بشأن الاستمرار في هذا المستنقع. وعليه، يتضح أن الإدارة الحالية تدرك أن هناك ضرورة للتعاطي مع قضية ترضي الشارع الأمريكي، في محاولة لاستيعاب حالة السخط التي تضرب الداخل الأمريكي بفعل المشكلات المتعددة المتداخلة والمركبة.
  • تحسين صورة واشنطن: على الرغم من حرص واشنطن على إرسال رسائل متكررة لتصوير غزوها لأفغانستان على أنه حماية للعالم من الإرهاب، وتأكيد لقيم عالمية عليا؛ إلا أنه لا يمكن إغفال حقيقة أن التدخل العسكري الأمريكي قد أضر بصورتها ووضعها في خانة دولة احتلال في نظر بعض الشعوب، لذا فإن الانسحاب قد يحمل قدرًا من تحسين صورة واشنطن انطلاقًا من تخليها عن الاستخدام المباشر للأداة العسكرية، وتعزيز استخدامها للأدوات الأخرى لا سيما الدبلوماسية والاقتصادية. 
  • أهمية الدور الأمريكي: على الرغم من أن هشاشة وضعف الدولة الأفغانية يعني في جزء كبير منه فشل الحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان، إلا أن أي تبعات سلبية ستظهر في أعقاب الانسحاب سترسل رسالة مفادها أن واشنطن حرصت لأعوام على دفع الفاتورة نيابة عن العالم من أجل التصدي للإرهاب، وكذا حماية الدولة الأفغانية من الانهيار، الأمر الذي قد يعني ظهور دعوات أكثر زخمًا لدور أمريكي أكثر فاعلية وتدخل حال تدهورت الأوضاع نحو مزيد من العنف والاضطراب.
  • إنهاك الخصوم: قد يكون من بين الدوافع التي تشجع واشنطن على الانسحاب هي دفع خصومها، لا سيما الصين وروسيا وإيران، لتحمل تكلفة التداعيات السلبية المتوقعة من الانسحاب، لا سيما اندلاع موجات المهاجرين واتساع نطاق التهديدات الإرهابية وتزايد الاضطرابات السياسية. إلا أن الاعتماد على هذه الآلية يحمل قدرًا ضخمًا من المخاطرة انطلاقًا من أن قدرة هؤلاء الخصوم على التعاطي الفعال مع الساحة الأفغانية في أعقاب الانسحاب الأمريكي يعني الإضرار بمصالح واشنطن وانحسار دورها لصالح فاعلين آخرين.

خريطة التفاعلات المحيطة

تشير المؤشرات إلى أن الانسحاب قد يحمل تطورات من شأنها أن تقضي على أي احتمالات متبقية للتوصل لتسويات سلمية، وتؤدي إلى زيادة العنف، وتقويض الحكومة القائمة، وانهيار الاقتصاد الرسمي، ويتم أيضًا تمهيد المسرح لحرب أهلية مفتوحة مدفوعة بالوكالة والتي من المحتمل أن تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة ودفع ملايين اللاجئين. الأمر الذي يعني أن الانسحاب قد يتسبب في إعادة رسم خريطة التفاعلات المحيطة بأفغانستان، وبالأخص مع وجود بيئة محفزة ومحتقنة تنذر بتزايد المخاطر للأسباب الآتية: احتدام التنافس الصيني-الهندي، وتزايد العداء الهندي-الباكستاني، بالإضافة إلى تجدد زخم القضايا التي يتم توظيفها دينيًا كقضية الإيجور في الصين، وقضية كشمير وقانون الجنسية الجديد في الهند، ومسألة الروهينجيا في ميانمار. علاوة على ذلك، فقد ساهم ظهور تنظيم داعش (ولاية خراسان) في جعل بعض الدول أكثر تسامحًا ومرونة في التعامل مع طالبان، ودفعها إلى فتح قنوات اتصال معها. وارتباطًا بذلك، يتضح أن الانسحاب المزمع سيرسم ملامح التفاعلات المحيطة بأفغانستان، كما يلي:

  • باكستان: ستنظر إسلام أباد إلى إعلان الرئيس “بايدن” على أنه إشارة لانتصار طالبان، ما يعني أنها سوف تتصرف وفق هذه المعادلة بالاستناد إلى استراتيجيتها التي أبقت على قنواتها مفتوحة مع طالبان لما يزيد عن 20 عامًا. إلا أن القلق المباشر لباكستان يكمن في زيادة الروابط بين حركة طالبان الأفغانية والجماعات المتطرفة الباكستانية. علاوة على ذلك، فإن اضطرابات الأوضاع في أفغانستان سيعرض للخطر المقاطعات الحدودية الهشة في باكستان، ويزيد تدفق اللاجئين، ويدمر أي احتمالات للاستثمار الأجنبي.
  • الهند: سيؤدي قرار الانسحاب إلى زيادة القلق –بشكل كبير- في نيودلهي بسبب تأثيره على استمرار وجود الهند ودورها داخل أفغانستان، بجانب عواقبه المتوقعة على الأمن القومي للهند جراء تأثير الحرب الإقليمية بالوكالة والحرب الأهلية في أفغانستان وإتاحة ساحات رحبة للجماعات الإرهابية المناهضة للهند والجماعات الإرهابية الأخرى. كما يعني وصول طالبان للحكم دعم الجماعات الإرهابية التي تجمعها روابط مع طالبان، ومنها الجماعات المناهضة للهند، مثل عسكر طيبة وجيش محمد؛ الأمر الذي يحمل تهديدات مباشرة لنيودلهي التي امتنعت عن التواصل مع طالبان حتى لا تقوض الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس “أشرف غني”. كما قد يقوض الانسحاب الأمريكي الدور الهندي الذي شجعته إدارة “بايدن” في عملية السلام. ربما لا تزال نيودلهي تراهن على تمديد آخر للانسحاب حتى تتهيأ الظروف لتسوية سياسية حقيقية. 
  • الصين: تتجه بعض التحليلات إلى أن بكين قد تسعى للعب دور أكثر تأثيرًا في أفغانستان في أعقاب الانسحاب لتحقيق هدفين بارزين؛ الأول: منع أي اتصال بين حركة “طالبان” والمتشددين المسلمين من الإيجور، والثاني: سعي بكين إلى توسيع نفوذها داخل أفغانستان وربطها في إطار مشروعها العالمي “حزام واحد، طريق واحد”، حيث تمثل أفغانستان حلقة الوصل الرئيسية بين جمهوريات آسيا الوسطى والممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، وكذا تمثل جسرًا بين الصين والعرب. وتعد بكين حاليًا أكبر مستثمر وأكبر شريك تجاري لأفغانستان، لذا فإن استقرار أفغانستان يمثل مصلحة صينية. وارتباطًا بذلك، عملت بكين على فتح قنوات اتصال مع حركة طالبان، وتطور الأمر إلى قيام ممثلين من حركة طالبان بزيارة الصين. 
  • روسيا: تشير بعض الدلائل إلى أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سوف يخلق خطر زعزعة الاستقرار وتصدير التطرف من داخل أفغانستان إلى الجمهوريات السوفيتية السابقة، لا سيما في آسيا الوسطى، مما قد يؤدي إلى توترات عسكرية وسياسية واسعة النطاق في المجال الحيوي الروسي. وعلى الرغم من حالة العداء الطويل بين الروس والإسلاميين، إلا أن موسكو تبنت خلال السنوات الأخيرة سياسة أكثر مرونة تجاه طالبان وفتحت معهم قنوات اتصال. لذا، قد تدور سياسة موسكو في أعقاب الانسحاب حول فكرة تشكيل حكومة انتقالية تشارك فيها طالبان للحيلولة دون وقوع حرب أهلية.
  • آسيا الوسطى: لطالما أثارت حركة طالبان فزع الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى، غير أن التهديد الذي يمثله تنظيم “داعش”، وقيام واشنطن بعقد اتفاق مع طالبان، شجعهم على التواصل معها. وعلى الرغم من عدم التوافق الجوهري بين تلك الجمهوريات وحركة طالبان، إلا أنها اتجهت للتعايش معها؛ وبالأخص أوزبكستان، مع الاتجاه لتفكيك “الحركة الإسلامية في أوزبكستان”. وفي مارس 2018، دعت أوزبكستان حركة طالبان للمشاركة في مؤتمر طشقند حول أفغانستان. وخلال عام 2019، عقد وزير الخارجية الأوزبكي اجتماعًا مع رئيس المكتب السياسي لطالبان في قطر “الملا بردار”، الذي أيد المساعي السياسية والاقتصادية الأوزبكية في أفغانستان.
  • إيران: قد تسعى طهران لاستغلال الانسحاب لتأسيس موطئ قدم في أفغانستان كساحة خامسة تحت نفوذها. فعلى الرغم من العداء بين طهران وطالبان، إلا أنها استضافت علانية العديد من وفود طالبان لمناقشة الوضع في أفغانستان والمنطقة. وتشير بعض التحليلات إلى مكامن الخطر المتعلقة بقيام طهران باستخدام ذات المقاربة التي وظفتها في العراق، والتي تقوم على توظيف الشيعة الموالين، خاصة أنها استخدمت الكثير من المرتزقة الأفغان للقتال بجانبها في سوريا وعلى رأسهم مليشيات ما يسمى “الفاطميون” و”الزينبيون”. 
  • تركيا: على الرغم مما يبدو كحالة خلاف متجددة بين واشنطن وأنقرة، إلا أن هناك بعض المؤشرات التي تدلل على أن النظرة الأمريكية لتركيا لا تزال تدور في إطار كونها أحد الأذرع الغربية أو أداة للناتو في مواجهة المعسكر المناوئ لواشنطن. لذا، جادلت بعض التحليلات بأن الانسحاب الأمريكي من شمال سوريا قد تم وفق صيغة توافقية مع أنقرة تساعدها على التمدد، وهي الصيغة التي قد تنصرف قياسًا على الوضع في أفغانستان، وإن لم تتم بذات الأدوات، ويساعد في ذلك الإصرار المتزايد من قبل أنقرة على لعب دور أكثر فاعلية وحيوية في آسيا. ويرتبط بذلك المهارة التي أبدتها أنقرة في التعامل مع الإرهابيين وتوظفيهم في بؤر التوتر المختلفة. 

إجمالًا، يبدو واضحًا أن قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان يُحاط بالكثير من المخاوف المشروعة والمنطقية، وتعتبر بعض التحليلات أن انسحاب واشنطن من أفغانستان جاء نتيجة للإنهاك والاستنزاف أكثر من كونه تسوية سياسية حقيقية، في مشهد شبيه لما قام به الاتحاد السوفيتي عام ١٩٨٩، والذي تسبب في صعود طالبان وتزايد وتيرة الإرهاب. وبشكل عام، سيتيح الانسحاب الأمريكي لتلك التنظيمات الإرهابية الترويج بالانتصار الجهادي، الأمر الذي سيوفر بيئة خصبة للاستقطاب وتجنيد المزيد من الأعضاء في التنظيمات الإرهابية؛ مما يعني أن العالم قد يكون بصدد فصل جديد من العمل الإرهابي.

وفي السياق ذاته، يتضح أن حركة طالبان باتت تتمتع بأوضاع مختلفة -بشكل كبير- عن وضعها خلال التسعينيات، إذ يبدو أنها بدأت تتمتع بقدر من القبول من بعض الدول، سواء في محيط أفغانستان أو خارجه، ويرجع ذلك للنفوذ وسلطة الأمر الواقع التي جعلتها تسيطر على ما يقرب من نصف الأراضي الأفغانية من جانب؛ وكذا ظهور التنظيمات الإرهابية الأكثر تطرفًا كتنظيم “داعش” من جانب آخر. لذلك فإن وصول طالبان للحكم في كابل في أعقاب الانسحاب لن يكون بالضرورة مصدرًا للريبة بالنسبة للدول التي كانت مستاءة من وصولها للحكم خلال التسعينيات، بل على العكس قد تتجه هذه الدول لدعمها –أي طالبان- بطريقة قد تجعل وضع البلاد أفضل في ظل حكمها، مما يعني إمكانية تحول طالبان لنموذج “إسلامي” ملهم جديد في عيون المتطرفين. الأمر الذي يعني إعطاء قبلة الحياة ليس فقط للجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية، بل أيضًا للأحزاب الإسلامية، سواء التي فشلت في الوصول للحكم أو تلك التي فشلت بعد وصولها للحكم، الأمر الذي قد يستتبعه وقوع اضطرابات سياسية في مناطق متفرقة نتيجة لرغبة هذا التيار في إعادة بث الزخم حول دوره من جديد. وأخيرًا، سوف تظهر أفغانستان –في أعقاب الانسحاب- كساحة جديدة لقياس مدى قوة ونفوذ الفاعلين الدوليين والإقليميين بطريقة تؤكد أنها ستواجه حالة من التنافس الواضح وموجات متتالية من التدخل المباشر تارة والتدخل بالوكالة تارة أخرى؛ مما يعني أن القارة الآسيوية باتت على موعد مع حالات متزايدة من الاحتقان سوف تلقي بظلالها بالتأكيد على منطقة الشرق الأوسط.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية