وحدة الدراسات الأفريقية

اتساع خريطة الصراعات الداخلية: إلى أين يأخذ آبي أحمد إثيوبيا؟

اتسعت رقعة الصراعات الداخلية في إثيوبيا، ولا سيما ذات الطابع العرقي، والتي لم تكن الحكومة بعيدة عنها بصورة أو أخرى، لا سيما الصراع في إقليم تيجراي الذي بدأ برعاية حكومية يتخذ طابعًا عرقيًا بعد الزج بقومية أمهرا في الصراع، ويمكن توضيح خريطة الصراع الراهنة، وتداعياتها على الاستقرار في إثيوبيا. الصراع في إقليم تيجراي نفذت قوات دفاع تيجراي هجومًا على الجيش الفيدرالي ومليشيات أمهرا، وكبدتهم خسائر فادحة، وذلك خلال الأسبوع الماضي، تلك الخسائر دفعت رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ليقول بأن جيش بلاده يحارب في ثماني جبهات مختلفة كلها بمثابة بؤر متوترة من بينهما إقليم تيجراي. وأشار في تصريحه إلى أن…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

اتسعت رقعة الصراعات الداخلية في إثيوبيا، ولا سيما ذات الطابع العرقي، والتي لم تكن الحكومة بعيدة عنها بصورة أو أخرى، لا سيما الصراع في إقليم تيجراي الذي بدأ برعاية حكومية يتخذ طابعًا عرقيًا بعد الزج بقومية أمهرا في الصراع، ويمكن توضيح خريطة الصراع الراهنة، وتداعياتها على الاستقرار في إثيوبيا.

الصراع في إقليم تيجراي

نفذت قوات دفاع تيجراي هجومًا على الجيش الفيدرالي ومليشيات أمهرا، وكبدتهم خسائر فادحة، وذلك خلال الأسبوع الماضي، تلك الخسائر دفعت رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ليقول بأن جيش بلاده يحارب في ثماني جبهات مختلفة كلها بمثابة بؤر متوترة من بينهما إقليم تيجراي. وأشار في تصريحه إلى أن جبهة تحرير تيجراي أصبحت تستخدم تكتيك حرب العصابات، والتنقل من مكان إلى آخر وسط المناطق الزراعية والمزارعين مما يصعب القضاء عليها.

فعلى الرغم من مرور أكثر من 6 شهور من الحرب الأهلية في إثيوبيا، بين كل من الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي؛ إلا أن الحرب أصبحت تتصاعد بشكل كبير، ومن الواضح أنه بعد أكثر من ثلاثة عقود من حكم التيجراي، تمكنت فيها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي من فك وحلحلة جيش الإثيوبي، وأضعفت هياكله وتنظيمه من أجل تقوية قوات دفاع تيجراي.

الصراع بين الأمهرا والأورومو

شهدت أربعة أقاليم في إثيوبيا حالات عنف كبير خلفت العديد من الضحايا، ففي منطقة (ولقا) غرب إقليم أوروميا لقي أكثر من 30 شخصًا مقتلهم جراء موجة عنف نُفذت في 31 من مارس 2021. وفي غضون تلك المجزرة، برزت حرب التصريحات والاتهامات المتبادلة بين كبار المسئولين الحكوميين في كل من إقليمي أمهرا وأوروميا، في أعقاب أعمال العنف العرقي الذي يتعرض له الأقليات بين القوميتين في خارج إقليمهم، خاصة في مناطق (جينيل ووردا- بابو- بون كبيلي– مدينة دسي) بالإضافة إلى العديد من المناطق في إقليم أمهرا، ولجأت الحكومة الفيدرالية في كل من إقليمي أوروميا وأمهرا لإصدار بيانات تتناقض مع واقع الهجمات العرقية.

كذلك تدور نزاعات دموية حامية ذات طابع تطهير عرقي في (تبموغا-واللو) وهي ضمن إقليم الأمهرا شمال العاصمة الإثيوبية بين الأمهرة والأورومو الذين تعرضوا لهجوم من ميليشيات “فانو” الأمهرية قُتل على إثره 68 فردًا وجرح 114 ونزوح 40 ألف مزارع وضعوا في ثلاثة مخيمات إيواء مؤقتة.

الصراع في إقليم بني شنقول-جوموز

وفي الوقت نفسه، يشهد إقليم بني شنقول-جوموز منذ تولى آبي أحمد السلطة في إثيوبيا أبريل 2018، نزاعًا مسلحًا بين السكان الأصليين والمستوطنين الأمهرا، أدى إلى مقتل وتشريد المئات من السكان الأصليين وتهجيرهم حتى الحدود السودانية ومصادرة أراضيهم. وفي 9 من أبريل 2021، وقعت اشتباكات بين حركة تحرير بني شنقول (BPLM) وقوات ومليشيات أمهرا في منطقة (كوارة) جنوب مدينة قندر. وتعتبر منطقة (كوارا) منطقة استراتيجية بالنسبة للأمهرا باعتبارها أقرب منطقة لسد النهضة، من الناحية الشمالية لمقاطعة (متكل) التي شهدت منذ بداية العام الجاري اشتباكات عديدة بين مقاتلي حركة تحرير بني شنقول-جوموز مع ميلشيات أمهرا.

وشهد إقليم بني شنقول-جوموز على مدار السنتين الماضيتين صراعات ونزاعات حول ملكية الأرض بين سكان الإقليم مع الأمهرا، خاصة في مقاطعة (متكل) التي شهدت عملية تطهير عرقي نفذتها مليشيات من المستوطنين الأمهرا، مما أدى إلى مقتل المئات، وتشريد ونزوح ما لا يقل عن 8 آلاف شخص من قوميات بني شنقول-جوموز إلى شرق السودان.

الصراع العرقي بين العيسى والعفر

تتزامن تلك المعارك مع نزاعات مسلحة تدور بين الإقليمين العفري والصومالي في منطقة (جدميتو) على نهر أواش، التي تبعد عن حدود الإقليم الصومالي 37 كم، وبعد معارك ضارية أصبحت تحت سيطرة آدم فارح، وهو يمثل تحديًا كبيرًا للحكومة الإثيوبية. ويعد الصراع بمثابة ناقوس خطر على تصاعد وشيك للمعارك بين العفر والعيسي في إثيوبيا، وهو الأمر الذي دفع قبائل العيسى الصومالية لمهاجمة إقليم العفر من الشرق لتخفيف الضغط على الجهة الجنوبية التي تهاجم بها قوات العفر بالقذائف الصاروخية والرشاشات الثقيلة لصد هجمات العيسى. وتعتبر منطقة (أوبنو) الحدودية الأكثر تعرضًا لهجوم من القوات وقبائل العيسى الجيبوتية على العفر. 

التمرد في إقليم أوروميا

وفي السياق ذاته، يقاتل الجيش الإثيوبي جماعات متمردة في إقليم أوروميا، حملتها الحكومة الإثيوبية مسئولية ارتكاب جرائم ضد قومية الأمهرا في الإقليم، وبدأت تتصاعد العمليات العسكرية في أوروميا منذ وقت ليس بقصير، وأصبحت الهجمات فيه أقرب للحرب الأهلية، خاصة بعد توجيه حاكم إقليم أمهرا السيد أقيتناهو تشاجر، في الأول من أبريل 2021، مذكرة للحكومة الفيدرالية يطالبها بحماية قومية الأمهرا من الهجوم الشرس الذي تتعرض له وتنفذه جبهة تحرير الأورومو، وطالب باجتماع طارئ مع الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، كما طالب باجتماع طارئ مع الحكومة الفيدرالية. وفي الوقت نفسه، أسس حاكم الإقليم جيشًا خاصًا أطلق عليه (جيش منليك الثاني) في إقليم أمهرا لقمع قومية الأورومو في الإقليم.

وفي الوقت الذي اتهمت فيه الحكومة الإثيوبية جبهة تحرير الأورومو بتنفيذها عملية عسكرية أودت بحياة أكثر من 30 شخصًا، في منطقة (ولقا) غرب إقليم أوروميا في 31 من مارس 2021؛ نفت جبهة تحرير الأورومو مسئوليتها عن تلك المجزرة. وقال “أودا تاربي” القيادي في جبهة تحرير الأورومو في مكالمة هاتفية له مع وكالة رويترز، إن اتهام الحكومة الإثيوبية لجبهة تحرير الأورومو غير حقيقي، بل هو جزء من مؤامرة وأكاذيب منسقة ومخطط لها من قبل الحكومة الإثيوبية تهدف إلى ترسيخ صورة ذهنية للعالم والرأي العام الإثيوبي بأن جبهة تحرير الأورومو جماعة خارجة عن القانون، وأضاف أن الجبهة ترفع شعار القتال من أجل حقوق عرقية الأورومو.

وفي السياق ذاته، أكدت قيادات حكومية في إقليم أوروميا، تورط جبهة تحرير الأورومو في تلك العملية، ولكنها أكدت حق المواطنين الأورومو في الدفاع عن أنفسهم من هجمات المستوطنين الأمهرا ومليشياتهم. فيما ذكرت الحركة الأورومية المعروفة (أونق شني) أن جناحها العسكري نفذ عملية في منطقة غرب (ولقا)، التي أدت إلى مقتل 180 شخصًا من قومية الأمهرا، انتقامًا للجرائم التي ارتكبتها قوات أمهرا ومليشياتها في إقليمهم ضد قومية الأورومو. وتأتي هذه الاتهامات بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير الأورومو بعد فشل الحكومة الإثيوبية في حماية الأقليات العرقية الأورومو في أقاليم أمهرا، وبني شنقول من انتهاكات لمليشيات أمهرا في تلك المنطقة.

مستقبل الدولة في إثيوبيا

يمكن القول إن مستقبل إثيوبيا يتعرّض لإشكالية حقيقية، حيث يكاد ينفرط عقد الدولة في ظل هذه الصراعات الإثنية الممتدة التي باتت تُهدد تماسك الدولة، وتعزز نزعات الانفصال، وتداخل هذا الصراع مع التعقيدات الإثنية في الإقليم ككل. وفيما يبدو أن تعويل الحكومة الإثيوبية بقيادة آبي أحمد على تأجيج النزاع مع السودان ومصر، وخطاب السد الإثيوبي القومي، لم يمثل أداة فعالة لتوحيد الإثيوبيين، وذلك لأن السلطة نفسها طرف في الصراع، ولم تعتمد رؤية شفافة لتوزيع عادل للسلطة بين كافة القوميات والعرقيات، واعتمدت سياسة الغلبة نتيجة لدوافع ورغبات قومية الأمهرا، التي تحاول أن تنفرد بالسلطة دون غيرها. فضلًا عن أن دائرة النزاع في إقليم تيجراي أصبحت تتسع وتيرتها العسكرية، ولكن يبقى نزاع بين أكبر قوميتين في إثيوبيا الأورومو والأمهرة في وللو وغرب أروميا، غوجي، ومناطق بورنا، غرب (شوا)، يمثل بعدًا آخر للصراعات المسلحة ذات الطابع القومي، خاصة بعد انتشار حركتي تحرير الأورومو WABO التي يقودها “جال مرو”، وحركة الأروميا المعروفة (أونق شني)، وتحقيقهما مكاسب عسكرية وعرقية ضد قومية الأمهرا في الإقليم، بعد أن عجزت القوات الخاصة الأمهرية ومليشياتها عن التصدي لتلك الهجمات، في سبيل السيطرة على الأراضي، التي تعزز من الهيمنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للقوميين الأمهرا.

ويعمق من مشكلة إثيوبيا نزوع السلطة نحو تصدير أزمتها للخارج بدلًا من اتجاهها لمعادلة عادلة من أجل استعادة الاستقرار والحفاظ على سلامة ووحدة الدولة والتعايش بين مكوناتها، وهي الأهداف التي يبدو الوصول إليها أكثر صعوبة بمرور الوقت.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية