هل تعطي الإدارة الأمريكية قبلة الحياة للقاعدة؟

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن الأسبوع الماضي، سحب القوات الأمريكية التي تقود تحالف دولي “غربي” لمحاربة الإرهاب على الأراضي الأفغانية، يعد ترجمة عملية لتوجهات الإدارة الديمقراطية التي يظل لها زاوية رؤية متفردة، في عديد من القضايا ليس الإرهاب وحده هو صاحب هذا الاختلاف، رغم أنه يظل أخطر الملفات التي لن تقف الإدارة الجديدة عن مفاجأة الكثيرين بمثل تلك التوجهات وإرادة الفعل. وبقدر ما توضح هذه الرؤى الجديدة طبيعة التيار الجديد، الممسك بزمام السلطة اليوم في الولايات المتحدة، إلا أن لهذا التوجه أصداء عالمية متنوعة وعلى مختلف الأصعدة الأخرى التي لا تقل خطورة وأهمية عن ملف الإرهاب، لكن يظل هذا الأخير…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن الأسبوع الماضي، سحب القوات الأمريكية التي تقود تحالف دولي “غربي” لمحاربة الإرهاب على الأراضي الأفغانية، يعد ترجمة عملية لتوجهات الإدارة الديمقراطية التي يظل لها زاوية رؤية متفردة، في عديد من القضايا ليس الإرهاب وحده هو صاحب هذا الاختلاف، رغم أنه يظل أخطر الملفات التي لن تقف الإدارة الجديدة عن مفاجأة الكثيرين بمثل تلك التوجهات وإرادة الفعل. وبقدر ما توضح هذه الرؤى الجديدة طبيعة التيار الجديد، الممسك بزمام السلطة اليوم في الولايات المتحدة، إلا أن لهذا التوجه أصداء عالمية متنوعة وعلى مختلف الأصعدة الأخرى التي لا تقل خطورة وأهمية عن ملف الإرهاب، لكن يظل هذا الأخير له تفرده بما يحمله من طابع القدرة عل التجدد واستعادة مكامن ونوازع صناعة المخاطر.

الرئيس الأمريكي حاول أن يسوق هذا القرار؛ بفلسفة تبدو عقلانية رغم إدانتها غير المباشرة لكافة الجهود التي بذلها أسلافه منذ العام 2001، وهي حقبة شملت عقدين من الزمن تحدث عنها الرئيس بايدن باعتباره رابع رئيس أمريكي يشهد وجودا أمريكيا في أفغانستان، وهي فترة تعاقب على إدارتها جمهوريان وديمقراطيان، ويرغب الرئيس الحالي ألا ينقل هذه المسؤولية إلى رئيس خامس. مثل عام 2011 ذروة هذه الحقبة حين وصل حجم القوات الأمريكية (100 ألف جندي)، وفيه قتلت زعيم تنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن، في حين تجاوزت كلفة هذه الحرب (2 تريليون دولار)، وأودت بحياة (2448 جندي). اليوم بعد هذه الرحلة الطويلة ترى الإدارة الجديدة أن أهداف الولايات المتحدة باتت غامضة على نحو متزايد، وعندما شرع الرئيس السابق ترامب في إبرام اتفاقية تقضي بسحب كافة القوات الأمريكية من هناك، في موعد أقصاه شهر مايو القادم، فشل في تنفيذ ذلك قبل رحيله وسلم أمر (2500 جندي) إلى الرئيس الحالي، الذي بات يواجه معضلة حقيقية تتمثل في استخدام ورقة تواجد هذه القوة وحلفائهم، في عمليات المساومة بين أطراف الصراع في أفغانستان ومن يقف خلفهم من خارجها. 

حركة “طالبان” وضعت شرط انخراطها في أي مباحثات تخص مستقبل أفغانستان، برحيل تلك القوات في الموعد الذي توصلت إليه الحركة مع إدارة ترامب، وهو مايو المقبل الذي تهدد في حال تجاوزه أن المشكلات الأمنية ستتزايد حتما. وتحاول أن تفرض الحركة التي تم الإطاحة بها في 2001 معادلة داخلية تعتبرها منتصرة، أو قادرة على انتزاع معظم مطالبها على الأقل، في مقابل تثبيت مشهد أمني مستقر مع بقية المكونات الأخرى، التي ترى في المقابل أن ما مر بأفغانستان خلال السنوات الماضية، يحتم النظر إلى المشهد باعتبار محصلته لا تعطي لأحد ميزة الإنتصار، بل تستوجب البحث عن سبل واقعية للتعايش من أجل انقاذ وطنهم من التهديدات التي لم تنحسر حتى الآن.

هذه الإشكالية ما لبثت أن أعادت تنظيم “القاعدة” للواجهة مرة أخرى، فالتنظيم الذي تعرض لانتكاسة كبيرة بعد مقتل زعيمه التاريخي بن لادن، تزامنا مع الصعود الصاروخي لتنظيم “داعش” الذي تمكن من سحب بساط القيادة الإرهابية، من تحت أرجل مركز التنظيم في أفغانستان وقت كان ملاحقا من قبل القوات الأمريكية، في ذروة عملياتها الأمنية والعسكرية ما بعد 2011. اليوم يبدو له المشهد الداخلي في أفغانستان نموذجيا لاستعادة قواه، ولملمة الشروخ العميقة التي أصابته بدءا من شريحة قياداته وصولا إلى قواته العاملة على الأرض، والتي تبعثرت في كثير من مسارح النشاط المسلح خلال العقد المنصرم. الداخل الأفغاني يدرك يقينا بأن أحد أوراق القوة التي تلوح بها “طالبان” في مواجهة الآخرين، هي صلاتها الوثيقة بعناصر “القاعدة” القادرين على استعادة فاعلية التنظيم في فترة وجيزة، في حال توافر لهم مساحة من هدوء الملاحقات التي كانت القوات الأمريكية تضيق عليهم بها سابقا، فبقدر فاعلية مهام المكافحة وقدرتها على تضييق مساحات الحركة، يظل للتنظيم ميزة الخبرة النوعية بالجغرافيا الاجتماعية والقبلية التي تمكنه من العمل سريعا على أرض، خبر دروبها وخرائطها مما يجعله يمثل فائض قوة لـ”طالبان”، لاسيما مع بداية إمساكها بأطراف المشهد مرة أخرى. 

مسؤولو الأمن والاستخبارات الأفغانية، رصدوا مؤخرا وتحديدا منذ نجحت “طالبان” في التوقيع مع الجانب الأمريكي، نشاطا كبيرا وجديدا لعناصر “القاعدة” لم ينتظر تنفيذ الخروج المقرر للقوات الأجنبية، بل بدأ فعليا في استعادة عناصره وترتيب صفوفه استعدادا للفصل الجديد، وأكثر من ذلك حيث تمكن من تجنيد أعداد كبيرة من مناصري “طالبان” القدامى الذين تشتتوا وتواروا منذ الإطاحة بالحركة. التقارير الأمنية بدأت في الوقوف على أماكن بعينها باتت اليوم تحظى بالسبق والأفضليه عن أماكن أخرى، منها “كونار” وهي المقاطعة الشرقية التي زارها الرئيس الأمريكي جو بايدن عام 2008، حين كان يشغل منصب نائب الرئيس. لكن التقارير لم تقف عند حد هذه المقاطعة، بل هناك من ذهب إلى أن التنظيم فعليا يتمتع بالحماية من قبل “طالبان”، وتمثل له الحركة غطاء اجتماعي وأمني لحرية الحركة في نحو (15 مقاطعة) أخرى، وهو يمثل نصف مساحة أفغانستان وتشي بحجم من المخاطر لا حدود له. ويستدل على حجم وشكل هذا الارتباط؛ بعدد من قيادات “القاعدة” جرى استهدافهم من قبل القوات الأمنية الأفغانية حيث تبين تواجدهم في مناطق، خاضعة بشكل كامل لسيطرة وإدارة الحركة، منهم في مارس الماضي القيادي “أبو محمد الطاجيكي” الذي قتل وهو برفقة “حضرة علي” أحد قيادي طالبان في ولاية “بكتيكا”. وأعلنت القوات الأفغانية حينها أن تلك العملية الأمنية هي الثالثة منذ توقيع اتفاق الدوحة العام الماضي، التي تنجح في استهداف قياديينمن “القاعدة”مع كبار القادة في حركة “طالبان”. 

الإدارة الأمريكية الجديدة ماضية فيما قررته مؤخرا، فهل نحن أمام “قبلة حياة” طويلة ومركزة، في حال تمكنت “القاعدة” من الوقوف بثبات مرة أخرى على الأراضي الأفغانية التاريخية للتنظيم، بالنظر إلى كافة المؤشرات التي ترجح ذلك بقوة؟! 

ــــــــ

نقلا عن جريدة الدستور، ٢٨ أبريل ٢٠٢١.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب