وحدة الأمن السيبراني

منافسة محتدمة: السباق العالمي على شبكات الجيل السادس

تطال تكنولوجيا الاتصالات -على تطورها المضطرد- مختلف أوجة الحياة، وتطرح إمكانياتٍ تَجعل من المستحيل ممكنًا. وعلى الرغم من اعتماد تكنولوجيا الجيلين الثالث والرابع في مختلف دول العالم، واحتدام الصراع العالمي على شبكات الجيل الخامس، بدأ السباق العالمي على شبكات الجيل السادس مبكرًا. فلم تنته بعد حلقات الصراع الدولي على شبكات الجيل الخامس، وفي القلب منه الصراع الأمريكي-الصيني، حتى احتدمت المنافسة بين الجانبين -جنبًا إلى جنبٍ مع عددٍ من الدول والقوى الدولية البارزة- على الجيل الجديد من شبكات الاتصالات، لا سيما مع سرعته الفائقة وإمكانياته الهائلة. سمات بارزة يُمكن إجمال أبرز سمات وخصائص شبكات الجيل السادس في النقاط التالية: امتداد طبيعي:…

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

تطال تكنولوجيا الاتصالات -على تطورها المضطرد- مختلف أوجة الحياة، وتطرح إمكانياتٍ تَجعل من المستحيل ممكنًا. وعلى الرغم من اعتماد تكنولوجيا الجيلين الثالث والرابع في مختلف دول العالم، واحتدام الصراع العالمي على شبكات الجيل الخامس، بدأ السباق العالمي على شبكات الجيل السادس مبكرًا. فلم تنته بعد حلقات الصراع الدولي على شبكات الجيل الخامس، وفي القلب منه الصراع الأمريكي-الصيني، حتى احتدمت المنافسة بين الجانبين -جنبًا إلى جنبٍ مع عددٍ من الدول والقوى الدولية البارزة- على الجيل الجديد من شبكات الاتصالات، لا سيما مع سرعته الفائقة وإمكانياته الهائلة.

سمات بارزة

يُمكن إجمال أبرز سمات وخصائص شبكات الجيل السادس في النقاط التالية:

امتداد طبيعي: تُعد شبكات الجيل السادس تطورًا طبيعيًا لشبكات الجيل الخامس، الأمر الذي يعكس سرعة تطور تقنيات الاتصال صوب اتصالاتٍ لاسلكيةٍ فائقة السرعة. وفي هذا السياق، يُمكن النظر لشبكات الجيل السادس بوصفها “خليفة شبكات الجيل الخامس”. وانطلاقًا من هذا الوصف، قد لا تُلقّب الأولى بالجيل السادس؛ إذ لقبها البعض ب”شبكات الجيل الخامس المحسنة” (5G Enhanced) أو “شبكات الجيل الخامس المتقدمة” ((5G Advanced، وهو ما يَعني مضاعفة مميزات وفوائد شبكات الجيل الخامس (بما في ذلك: أنظمة الواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والمدن الذكية، وغير ذلك). إذ ستستمر شبكات الجيل السادس في دعم مختلف تلك المجالات وصولًا لدفع الابتكار إلى ما هو أبعد من ذلك بكثيرٍ.

سرعة فائقة: يُمكن القول إن شبكات الجيل السادس ستكون أسرع 100 مرة مقارنةً بشبكات الجيل الخامس، بمعدل سرعةٍ يَصل إلى 1 تيرابايت في الثانية. كما تَعد تلك الشبكات بزمن انتقالٍ يَبلغ 0.1 ملي ثانية، مقابل 1 ملي ثانية في شبكات الجيل الخامس. وعلى الرغم من محدودية انتشار شبكات الجيل الخامس حول العالم، ونظرًا لسرعتها الفائقة، تتجه بعض دول العالم للاعتماد على شبكات الجيل السادس في إرسال وتحميل البيانات في ثوانٍ معدودةٍ في الوقت الذي تستغرق فيه شبكات الجيل الخامس أيامًا لتنزيل البيانات نفسها. فبينما لا تتجاوز سرعة تحميل شبكات الجيل الخامس 10 جيجابايت في الثانية الواحدة، تصل السرعة نفسها في شبكات الجيل السادس إلى مليون ميجابايت في الثانية.

عقد من التطوير: لن تُتاح شبكات الجيل السادس قبل عقدٍ على الأقل، وقد يَعترضها عدة معوقاتٍ تُؤخر عملية طرحها وتوظيفها على شاكلة ما تشهده شبكات الجيل الخامس في الوقت الحاضر. ويكتنف الأمر عدة صعوباتٍ تقنيةٍ على صعيد “نطاقات التردد”(Frequency Bands) و”تراخيص الشراء” (Spectrum Licenses)، والقواعد المنظمة، وغير ذلك. وقد تتمثل نقطة انطلاق شبكات الجيل السادس في تحليل نقاط ومواطن ضعف شبكات الجيل الخامس. والجدير بالذكر أن عددًا من شركات الاتصالات الرائدة قد كثفت جهودها لبحث الأمر وتحليل تلك النقاط بالفعل. كما يَعكف على الأمر نفسه نحو 37 خبيرًا من مختلف الجامعات والمعاهد العلمية الرائدة وصولًا للتدشين الفعلي لشبكات الجيل السادس في عام 2030.

عقبات علمية: تُواجه شبكات الجيل السادس جملةً من المعوقات العلمية والعملية على حدٍّ سواء، يأتي في مقدمتها كيف تخترق الموجات الهوائية التي تسير لمسافاتٍ قصيرةٍ بعض المواد (مثل: بخار الماء أو الأوراق أو غير ذلك) بسهولةٍ. كما تتطلب تلك الشبكات محطاتٍ لاستقبال ونقل الإشارات داخل المباني كافًّة؛ إذ لا يكفي تثبيت تلك الشبكات في مختلف الشوارع فحسب. كما يجب تحديث كل ما يتعلق بتلك الشبكات المعقدة بعنايةٍ فائقةٍ على شاكلة الاتصالات اللاسلكية الخاصة على سبيل المثال، وهو ما يستلزم تشكيل تحالفاتٍ تكنولوجيةٍ عملاقةٍ. وتتفاقم تلك العقبات سوءًا بالنظر إلى طول الأمد الذي استغرقته شبكات الجيل الخامس لتتطور منذ عام 2008 وحتى الأن.

إمكانيات هائلة: يُفترض بشبكات الجيل السادس أن تكون هي عصب تطبيقات الذكاء الاصطناعي بما يَشمله ذلك من: سياراتٍ ذاتية القيادة، وروبوتاتٍ مقاتلةٍ، وأجهزةٍ وشرائحٍ ذكيةٍ، وغير ذلك. فإن وفرت شبكات الجيل الخامس تلك التقنيات الجديدة كافًّة، وفرت شبكات الجيل السادس -في المقابل- سرعاتٍ فائقةً من ناحيةٍ، وسمحت باتصال أعدادٍ متزايدةٍ من أجهزة إنترنت الأشياء على شاكلة تقنية البنى التحتية الافتراضية في عالم الحاسوب من ناحيةٍ ثانيةٍ، وأتاحت تكنولوجيا التصوير المجسم والسيارات الطائرة وربط الأجسام والأدمغة بالإنترنت من ناحيةٍ ثالثةٍ. وبعبارةٍ أخرى، يتمثل الهدف من شبكات الجيل السادس في الوصول إلى معدلات إرسالٍ مرتفعةٍ بسرعةٍ فائقةٍ على كثافة الأجهزة المتصلة. إذ من المفترض أن تتبلور شبكات الجيل السادس في صورة شبكاتٍ خلويةٍ عريضة النطاق، على أن تُقسم مناطق الخدمة إلى مناطق جغرافيةٍ صغيرةٍ تُعرف باسم “الخلايا”.

ملامح السباق العالمي

على الرغم من التحديات التي تعوق انتشار شبكات الجيل الخامس، احتدمت المنافسة والصراع الدولي بالفعل على شبكات الجيل السادس، وهو الأمر الذي تتجلى معالمه في تحركات الدول التالية: 

الصين: أطلقت الصين قمرًا صناعيًا لاختبار موجات إرسالٍ محتملةٍ لشبكات الجيل السادس ذات سرعاتٍ فائقةٍ باستخدام موجات تيراهيرتز، بهدف توفير تكنولوجيا الجيل السادس بحلول 2029، بالتعاون مع كبرى الشركات التكنولوجية الصينية وفي مقدمتها شركتي “زد تي إي” (ZTE Corp) و”تشاينا يونيكوم” (China Unicom Hong Kong Ltd). كما تملك شركة “هواوي” مركزًا متخصصًا في أبحاث تلك الشبكات، بالتعاون مع مختلف الإدارات الحكومية ومعاهد البحث والجامعات والشركات. 

اليابان: خصصت اليابان 500 مليون دولار بهدف تطوير شبكات الجيل السادس، وتعزيز البحث والتطوير في قطاع الاتصالات اللاسلكية المتقدمة، بجانب دفع التعاون بين القطاعين العام والخاص. كما تخطط لإنشاء صندوقٍ تبلغ قيمته 300 مليون دولار لدعم البحث والتطوير. كما تعتزم الحكومة اليابانية أيضًا إنفاق 200 مليون دولار لبناء منشأةٍ تستخدمها الشركات وغيرها لاختبار تقنياتها المتقدمة، وصولًا لإطلاق شبكاتها في أواخر 2030.

الولايات المتحدة: أطلق “التحالف من أجل حلول صناعة الاتصالات” ( (ATISفي أواخر أكتوبر 2020 مبادرةً صناعيةً تحت اسم “تحالف الجيل التالي” (Next G Alliance) لتعزيز ريادة أمريكا الشمالية في مجال تكنولوجيا الأجهزة المحمولة وشبكات الجيل السادس على مدار العقد المقبل، وذلك بالتعاون مع شركاتٍ كبرى منها: “آبل”، و”جوجل”، و”إيه تي أند تي” (AT&T)، وغير ذلك. كما تتطلع الأولى -بعد أن أطلقت أول أجهزة “آيفون” بسرعاتٍ لاسلكيةٍ عمادها شبكات الجيل الخامس منذ بضعة أشهر- إلى بدء العمل على شبكات الجيل السادس. وبالإضافة إلى ذلك، تبحث شركة “كوبرتينو” (Cupertino) عن مهندسي أبحاث أنظمةٍ لاسلكيةٍ لشبكات الجيل الحالي والجيل القادم في إطار مجموعةٍ بحثيةٍ متطورةٍ تُشارك في منتديات الصناعة ذات الصلة بتكنولوجيا الجيل السادس. كما بدأت “جامعة فيرجينيا للتقنية” ((Virginia Tech أبحاث تلك التكنولوجيا.

الاتحاد الأوروبي: أطلق في ديسمبر 2020 مشروع “هيكسا-إكس” (Hexa-X) لتطوير شبكات الجيل السادس بقيادة “نوكيا” (Nokia)، وبمشاركة “إريكسون” (Ericsson) و”تيليفونيكا” (Telefónica) وغيرهما، إضافة إلى: بعض الجامعات، ومزودي الشبكات، ومقدمي خدمات الاتصالات، وبعض معاهد أبحاث الاتصالات الأوروبية البارزة. ويتمثل الهدف منه في: تطوير الجيل الجديد من الاتصالات، وتطوير أنظمة الجيل السادس، بجانب عوامل التمكين التقنية الرئيسة لربط العوالم البشرية والمادية والرقمية. ويمثل المشروع خطوةً مهمةً نحو إرساء الأسس التقنية لأنظمة الجيل السادس. ويأتي المشروع من المفوضية الأوروبية في إطار برنامج “آفاق 2020” Horizon 2020)) للأبحاث والابتكار التابع للاتحاد الأوروبي. كما دشنت “جامعة ساري” البريطانية (University Of Surrey) مركز الابتكار لتطوير التقنية الجديدة. وفي ألمانيا، أطلق “تحالف شبكات الجيل التالي” للهواتف المحمولة مشروعًا بحثيًا، مع استعداد الحكومة لتمويل التكنولوجيا الجديدة وتطويرها. كما أعلنت جامعة “أولو” (Oulu) في فنلندا عن تمويل برنامجها البحثي المعنون: “شبكات الجيل السادس الرائدة” (6G Flagship) للبحث عن المواد والهوائيات والبرمجيات وغير ذلك من الأمور المطلوبة لإطلاق شبكات الجيل السادس.

كوريا الجنوبية: تخطط لإطلاق تكنولوجيا المستقبل في 2026 بعد أن بدأت قبل عامين عملية البحث والتطوير. وقد خصصت في العام الجاري نحو 11.7 مليار دولار لتطوير شبكات الجيل السادس. وفي هذا الصدد، تتعاون شركتي “إل جي إلكترونيكس” (LG Electronics) و”سامسونج إلكترونيكس” (Samsung Electronics) معًا. وقد طرحت الأخيرة رؤيتها لشبكات الجيل السادس وسرعتها المستهدفة، والتي تقدر بنحو 1000 جيجابايت، ما يجعلها أسرع 50 مرة مقارنةً بشبكات الجيل الخامس. وفي سياقٍ متصلٍ، أكد رئيس مركز أبحاث الاتصالات المتقدمة بشركة “سامسونج” أن تسويق الجيل السادس لا يزال في مرحلته الأولية، ولكنه سيستغرق 10 سنواتٍ من بداية البحث وصولًا لتسويق جيلٍ جديدٍ منه. كما أعلنت الشركة تسويق شبكات الجيل السادس في عام 2028، وطرحها للمستهلكين في عام 2030 على أقصى تقديرٍ.

أبرز الدلالات

يُمكن الوقوف على أبرز دلالات السباق المحتدم على شبكات الجيل السادس في النقاط التالية:

تحالفات عالمية: على الرغم من احتدام السباق العالمي على شبكات الجيل السادس، فإن الأمر لا يخلو من انخراط بعض الدول في تحالفاتٍ دوليةٍ واسعة النطاق؛ فقد بدأت واشنطن بالفعل في رسم خطوط معركة الجيل السادس بعد أن أطلقت ما يُسمى “التحالف من أجل حلول صناعة الاتصالات” (ATIS)، وهو التحالف الذي يشمل عمالقة التكنولوجيا أمثال “أبل” و”جوجل” و”سامسونج” -كما سبق القول- ودون “هواوي”. وهو ما يُعد مرآةً عاكسةً لحجم الانشقاقات الدولية الناجمة عن الصراع الدولي المحتدم على شبكات الجيل الخامس وفي القلب منها “هواوي”، ما أسفر عن حظر شبكاتها في عددٍ من الدول (مثل: اليابان، وأستراليا، والسويد، والمملكة المتحدة)، مقابل الاعتماد عليها بواسطة أخرى (مثل: روسيا، والفلبين، وتايلاند، ودول أخرى في إفريقيا والشرق الأوسط).

انتهاك الخصوصية: تطرح شبكات الجيل السادس إشكالياتٍ حقيقيةً وتساؤلاتٍ عميقةً حول كيفية استخدام بيانات مستخدمي تلك الشبكات من قبل الحكومات والأجهزة الأمنية والشركات التكنولوجية على حدٍّ سواء. إذ إنه من المتوقع أن يُصبح المستخدمون في حالةٍ من حالات الانكشاف المعلوماتي الذي قد يُقوض خصوصيتهم، لا سيما في حالات بيع بياناتهم أو المتاجرة فيها أو سرقتها أو قرصنتها أو غير ذلك من المخاطر السيبرانية التي قد تُهدد الحق في الخصوصية. وارتباطًا بهذا، تُثار تساؤلاتٌ مشروعةٌ عن سبل وكيفية توظيف الدول الاستبدادية لتكنولوجيا الجيل السادس لأغراض التجسس والتتبع والرقابة المحكمة والملاحقة الأمنية من خلال تقنيات التعرف على الوجه والدرونز وغير ذلك.

سرعة تطور مضطردة: بينما استغرق تحديد معايير الجيل الثالث نحو 15 عامًا، استغرق الأمر نفسه على صعيد شبكات الجيل الخامس نحو 8 سنوات. ولا شك في تسارع وتيرة الأمر على صعيد شبكات الجيل السادس، لا سيما وأن الغاية العظمى منها تتمثل في تعزيز الروابط مع مختلف جوانب الحياة. واتصالًا بهذا، حددت شركة “سامسونج” ثلاث متطلباتٍ لشبكات الجيل السادس تتمثل في الأداء والمعمارية والجدارة بالثقة، وهو ما يصاحبه تقديم خدماتٍ من قبيل: الواقع الغامر، والواقع الممتد، والصور ثلاثية الأبعاد المتنقلة عالية الدقة، وغير ذلك. 

صراع مستقبلي: لا شك أن مخرجات السباق المحتدم على شبكات الجيل السادس ستسهم بدورها في تحديد الفائز في الثورة الصناعية المقبلة. ومن بين الدول كافًّة، تتجه الأنظار صوب الصين والولايات المتحدة، وبخاصةٍ في ظل العقوبات الأمريكية التي تُطارد “هواوي” من ناحيةٍ، واحتدام التنافس بين الجانبين على قمة النظام الدولي من ناحيةٍ ثانيةٍ، وتَحول الصراع على شبكات الجيل السادس إلى ما يشبه سباق التسلح من ناحيةٍ ثالثةٍ، ورغبة الولايات المتحدة في استعادة فرصتها الضائعة في تكنولوجيا الاتصالات من ناحيةٍ رابعةٍ. 

ختامًا، لا تزال شبكات الجيل السادس قيد البحث والتطوير، ولن تُطرح للاستخدام قبل عقدٍ واحدٍ على الأقل. وعلى الرغم من ذلك، تُدلل مساعي بعض الدول على احتدام السباق على تطوير تلك الشبكات من ناحية، وضخ مليارات من الدولارات لتطويرها من ناحيةٍ ثانيةٍ، والاستعانة بكبرى الشركات التكنولوجية الرائدة لتطويرها وامتلاك مفاتحها الرئيسة بشكلٍ استباقيٍ من ناحيةٍ ثالثةٍ، واحتدام الصراع على من يقبع في موقع الصدارة ويقود الاستثمارات العالمية من ناحيةٍ رابعةٍ.

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني