مقال تحليلي

قناة إسطنبول: استدعاء تركي جديد للذاكرة العثمانية

أثار حديث الرئيس التركي “رجب أردوغان” حول تدشين قناة إسطنبول جدلًا صاخبًا، لا سيما بتفجر مواقف داخلية رافضة بشكل قاطع لهذا المشروع؛ لعدم جدواه اقتصاديًا، أو لتداعياته المهددة بعسكرة البحر الأسود، أو التأثيرات البيئية الخطيرة على أرواح الملايين من سكان إسطنبول. ولم يكن طرح أردوغان لفكرة القناة أول مقترحات شق ممر مائي موازٍ للبوسفور، إلا أن المشروع بصيغته الحالية وتأثيراته المتوقعة، تجعل من الأهمية مراجعة الدوافع وراءه، والتداعيات المُحتملة لتدشينه على الصعيدين الداخلي والدولي. استدعاء الذاكرة العثمانية طُرحت فكرة إنشاء ممر مائي موازٍ لمضيق البوسفور لأول مرة في عهد الدولة العثمانية، حين اقترح المهندس “معمار سنان” على السلطان “سليمان القانوني”…

محمود قاسم - حسين عبدالراضي

أثار حديث الرئيس التركي “رجب أردوغان” حول تدشين قناة إسطنبول جدلًا صاخبًا، لا سيما بتفجر مواقف داخلية رافضة بشكل قاطع لهذا المشروع؛ لعدم جدواه اقتصاديًا، أو لتداعياته المهددة بعسكرة البحر الأسود، أو التأثيرات البيئية الخطيرة على أرواح الملايين من سكان إسطنبول. ولم يكن طرح أردوغان لفكرة القناة أول مقترحات شق ممر مائي موازٍ للبوسفور، إلا أن المشروع بصيغته الحالية وتأثيراته المتوقعة، تجعل من الأهمية مراجعة الدوافع وراءه، والتداعيات المُحتملة لتدشينه على الصعيدين الداخلي والدولي.

استدعاء الذاكرة العثمانية

طُرحت فكرة إنشاء ممر مائي موازٍ لمضيق البوسفور لأول مرة في عهد الدولة العثمانية، حين اقترح المهندس “معمار سنان” على السلطان “سليمان القانوني” شق قناة بالقسم الآسيوي من إسطنبول، انطلاقًا من منطقة سكاريا ووصولًا لبحر مرمرة؛ لفصل عملية نقل الأخشاب عن مسار السفن التجارية. وتبنى العديد من سلاطين الدولة العثمانية المشروع فيما بعد، حيث أصدر السلطان “مراد الثالث” مرسومًا بالبدء في تنفيذ القناة (مارس 1591)، وسار كثير من الحكام العثمانيين على النهج ذاته، وأبرزهم السلطان “محمد الرابع”، والسلطان “مصطفى الثالث”، والسلطان “محمود الثاني”.

وكانت فكرة القناة حاضرة في أعقاب كل حادثة تقع بمضيق البوسفور، فبعد استمرار حريق إحدى ناقلات النفط وسط البوسفور عام 1975 لأكثر من شهر، تجددت الدعوات لإيجاد ممر بديل. ورغم عدم إنجاز المشروع حتى الآن، حاولت الأحزاب السياسية استثمار المشروع لحصد أصوات ناخبي إسطنبول على الدوام، حيث دعا رئيس الوزراء الأسبق “بولنت أجاويد” لحفر القناة (يناير 1994). ومع صعود حزب العدالة والتنمية لسُدة الحكم، توالت أحاديث وزراء وسياسيي الحزب عن مشروع قناة إسطنبول، وكان أبرزها حديث وزير النقل السابق عن المشروع بالبرلمان (مايو 2009)، ثم حديث أردوغان -حين كان رئيسًا للوزراء- عن تبنيه المشروع الذي وصفه بالعاصف (إبريل 2011)، والذي تجدد مؤخرًا بإعلانه عن الشروع في تنفيذ القناة.

وقد اعلنت الحكومة التركية مخططها الأحدث لقناة إسطنبول، لتصبح ممرًا مائيًا موازيًا لمضيق البوسفور بطول 45 كم وعرض 275م، بالقسم الأوروبي من مدينة إسطنبول. وتشير التقارير الرسمية إلى أن مدة إنجاز المشروع ستكون حوالي 7 سنوات، وبتكلفة إجمالية 75 مليار ليرة (9 مليارات دولار). ويتضمن المخطط إنشاء العديد من المرافق وهياكل البنية التحتية المتطورة، وفي مقدمتها 3 موانئ جديدة، ومنافذ الحاويات، ومنطقة ترفيهية، ومركز اللوجستيات. وستقود تلك المخططات لتقسيم الشق الأوروبي بالمدينة، لتصبح وسط إسطنبول جزيرة يحدها شرقًا مضيق البوسفور وغربًا القناة الجديدة.

لماذا الآن..؟

يرتبط طرح مشروع شق قناة إسطنبول في الوقت الراهن بعدة دوافع، فهناك التوظيف الانتخابي، ومحاولات دعم الاقتصاد المتراجع، وتحصيل أوراق الضغط على القوى الكبرى، وهو ما يمكن الوقوف عليه فيما يلي:

أولًا- دوافع انتخابية: يسعى الرئيس التركي لاستقطاب عدد من الأصوات خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة 2023، خاصة بعدما نجح في مرات عديدة في تسويق مشاريعه الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية كالمطارات والجسور في حشد الرأي العام كجزء من برنامجه الانتخابي، ومن هنا يحاول التغلب على تراجع شعبيته وتجاوز المأزق الانتخابي المحتمل في ظل استطلاعات الرأي التي تشير لصعوبة حصول أردوغان على الأغلبية المطلقة (50+1) في الانتخابات القادمة، وعليه يعمل على الترويج للمشروع باعتباره نقلة نوعية في تاريخ تركيا. وما يُشير إلى التوظيف الانتخابي للمشروع، أن “أردوغان” –عندما كان مرشحًا لعمدة إسطنبول- كان من ضمن المعارضين لذات الفكرة عندما طرحها رئيس وزراء تركيا آنذاك “بولنت أجاويد” عام 1994. من ناحية أخرى، كان “دولت بهجلي” حليف أردوغان الحالي في الحكم ضمن المعارضين بشدة لطرح أردوغان للمشروع عام 2011، وذلك عندما كان الأول في مقعد المعارضة. تلك التحولات تشير لبراجماتية الطرح في وقته الراهن والدوافع الانتخابية التي تقف وراءه.

ثانيًا- دوافع اقتصادية: يعمل مؤيدو المشروع، وفي القلب منهم أردوغان وحكومته، على إبراز المكاسب والمنافع الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها تركيا جراء استكماله، وذلك من خلال الترويج لرواية أن شق القناة من شأنه أن يقلل من الحوادث وانتظار السفن في مضيق البوسفور، فضلًا عن تحصيل رسوم تقدر بنحو 5.5 دولارات يوميًا على كل طن من الحمولات التي تعبر القناة، مما قد يوفر نحو مليار دولار سنويًا، وقد ترتفع بمرور الوقت إلى 8 مليار دولار وفقًا للتقديرات الحكومية، إلا أن جدوى تلك الفائدة لا تزال محل شك، خاصة أنه من غير المنطقي أن تمر الحاويات والسفن من خلال تلك القناة مقابل دفع رسوم للعبور، في الوقت التي تتيح فيه اتفاقية مونترو 1936 لتلك السفن بالعبور المجاني، أو بدفع رسوم رمزية عبر مضيق البوسفور.

ثالثًا- تعزيز النعرات القومية: لا تزال فكرة العثمانية الجديدة وعدم قناعة أردوغان بحدود دولته الحالية دافعًا أساسيًا وراء المشروع، وهو ما يظهر من خلال مساعيه الدائمة لفرض نفوذه على البحار والمضايق المحيطة بدولته وفقًا لعقيدة الوطن الأزرق. وعليه، يُصر على استكمال المشروع لتعزيز صورته ورفع أسهم مؤيديه، خاصة في ظل فشل كافة المحاولات السابقة في إتمام المشروع. ومن هنا يعمل على الترويج لأن المشروع سيعزز السيادة التركية على الممرات البحرية، ويزيد من تأثيرها الجيوسياسي بخلاف الوضع المنقوص التي تفرضه اتفاقية مونترو التي تحرم تركيا من حقوقها السيادية في الممرات البحرية وفقًا لأصحاب النزعة القومية.

رابعًا- مقايضة الدول الكبرى: قد يوظف أردوغان القناة حال استكمالها في المساومة مع عدد من الدول، خاصة أصحاب النفوذ في البحر الأسود، وقد تصبح ورقة ضغط في عدد من الملفات الأخرى، خاصة تلك التي تتقاطع فيها المصالح الروسية مع الأمريكية، وهي مساحة يجيد أردوغان المناورة فيها، إذ إن شق القناة قد يسمح بالتواجد العسكري للولايات المتحدة الأمريكية والناتو على خلاف الوضع في مضيق البوسفور، وهو ما قد يهدد المصالح الروسية التي تنظر للبحر الأسود كونه مجالًا حيويًا لنفوذها.

إشكاليات وتداعيات

ترتبط هيكلية المشروع الراهنة بالعديد من الإشكاليات والتداعيات، اجتماعية وسياسية واقتصادية وأمنية، والتي قد تقود لتعطيل شق قناة إسطنبول، أو خلق حالة رفض داخلية وخارجية تؤثر على جدواها. وفيما يلي نستعرض أبرز تلك الإشكاليات وتأثيراتها المُحتملة:

أولًا- غياب التوافق: تتصاعد حالة الرفض الداخلي لمشروع القناة، وعكست استطلاعات الرأي رفض قطاع واسع من الأتراك للمشروع بنسبة تجاوزت 52.3% (يوليو 2020)، وارتفع معدل الرفض بنسبة تجاوزت 57.6% (مارس 2021). كما صدرت عدة بيانات رفض أخرى، حيث أعلن (126) سفيرًا سابقًا، بالإضافة لحوالي (103) عسكريين سابقين في بيان آخر، رفضهم للمشروع (إبريل 2021)؛ كونه مهددًا لاستقرار وفعالية اتفاق عام 1936. كما ترفض المعارضة المشروع، وعلى رأسهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم أوغلو، الذي اعتبره “خيانة”.

ثانيًا- العبء الاقتصادي: تثير كُلفة المشروع المرتفعة، التي تقدرها الحكومة بنحو (9) مليارات دولار وتتجاوز (20) مليار بتقديرات أخرى، تخوفًا من العبء الذي سيتحمله اقتصاد الدولة المتأزم بفعل جائحة كورونا والسياسات النقدية المضطربة، وأن يتم إهدار مليارات في مغامرة لن تظهر نتائجها قبل 7 أعوام على أقل تقدير. لذلك فالداخل التركي يستشعر خطر استنزاف ما لديه من إمكانيات اقتصادية متضررة بمشروعات غير مُلحة، وقد يتأثر سير العمل فيها بعوامل خارجية تضعف أو تقوض جدواها، لا سيما بوجود ممر موازٍ لا يتم تحصيل رسوم لعبوره.

ثالثًا- التأثيرات البيئية والمواقع التاريخية: يُرجح المعارضون للمشروع أن تؤدي القناة لتأثيرات بيئية خطيرة على المدينة، فهي ستضر بمخزون المياه الجوفية والبحيرات العذبة، بالإضافة للأراضي الزراعية التي ستُفقد بسبب الحفر أو ارتفاع نسبة الملوحة، كما يشير تقييم الأثر البيئي للقناة لتأثر أكثر من 200 ألف شجرة بالمشروع. ولم تنف الحكومة تأثر إمدادات المياه جراء حفر القناة، ولكنها تبرر ذلك بانخفاض نسبة التأثير على احتياطيات المياه بالمدينة (حوالي 3%)، وأنه سيتم تعويض هذا الضرر بعد بناء سدود جديدة. وستكون خسارة إسطنبول التاريخية واحدة من أبرز المخاطر المُقترنة بمشروع القناة، فالمدينة التاريخية مهددة بفقدان معالمها التاريخية الواقعة بمسار الحفر المُعلن، كما ستتسبب عمليات التنقيب والحفر بتشويه المواقع التي كانت عاملًا جاذبًا للسياحة والترفيه.

رابعًا- تضاعف أعداد السكان: يتضمن مشروع قناة إسطنبول إنشاء مدينتين جديدتين، بالإضافة للعديد من المرافق الأخرى، وبينما تشير التقديرات الحكومية إلى أن المدن الجديدة ستستوعب نحو نصف مليون نسمة جديدة، فإن المعارضة كشفت عن تقديرات بانتقال أكثر من مليوني شخص إلى إسطنبول، وهو ما يُنذر بضغط كبير على الخدمات والمرافق، في ظل ارتفاع أعداد سكان المدينة بالفعل، ومعاناة سكانها من الازدحام وضعف البنية التحتية الآن.

خامسًا- تصاعد خطر الزلازل: طرح المعارضون للفكرة أن عمليات الحفر والملء ستُضاعف من احتمالية وقوع زلازل، ما يعرض حياة أكثر من 8 ملايين نسمة من سكان إسطنبول لخطر الزلازل. ووفقًا لتقديرات، تشير البيانات الحكومية إلى مراعاة دراسات الحفر لهذا البُعد، وأن موقع القناة بعيد عن خط صدع شمال الأناضول بمسافة 11 كم، وأكثر من 30 كم عن خط صدع جينارجيك، وبذلك لن تكون عمليات الحفر والمرافق المتضمنة بالمشروع مهددًا لاستقرار التربة بالمدينة.

سادسًا- ضعف قدرة الاستجابة والتأمين: سينتهي المشروع بتقسيم مدينة إسطنبول إلى جزيرة وشبه جزيرتين، ما سيعقد من مهام النقل والتأمين، وستخفض من فعالية القدرات الحكومية على التعامل مع حالات الطوارئ. وقد صرح رئيس البلدية “إمام أوغلو” بأن طبيعة إسطنبول بعد القناة ستجعل المدينة بلا حماية في حالة وجود تهديد عسكري، وسيكون من غير الممكن نشر قوات أو وحدات إنقاذ إذا ما تضررت الجسور فوق القناة أو مضيق البوسفور بفعل عمل عسكري أو كارثة طبيعية. 

احتمالات مفتوحة

ما زالت كافة المسارات مفتوحة، وأن تطور مشروع قناة إسطنبول قد يأخذ عدة أنماط متنوعة، وفي مقدمتها المضي قدمًا باستكمال المشروع، ما يرتبط بإصرار أردوغان على إتمام القناة، والتي يعتبرها مشروعًا استراتيجيًا وإنجازًا تاريخيًا للدولة؛ إلا أن هذا المسار حال نفاذه سيثير عدة تساؤلات حول كيفية إقناع الأطراف المعارضة للمشروع بجدواه، بالإضافة إلى الحاجة للبحث عن مصادر لتمويل المشروع في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم، علاوة على عدم ضمان ردة الفعل الدولية، خاصة من قبل روسيا التي ترى القناة الجديدة تهديدًا لها.

ومن المُحتمل أن يتم إخضاع القناة لترتيبات مونترو (معاهدة 1936)، في مُحاولة تركية لتحقيق توازن بين المشروع واتفاق مونترو. وعليه، قد تبحث أنقرة عن صيغة توافقية لا تضر بمصالحها، ولا تؤدي إلى تخوف من عسكرة المنطقة جراء تدشين القناة، وبذلك قد تخضع الترتيبات العسكرية لذات النصوص التي تقرها الاتفاقية، في حين تضع شروطًا جديدة تمنحها الحق في تحصيل رسوم وعوائد المرور عبر تلك القناة. 

ويبقى هناك مجال لفرصة صرف النظر عن المشروع، إذا ما تعقد المسار السابق، وغياب التوافق حول المشروع، سواء في الداخل أو الخارج، ومن ثم تأجيل المشروع وصرف النظر عنه. ولكن هذا الاحتمال حال حدوثه سيكبد النظام التركي خسائر جمة، خاصة أن المشروع حال إيقافه سيرفع أسهم القوى المعارضة، والتي قد تستغله للترويج ضد الرئيس التركي في الانتخابات القادمة 2023.

وفي النهاية، يمكن القول إن تصريحات أردوغان حول قناة إسطنبول تسير مع منهجيته القائمة على استدعاء المشروعات التي تم صياغتها إبان عهد الدولة العثمانية، والتلويح بقدرته على تغيير الوضع الجيوسياسي التركي، لا سيما إدارة المضائق والممرات البحرية المُنظمة باتفاقية 1936، وهو ما ينطوي على خطر اختلال توازنات القوى بالبحر الأسود، وتصاعد حالة العسكرة فيه، فضلًا عن تحميل الداخل التركي أعباء اقتصادية كبرى في ظل ظروف دقيقة، ما يجعل الحديث عن قناة إسطنبول مثيرًا للعديد من الأسئلة والإشكاليات الداخلية والخارجية.

محمود قاسم - حسين عبدالراضي