وحدة الدراسات العربية والإقليمية

مسارات غامضة: ملامح ومآلات الأزمة التونسية

تشهد تونس أزمة سياسية ممتدة منذ استقالة رئيس الحكومة السابق “إلياس الفخفاخ” في الخامس عشر من يوليو 2020، وما تبعها من تعقيدات للمشهد السياسي، خاصة في ظل تضارب الصلاحيات بين رئيس الدولة “قيس سعيد” ورئيس الوزراء الحالي “هشام المشيشي”، وبرز ذلك بصورة كبيرة في أعقاب التعديل الوزراي الذي أجراه “المشيشي” وما حظي به من ثقة البرلمان في السادس عشر من يناير 2021، غير أن الرئيس التونسي لم يقبله. ومنذ تلك الواقعة بدأت الأزمة في التصاعد بين الرئيس من جانب والبرلمان وحكومة المشيشي من جانب آخر. ولعل هذا البعد يُعد مرتكزًا رئيسيًا فيما وصلت إليه الأوضاع السياسية من تأزم، فضلًا عن…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

تشهد تونس أزمة سياسية ممتدة منذ استقالة رئيس الحكومة السابق “إلياس الفخفاخ” في الخامس عشر من يوليو 2020، وما تبعها من تعقيدات للمشهد السياسي، خاصة في ظل تضارب الصلاحيات بين رئيس الدولة “قيس سعيد” ورئيس الوزراء الحالي “هشام المشيشي”، وبرز ذلك بصورة كبيرة في أعقاب التعديل الوزراي الذي أجراه “المشيشي” وما حظي به من ثقة البرلمان في السادس عشر من يناير 2021، غير أن الرئيس التونسي لم يقبله. ومنذ تلك الواقعة بدأت الأزمة في التصاعد بين الرئيس من جانب والبرلمان وحكومة المشيشي من جانب آخر. ولعل هذا البعد يُعد مرتكزًا رئيسيًا فيما وصلت إليه الأوضاع السياسية من تأزم، فضلًا عن التجاذبات المتباينة في المشهد الحزبي، خاصة في ظل تنامي حالة الاستقطاب بين المكونات الحزبية المختلفة.

ملامح الأزمة

منذ أن تم إقرار الدستور التونسي الجديد عام 2014، كأحد مخرجات مسار التغيير الذي شهدته تونس على خلفية ثورة “الياسمين” رغبةً في إعادة الاستقرار وبناء الشرعية السياسية وكذلك مؤسسات الدولة، تشهد تونس حالة من التصدع بين السلطة التنفيذية وحالة استقطاب غير مسبوقة على الصعيد الحزبي، أضرت بالمسار الانتقالي المستهدف، إضافة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادي وتفاقم الاضطرابات والاحتجاجات الاجتماعية، الأمر الذي رافقه إعادة الحراك الثوري مرة أخرى على الساحة التونسية، مما يُنذر بصورة كبيرة بإرباك المشهد أفضى في نهاية المطاف إلى إضعاف الديمقراطية الناشئة في تونس.

ولعل تفاقم الوضع الراهن على صعيد الدائرة السياسية يكمن بصورة جوهرية في حالة الاستقطاب والتحالف بين رئيس الحكومة التونسية والبرلمان التونسي، وتحديدًا لحركة “النهضة” الإسلامية التي يترأسها “راشد الغنوشي” وحزب “قلب تونس” المتقارب معها، وبين رئيس الدولة “قيس سعيد” الذي انخرط مبكرًا في تصادم مع البرلمان وتحديدًا مع هذا التحالف تحت قبة البرلمان.

وانطلاقًا من القضاء على الفساد كأحد مضامين وشعارات الثورة التونسية والذي لا يزال مطلبًا شعبيًا، يتمسك الرئيس “قيس سعيد” برفض التعديلات الوزارية التي قام بها “المشيشي” المتضمنه 11 وزيرًا جديدًا يحظى أكثريتهم برضاء حركة “النهضة” وحزب “قلب تونس”، والخلاف الجوهري لا يكمن فقط في رفض رئيس الجمهورية لسياسة الأمر الواقع التي انتهجها “المشيشي” بعرض تلك التعديلات على البرلمان وما حظي بها من ثقة التكتلات الإسلامية المتحالفة داخل قبة البرلمان، على الرغم من التحفظات التي أبداها “سعيد” على أربعة وزراء لديهم شبهات فساد وتضارب مصالح، وإنما يكمن التنافر الحادث على المشهد السياسي في رغبة التيار الإسلامي في إنشاء تحالف مع الحكومة الوليدة لتحقيق الهيمنة والسيطرة على كامل دوائر صنع القرار وتهميش دور الرئيس.

وبتفكيك الأزمة السياسية في مجملها بتونس نجد أنها تتمركز في الآتي:

  • برلمان متشظٍّ: إن المتأمل لحالة البرلمان التونسي يجد أن هناك حالة تنافر ممتدة بين المكونات الحزبية داخل قبة البرلمان، وتحديدًا بين حركة “النهضة” الإسلامية التي يترأس زعيمها البرلمان التونسي والمتحالفه بشكل كبير مع حزب “قلب تونس” وبين حزب “الدستوري الحر” الذي تترأسه “عبير موسى”، وجنوح “حركة النهضة” عن الأعراف البرلمانية المختلفة، وسعيها لفرض الهيمنة على قرارات البرلمان المختلفة، والسيطرة على مواطن صنع القرار بالدولة، فضلًا عن اتخاذها من العباءة التركية محركًا لها، الأمر الذي غاب معه تحالف برلماني متماسك، مما ساهم بصورة كبيرة في حالة العجز التشريعي لضمان الاستقرار السياسي.
  • غياب ملامح النظام السياسي المستقر: لا تزال تونس تعاني بصورة كبيرة في تطبيق وتحديد نوعية النظام السياسي الداخلي، ما بين برلماني أو رئاسي أو مختلط، وهو أحد المرتكزات التي تستهدف الحركات الإسلامية وعلى رأسها حركة “النهضة” في الدعوة لترسيخ فكرة أن البرلمان هو بمثابة السلطة الرئيسية والفعلية في تونس، والتأكيد على كون النظام في تونس هو نظام برلماني، ويكمن فقط دور رئيس الدولة في الجانب الرمزي، وهو الأمر الذي عبر عنه “راشد الغنوشي” كثيرًا وإبداء رغبته في تأسيس نظام سياسي برلماني كامل يمنح السلطة للحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية، وعلى الزاوية الأخرى تُمثل الاحتجاجات التي شهدها الشارع السياسي والتي تدعم بصورة كبيرة الرئيس التونسي، رسالة سياسية تتبنى بصورة كبيرة تغيير النظام السياسي من برلماني مُعدل إلى رئاسي.
  • هشاشة النخبة السياسية: مثّل ضعف النخبة السياسية التونسية وتآكل الطبقة السياسية والتشرذم والتجاذب الداخلي، علاوة على التحالفات غير المستقرة بين تلك التكتلات، عاملًا ضاغطًا مضاعفًا على الحياة السياسية التونسية، وشكل سببًا جوهريًا في تردي الأوضاع السياسية في مستوياتها الشرعية المتمثلة في السلطة التنفيذية (الرئاسة والحكومة) وكذلك السلطة التشريعية (البرلمان)، وهو ما بات ملموسًا لدى الشارع التونسي، مما خلق حالة من الإحباط والاحتقان الشعبي، وافتقاد الثقة في قدرة تلك المؤسسات في استكمال مسار التحول الديمقراطي الذي تجلت معالمه إبان ثورة “الياسمين”.
  • صعود إخواني مطّرد: سيطرة الإخوان على بعض مراكز صنع القرار في تونس وعلى رأسها البرلمان، خلق حالة من الاحتقان الداخلي، خاصة في ظل التحركات المشبوهة لرئيس حركة “النهضة” الإسلامية خارجيًا وتعاطيها بصورة إيجابية مع الجانبين التركي والقطري بما يتضارب مع مصالح تونس العليا، مما دفع إلى خروج الكثيرين الرافضين لهذا النهج، وجعل تلك الفئة تحت دائرة الضوء من قِبل الشارع السياسي، فضلًا عن إعلان “الغنوشي” في السادس من مارس الجاري رفضه قبول استقالة رئيس الحكومة التونسية، مما خلق حالة تعبئة عامة في الرأي العام رافضة لهذا التوجه، وقد برز ذلك بشكل كبير في الشعارات المختلفة التي تضمنتها الاحتجاجات والداعية إلى إسقاط حزب الإخوان والمطالبة بإسقاط الحكومة ورحيل “الغنوشي”.
  • عدم استكمال المؤسسات الوطنية: أحد تعقيدات المشهد تبرز في عدم استكمال المؤسسات الحيوية داخل الدولة، والتي تُعد مرتكزًا هامًا في مجال التضاد بين السلطات، هو غياب المحكمة الدستورية التي تُمثل الركن الثالث للسلطات في النظم الديمقراطية، وهو الأمر الذي زاد المشهد تشابكًا، حيث إنه وفي حال ما إذا كانت المحكمة مُشكلة وقائمة، لتبدلت الأمور كثيرًا وعلى رأسها الفصل في التداخل بين السلطات، وذلك وفقًا لما نصت عليه المادة (101) من الدستور والتي تضمنت “ترفع النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى المحكمة الدستورية التي تبت في النزاع في أجل أسبوع بناء على طلب يرفع إليها من أحرص الطرفين”، ولعلّ هذا العامل شكّل بيئة خصبة لعشوائية القرارات.

انعكاسات متباينة

إن المتأمل لحالة التشرذم السياسي في تونس يجد أنها انعكست بصورة كبيرة ليس فقط على مستوى إدارة الدولة، ولا العلاقة البينية بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، وافتقار الحكومة للشرعية المطلوبة لممارسة مهامها؛ بل تجاوز ذلك الحد ليصل إلى مرحلة أشد تعقيدًا تتمثل في التخبطات المختلفة في المكون الشعبي حيال حالة التأزم السياسي، ويصبح مشهد تكرار التظاهرات هو الأقرب للتعبير عن حالة السخط الشعبي، ولعل ذلك برز في تكرار خروج الاحتجاجات والمظاهرات المختلفة وما امتاز به من حالة زخم غير مسبوقة منذ عام 2011، مما يُنذر بصورة كبيرة بعودة الحراك الشعبي مرة أخرى في العديد من المدن التونسية، كأحد المؤشرات الدالة على تفاقم وتعقد المشهد التونسي، على الرغم من تفشي جائحة كورونا، غير أنها لم تكن حائلًا أمام هذا الحراك، والذي تركز بصورة كبيرة في دعم الرئيس التونسي، في مواجهة تحالف “النهضة” و”المشيشي”.

ونتيجة حتمية للسابق فإن عوامل الاستقرار الداخلي ستشهد حالة من التراجع، خاصة على المستوى الأمني في ظل بيئة إقليمية مضطربة بالفعل (على سبيل المثال الملف الليبي)، أو على المستوى الاقتصادي الذي يعاني من تدهور بالغ الخطورة نتيجة لعوامل الركود الاقتصادي وما سببته أيضًا جائحة كورونا من أعباء مضافة على هذا الاقتصاد المتراجع.

أحد التداعيات الأخرى هو دفع الأطراف المختلفة إلى الزجّ بالمؤسسة العسكرية في خضم هذا المشهد المُعقد، وعلى الرغم من أن تونس تنتهج سياسة إبعاد الجيش عن التفاعلات السياسية، غير أن هناك ضغوطات متباينة للدفع بالمؤسسة العسكرية في هذا المشهد المُعقد، الأمر الذي دفع الرئيس التونسي للتحذير من العواقب الوخيمة من الزج بتلك المؤسسة في الصراعات السياسية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى الانزاق في فراغ سياسي ممتد، يُعرقل المسار الديمقراطي في تونس مما يحول دون استكماله، ويؤدي إلى حالة من الانفلات الأمني وانهيار للمؤسسات الوطنية.

مسارات محتملة

في ظلّ الوضع المعقد للأزمة السياسية في تونس يمكن أن تسير الأوضاع وفق عدة مسارات محتملة هي:

  • الانزلاق إلى “حافة الهاوية“: يتبلور هذا المسار في حالة إذا ما تمسكت الأطراف بمواقفها المختلفة دون إبداء أي تنازلات من شأنها تهدئة وتيرة التصدع في العلاقات المؤسساتية التونسية، خاصة وأن موازين القوى السياسية وكذلك الشعبية متكافئة إلى حد ما، وفي ظل تباعد المؤسسة العسكرية من ذلك الصراع، وهو المسار الذي سيئول بصورة كبيرة إلى تحول تونس لحالة الدولة الهشة، ويُكرس لفكرة الفراغ السياسي، غير أنه وإسقاطًا على فترة الرئيس التونسي السابق “الباجي قائد السبسي” نجد أن الدولة قد نجحت في المرور من مأزق الفراغ السياسي، وذلك من خلال لقاء جمع بين “السبسي” وحركة النهضة الإسلامية في باريس أغسطس 2013، ساهم في حلحلة الأزمة والتشابكات السياسية الواقعة حينها، وربما تأتي تلك الوساطة من خلال النظر في مبادرة “الاتحاد التونسي للشغل” التي تقدم بها للرئيس التونسي من أجل عقد حوار وطني لحل تلك الأزمة، والتي تستهدف بصورة كبيرة تحقيق أمرين، الأول إيجاد نافذة حل للأزمة السياسية، والثاني بلورة برنامج لإنقاذ الاقتصاد الوطني.
  • إعادة الحسابات وتحالف الضرورة: يكمن هذا المسار في القدرة على خلق مناورة ومواءمة سياسية بين الرئيس “سعيد” والبرلمان لإعادة حساباته، خاصة فيما يتعلق بمنح الثقة للوزراء الجدد، وذلك تحقيقًا لاستمرار البرلمان قائمًا، وذلك تجنبًا للانخراط في فراغ تشريعي محتمل، خاصة وأن تعقد المشهد بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة ربما يُفضي في نهاية المطاف إلى سقوط الحكومة ومن ثمّ حل البرلمان، والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة، وهو المسار الذي لا ترغب الأحزاب بصورة عامة وحركة النهضة على وجه التحديد الدخول فيه، خاصة وأن غالبية الأحزاب تعاني من تراجع شعبوي ظاهر وعجزها الحالي في التأثير على الرأي العام، وبالتالي افتقارها القدرة على التأثير وعدم استعدادها لانتخابات تشريعية مبكرة حيال ما تأزم الوضع.
  • ويتحقق هذا المسار في حالة لجوء الرئيس التونسي إلى تطبيق نص المادة (80) من الدستور الصادر في 14 يناير 2014، والتي تُعطي له الحق في حالة وجود خطر داهم يهدد كيان الوطن واستقلالها وينعكس بالسلب على قدرة الدولة وعملها، أن يتخذ التدابير التي تحمي الدولة من تلك الحالة الاستثنائية، ويدعم عودة الحياة الطبيعية وسير العمل الحكومي، وتلك المادة ترسخ الحق الدستوري في حل البرلمان وإقالة الحكومة، وفي هذه الحالة سوف تتجه تونس إلى إعادة بناء وتشكيل النظام السياسي بصورة تحقق مطالب الشارع السياسي، وتقضي بدرجة كبيرة على تحالف الأحزاب الذي تهيمن عليه حركة النهضة التونسية.
  • إقالة الحكومة: لعل الالتفاف الشعبي حول الرئيس “قيس سعيد” يجعل لديه كارت ضغط وشرعية واسعة، ربما يُعجل بصورة كبيرة من إقالة حكومة “المشيشي” وتكليف حزب الأغلبية بالبرلمان بتسمية رئيس الحكومة والوزراء. وعلى الرغم من أن هذا المسار واحد من المسارات المحتملة، غير أن مخاطره كثيرة من بينها العجز في تسمية رئيس وزراء جديد، ومدى قابلية البرلمان لتلك الخطوة وإعطاؤها الثقة، كما حدث مع حكومة “الحبيب الجملي” وكذلك حكومة ” إلياس الفخفاخ”. 
  • إجراء تعديلات دستورية: هذا المسار يستهدف بصورة كبيرة إجراء تعديلات تمس طبيعة النظام السياسي المتبع في تونس التي تضمنها دستور 2014، وذلك لتحديد الاختصاصات والصلاحيات المختلفة داخل السلطة التنفيذية بشكل أكثر وضوحًا، وبصورة أكبر في ضوء المادة (90) التي تنص على (إقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة أو البتّ في استقالته، وذلك بالتشاور مع رئيس الجمهورية إذا تعلق الأمر بوزير الخارجية أو وزير الدفاع)، لتصبح تنسيقًا أكثر شمولية لكافة الحقائب الوزارية بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة.

ختامًا؛ إن تعقيدات المشهد السياسي وتراجع الأوضاع الاقتصادية في تونس، تُنذر بصورة كبيرة بالدفع بتلك الدولة للانخراط في دائرة غير واضحة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية تؤثر بصورة كبيرة على محطات الانتقال التي شهدتها الدولة منذ عام 2011، وكلها عوامل تهديد لمسار التحول الديمقراطي التونسي التي لا يمكن تجاوزها بصورة إيجابية خلال المستقبل المنظور.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at