وحدة الدراسات الأفريقية

مؤشر خطر: أزمة إغلاق السودان المعبر الحدودي مع إثيوبيا

قررت الدولة السودانية، في الثالث من أبريل 2021، إغلاق المعبر الحدودي بين السودان وإثيوبيا، ردًا على الهجمات المسلحة التي ينفذها الجيش الإثيوبي ومليشيات إقليم أمهرا على مواقع مرتكزات الجيش السوداني في إقليم الفشقة، حيث ما يزال أمراء الحرب من قومية الأمهرا على خط الحدود الشرقية للسودان يدفعون باتجاه تأجيج الصراع من أجل إعادة الأوضاع إلى ما قبل أكتوبر 2020. وعلى الرغم من أن السلطات السودانية بادرت بإعادة فتح معبر القلابات-المتمة الحدودي مع إثيوبيا، إلا أن هذا الإجراء شكل إنذارًا شديد الخطورة بدخول العلاقات السودانية-الإثيوبية في مرحلة شديدة التدهور، بحيث يمكن أن تتحول المعابر الحدودية لأداة مهمة للغاية في إطار التصعيد…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

قررت الدولة السودانية، في الثالث من أبريل 2021، إغلاق المعبر الحدودي بين السودان وإثيوبيا، ردًا على الهجمات المسلحة التي ينفذها الجيش الإثيوبي ومليشيات إقليم أمهرا على مواقع مرتكزات الجيش السوداني في إقليم الفشقة، حيث ما يزال أمراء الحرب من قومية الأمهرا على خط الحدود الشرقية للسودان يدفعون باتجاه تأجيج الصراع من أجل إعادة الأوضاع إلى ما قبل أكتوبر 2020. وعلى الرغم من أن السلطات السودانية بادرت بإعادة فتح معبر القلابات-المتمة الحدودي مع إثيوبيا، إلا أن هذا الإجراء شكل إنذارًا شديد الخطورة بدخول العلاقات السودانية-الإثيوبية في مرحلة شديدة التدهور، بحيث يمكن أن تتحول المعابر الحدودية لأداة مهمة للغاية في إطار التصعيد المتبادل في المرحلة المقبلة.

أولًا: أسباب الإغلاق

جاء قرار إغلاق المعبر الحدودي بين السودان وإثيوبيا نتيجة لاندلاع المواجهات، وارتفاع وتيرة التوترات بين الطرفين، وارتفاع حالة التأهب القصوى من الجانب السوداني، في ظل الانتهاكات المتكررة من الجانب الإثيوبي. وبغض النظر عن الشكاوى المقدمة من الحكومات السودانية ضد الانتهاكات التي تحدث لمواطني السودان في أراضيهم، فإن قيادات الأمهرا لم يتوانوا عن الاستيلاء على مزيد من الأراضي السودانية بالقوة، بل حتى لا يريدون للمواطنين السودانيين أن يتواجدوا بهذه المناطق ولا يسمحون لهم بالتعايش معهم. بل يرفض الأمهرا مد المناطق التي يقطنها السودانيون بالخدمات.

وفي وقت سابق، اجتمعت لجان أمنية سودانية وإثيوبية لبحث الأوضاع الأمنية، وعملية إغلاق المعابر بين الدولتين، حيث طالب مسئول الأمن الإثيوبي (قيتو المو)، بفتح المعبر وضرورة حل الخلافات والقضايا الأمنية بين البلدين عبر التفاوض. وأشار إلى أن إغلاق الحدود ليس حلًّا في ظل التبادل التجاري بين الدولتين. ومن جانب آخر، أكد العقيد شرطة خالد إسماعيل رئيس لجنة أمن ولاية (القلابات) الحدودية وبحضور عدد من الأجهزة الرسمية والأمنية للدولة السودانية أن عملية إغلاق المعبر قرار سيادي سوداني، ولا رجوع فيه. وأن رفض الإثيوبيين الانسحاب من باقي المناطق التي تقدر بـ10% من إجمالي مساحة منطقة الفشقة الكبرى والصغرى وما حولها، يمثل انتهاكًا على حدود السودان، لا سيما في ظل حشد إثيوبيا لقواتها على الحدود، ودعمها المستمر لقوات أمهرا النظامية والمليشيات مما يعتبر عملًا عدائيًا ضد السودان. 

وبعيدًا عن الخلفيات السياسية لقرار الإغلاق، تظهر العديد من الأسباب الأمنية المتصلة بما يطرحه المعبر نفسه من تهديدات. فقد أحبط الجيش السوداني، في الثاني من أبريل، محاولة تسلل وتهريب عشرات المهاجرين الإثيوبيين عبر الحدود السودانية، في منطقة (مهلا). وقد نجحت الفرقة الثانية مشاة بولاية القضارف الحدودية شرقي السودان في توقيف عصابة اتجار بالبشر كانت بصدد تهريب 41 شخصًا بينهم شاب واحد، في طريقهم إلى الخرطوم.

ثانيًا: الأهداف والغايات

طلبت الحكومة السودانية من الحكومة الإثيوبية الاعتذار الرسمي، والقبض على الجناة وتقديمهم لمحاكمة عاجلة، وأكدت الحكومة السودانية أن الاعتداء الأخير كان مخططًا له، واستهدافه قوات الجيش السوداني، في ظل تجاهل تام من قبل الحكومة الإثيوبية لمثل تلك الهجمات التي تنفذ بتنسيق منها. من هذا المنطلق يتم تسخير الإمكانيات العسكرية والأمنية، من خلال حاكم إقليم أمهرا، بالتنسيق مع الحكومة المركزية، للاستيلاء والتمدد داخل الأراضي السودانية. ويقف خلف هذا العمل العسكري المنظم العديد من القيادات في الحكومة الإثيوبية ورجال أعمال.

ويحمل قرار إغلاق الحدود تأثيرات كبيرة على حكومة إقليم أمهرا، باعتبارها المتضرر الأكبر من إغلاق المعبر، في شل حركة التجارة الضخمة للصادر والوارد إلى إثيوبيا يوميًا، فضلًا عن أن ما يقارب الـ6 آلاف عامل إثيوبي سيمنعون من دخول السودان يوميًا للعمل في موسم الحصاد الزراعي والأشغال الأخرى. إضافة إلى تعطيل الشاحنات وصهاريج المركبات لنقل المواد البترولية إلى إثيوبيا من ميناء بورتسودان. 

ثالثًا: النتائج والتداعيات

من الواضح أن السودان قد فرض أمرًا واقعًا يتفق مع حقوقه وحدوده المعترف بها دوليًا، ونجح من خلال عملية عسكرية مدروسة أن يضع حدًّا لاعتداءات قادة المليشيات وأمراء الحرب وأطماع الأمهرا في إعلان دولة تخصم بعضًا من أراضي السودان، كما أنه وضع حدًا لأطماع الدولة الإثيوبية ولقن درسًا مهمًا فيما يتعلق بالمماطلة وعدم الالتزام بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي، وعدم إبداء حسن النية في المفاوضات. وليس مستغربًا أن هذا التدخل قد ينسحب على قضايا أخرى إذا ما أصرت إثيوبيا على فرض أمر واقع على دول جوارها، والعمل على تعزيز نفوذها على حساب مصالح الآخرين، ولعل ما يقلق إثيوبيا أن سياسة السودان خلال الفترة الأخيرة تؤكد على استعادته لزمام المبادرة على المستوى الإقليمي، في الوقت الذي تنفجر فيه الأزمات في الداخل الإثيوبي. وعلى أي حال فقد بسط السودان هيمنته وسيطرته على أراضيه، وأعاد مواطنيه إلى أراضيهم، وتمركزت القوات بما يحول دون إعادة الوضع إلى ما كان عليه في السابق.

وعلى الجانب الآخر، دفعت الخطوات السودانية الجانب الإثيوبي للمزيد من التطرف في ظل هيمنة النخبة الأمهرية على قرار الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا على نحو ما ظهر بوضوح في تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي ونائب رئيس الوزراء ديمكيي مكونن، والقوميين الأمهرا من خلفه، الذين طالبوا المجتمع الدولي بإدانة السودان لاحتلاله أراضي الفشقة الإثيوبية على حد قولهم. ففعليًا، يبدو القوميون الأمهرا يرسمون السياسة الخارجية والداخلية لإثيوبيا، بعد سيطرتهم على مفاصل الدولة الفيدرالية، وإتاحتهم لرئيس وزرائها مجالًا محدودًا يتحرك فيه، خاصة بعد نجاحهم في الترويج لحزب الازدهار الذي يديره الأمهرا من الخلف في جميع مناطق إثيوبيا، بهدف التمكين، حيث يعتبر القوميون الأمهرا حزب الازدهار فرصة لعودتهم لاستعباد الشعوب الإثيوبية مرة أخرى.

وبغض النظر عن قصر المدة التي نفذ فيها غلق المعبر الحدودي بين السودان وإثيوبيا، قدم هذا الإجراء رسالة شديدة الوضوح من القيادة السودانية لإثيوبيا بشأن التداعيات الخطيرة التي يمكن أن يحملها استمرار إثيوبيا في تبني نهج التصعيد ضد السودان في الملفات المتعددة التي تشهد خلافات عميقة بين الجانبين.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية