وحدة الدراسات العربية والإقليمية

الطموح والواقع: هل ينجح العرب في استعادة العراق من مخالب إيران؟

توجهت الأنظار خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى الأخبار والتقارير التي تحدثت عن مبادرات عربية للانفتاح الاقتصادي على العراق تضمنت وعودًا وخططًا باستثمارات كبيرة وتوسعًا في مجالات تيسير وتنمية التبادل التجاري والتعاون الفني، مما أثار تساؤلات عديدة، خاصة عما إذا كان للخطوات أبعاد سياسية وعما إذا ما كانت العلاقات العربية العراقية مقبلة على مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق والنماء يتخطى فيها الطرفان العربي والعراقي تبعات ثلاثة عقود من الانكفاء جاءت بعد غزو الكويت عام 1990 والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. كان من أبرز أخبار تلك الخطوات هي الاستعدادات الجارية لإعلان تعاون ثلاثي يشمل كلًا من العراق ومصر والأردن، بدا وفق الخطط…

صلاح النصراوي
كاتب عراقي - خبير في الشئون الإقليمية والعربية

توجهت الأنظار خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى الأخبار والتقارير التي تحدثت عن مبادرات عربية للانفتاح الاقتصادي على العراق تضمنت وعودًا وخططًا باستثمارات كبيرة وتوسعًا في مجالات تيسير وتنمية التبادل التجاري والتعاون الفني، مما أثار تساؤلات عديدة، خاصة عما إذا كان للخطوات أبعاد سياسية وعما إذا ما كانت العلاقات العربية العراقية مقبلة على مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق والنماء يتخطى فيها الطرفان العربي والعراقي تبعات ثلاثة عقود من الانكفاء جاءت بعد غزو الكويت عام 1990 والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

كان من أبرز أخبار تلك الخطوات هي الاستعدادات الجارية لإعلان تعاون ثلاثي يشمل كلًا من العراق ومصر والأردن، بدا وفق الخطط التي تم كشف النقاب عن بعضها أنها محاولة جادة للارتقاء بالعلاقات الاقتصادية بين البلدان الثلاثة إلى مستوى عالٍ من التكامل عبر مشاريع استثمارية وتجارية في مجالات متعددة، منها البترول والطاقة والثروة المعدنية، والنقل البري والجوي، والإعمار والإسكان، والتجارة، والصحة.

أما الخطوة الأخرى فقد جاءت من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة اللتين أعلنتا عن استعدادهما توفير نحو 6 مليارات دولار للاستثمار في العراق من خلال مشاريع متنوعة في تطوير البنى التحتية، والتوسع في مجالات الزراعة والكهرباء والنقل والمواصلات والشراكة في ميادين الاستثمارات في القطاع الخاص.

ليس هناك في هذه المرحلة المبكرة تفاصيل كثيرة عن الخطط المعلنة، ولكنها بالمجمل تقدم صورة طموحة عما تعرضه الأطراف العربية كعربون للعراق لما يمكن أن يكون عليه التعاون المستقبلي معه من خلال مجالات التكامل الاقتصادي والذي يمكن أن يفتح أمامه فرصًا لتطوير طاقاته المهدرة وإمكانياته المعطلة، وخاصة في مجالات الاقتصاد الكلي في الطاقة مثل البترول والغاز والكهرباء وفي البناء التحتي في مشاريع النقل والطرق والسكة الحديد والموانئ وفي القطاع الصناعي، والتي يمكنها أن توفر فرص عمل هائلة لبلد تبلغ نسبة البطالة فيه حوالي 13.8 بالمائة حسب وزارة التخطيط العراقية.

فالسعودية وفقًا للبيانات التي صدرت بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الشهر الماضي قررت أن تضع مبلغ 3 مليارات دولار في صندوق مشترك لدعم خطط استثمارية في مختلف القطاعات الاقتصادية العراق، بعضها يتعلق بالطاقة، وخاصة الربط الكهربائي مع العراق، وأخرى تتعلق بالربط البري من خلال طرق ومعابر حدودية متعددة. غير أن الأبرز في المشاريع المقترحة التي تسربت أخبارها هي مشاريع زراعية كبرى تبلغ مساحتها نحو مليون هكتار في مناطق محاذية للسعودية كي تكون متكاملة مع مشاريع سعودية قائمة في تربية الأبقار والماشية والدواجن وصناعة الألبان.

أما الإمارات فقد أعلنت هي الأخرى عن استعدادها لتوفير 3 مليارات دولار مماثلة تستثمر في مشاريع تنموية لتطوير قطاعات اقتصادية-اجتماعية، إضافة إلى التعاون في مجال تطوير الموانئ العراقية التي تمتلك الإمارات خبرة عالمية فيها، وخاصة في تطوير ميناء أم قصر جنوب العراق وإنشاء القناة الجافة التي يأمل العراق إنشاءها ضمن مشروع بناء ميناء الفاو الكبير الذي يأمل العراق أن يتمكن من خلاله تعزيز قدرته الاستيرادية وربط موانئه مع الدول الأخرى مستغلًا موقعه الجغرافي المميز.

مصريًا وأردنيًا، هناك مرتكزات لعلاقات اقتصادية ثنائية مع العراق يخطط البلدان لتطويرها من خلال آليات التعاون الثنائي المشترك على أمل أن تحقق تكاملًا بين الأضلاع الثلاثة في ميادين واسعة تشمل أيضًا مشاريع كبرى في مجال البترول والنقل والمواصلات والربط الكهربائي والإسكان والمناطق الصناعية والتجارية الحدودية المشتركة، وغير ذلك من أفكار للتعاون الأوسع يتوقع بلورتها بعد قمة ثلاثية يجري الإعداد لها في بغداد خلال الفترة القريبة القادمة.

ما بعد الاقتصاد

وعلى الرغم من الطابع الاقتصادي الواضح للانفتاح العربي الأخير على العراق، إلا أنه لا يمكن أن يكون بمعزل عن التوجهات السياسية التي ترافقه والتي ينظر إليها باعتبارها محاولة لمراجعة المواقف العربية من العراق منذ سقوط نظام صدام حسين بعد الغزو الأمريكي عام 2003. ففي التحليل الواقعي فإن علاقات معظم الدول العربية الرئيسية ظلت باردة مع نظام ما بعد صدام بسبب الشكوك والهواجس التي انتابتها جراء الطابع الطائفي الذي أنتجته تركيبة الحكم الجديد، والذي أدى بدوره إلى اتساع النفوذ الإيراني في العراق وامتداداته في المنطقة.

لكن وفق نفس التحليل الواقعي فإن هذا التردد العربي جاء بنتائج عكسية أتاح لإيران فرصة أن تتوسع في العراق أفقيًا وعموديًا مستغلة الفراغ الذي خلفه الغياب العربي كي تقيم قواعد ومرتكزات لنفوذ سياسي واسع وتمدد ثقافي ذي طبيعة مذهبية واجتماعية، والأهم من ذلك أذرع عسكرية موالية يتم استخدامها في ترسيخ النفوذ الإيراني داخل وخارج العراق. لكن ما لا يقل أهمية عن كل ذلك وما يشكل تكاملًا معه هو التوسع في الامتداد الاقتصادي الإيراني الذي شمل قطاعات التجارة والصناعة والاستثمار والبنوك والنقل والطاقة والكهرباء التي جعلت العراق مرتبطًا بشكل يكاد يكون شبه عضوي بالاقتصاد الإيراني.

تعتبر إيران اليوم واحدة من أكبر شركاء العراق التجاريين بعد الصين وتركيا، حيث يبلغ حجم صادراتها للعراق نحو 10 مليارات دولار سنويًا، أو حوالي 25 بالمائة من حجم واردات العراق الكلية التي تخطط لزيادتها حسب تصريحات مسئولين إيرانيين إلى نحو 20 مليار دولار (مقابل نحو 583.27 مليون دولار عام 2020 لمصر، ونحو 404.6 مليون دولار للأردن، ونحو 1,35 مليار دولار للإمارات، ونحو 337 مليون دولار للسعودية عام 2019). غير أن أرقام التبادل التجاري المعلنة لا تمثل إلا النزر اليسير من حجم الفوائد التي تجنيها إيران من العراق والتي يأتي أغلبها من الاقتصاد الموازي الذي يعتمد على التهريب، وخاصة البترول، واستغلال فروع البنوك الإيرانية في العراق للحصول على ملايين الدولارات من منصة مزاد العملة الذي يتيحه البنك المركزي العراقي، وفي تبيض الأموال، ومن مصادر ترتبط بالقنوات شبه الرسمية كاللجان الاقتصادية للجماعات الحاكمة.

الواقع والطموح

هناك جملة تحديات أمام التوجه العربي الجديد نحو العراق بعد كل سنوات التردد، على رأسها عدم وجود موقف عربي موحد، أو تنسيق عربي، في المشاريع المطروحة، بل على العكس من ذلك هناك منافسات واضحة، وهو الأمر الذي يمكن ألا يؤدي إلى الغرض الأشمل المرجوّ منه وهو التكامل من أجل توحيد السوق في المجالات الاستثمارية والتجارية العربية مع العراق. فتزامنًا مع الخطوات التي اتخذتها مصر والأردن والسعودية والإمارات، دخلت قطر على الخط وطار وزير خارجيتها الشيخ محمد عبدالرحمن آل ثاني إلى بغداد لكي يقدم عروضًا مماثلة. كما خطت لبنان أيضًا لتقديم عرض آخر بتوفير خدمات صحية للعراق مقابل كميات من البترول تبلغ قيمتها نحو 200 مليون دولار، في حين أجرت سوريا اتصالاتها التي تهدف إلى إعادة فتح السوق العراقية أمام المنتجات السورية.

يؤمن معظم العراقيين بمن فيهم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بضرورة الانفتاح على العالم العربي لأسباب لا يترددون في البوح بها، وهي تتعلق بالحاجة التي يشعرون بها لعمق استراتيجي يساعدهم في الخروج من قبضة النفوذ الإيراني، وأيضًا الوقوف بوجه التحديات التي يمثلها التغلغل التركي الذي لا يقل شأنًا وخطرًا عن ذلك الذي تمثله إيران. وربما هي المرة الأولى التي يقدم فيها رئيس وزراء عراقي منذ عام 2003 خطة لتنفيذ هذا التوجه على مسار محور ثلاثي مع مصر والأردن ربما يفكر في تطويرها لتشمل المحاور العربية الأخرى.

تقوم فكرة الكاظمي على ما يسميه بـ”المشرق الجديد”، وهو مقترح لم تتضح معالمه الأساسية لحد الآن، وربما يسعى لبلورته وطرحه في القمة الثلاثية القادمة والتي أُرجئت مرتين لأسباب طارئة. لكن في الشكل يبدو مشروع الكاظمي مماثلًا لفكرة طرحها البنك الدولي عام 2014 اقترح فيها تجمعًا اقتصاديًا يضم العراق والأردن ومصر وسوريا ولبنان وتركيا والأراضي الفلسطينية. ووفقًا للمشروع الذي أعده خبراء البنك والذي سمي بـ”المشرق الجديد” أيضًا فإن البلدان السبعة تمتلك طاقات تكاملية في المصادر الطبيعية، وتشابهًا في مراحل النمو، وميزات التقارب الجغرافي التي يمكن توضيفها كلها في تطوير سوق كبيرة واحدة.

ليس معلومًا لحد الآن إن كان مشروع الكاظمي يتضمن رؤى للمضي بعيدًا أكثر من حدود التكامل الثلاثي، كما أنه من غير الواضح مدى استجابة كل من مصر والأردن لفكرة التوسع في العلاقات الثلاثية التي تنطوي على حسابات مختلفة عن تجمع إقليمي أكبر. لكن المشروع يأتي في الوقت الذي ترد فيه إشارات من أطراف دولية وإقليمية بشأن حلحلة بعض الملفات الإقليمية ذات الصلة، كالأزمة السورية، والخلافات المصرية التركية، وعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، كما يتميز بأنه يستبعد إيران من المعادلة المقترحة.

ليس من الواضح في هذه المرحلة إلى أين يمكن أن تصل الأمور بشأن هذه الأزمات في ظل تعقيدات تواجه سبل تفكيكها، وخاصة الامتدادات الإقليمية والدولية في ملفات بعضها. ولكن إذا ما أخذ مشروع الكاظمي باعتباره امتدادًا لمشروع البنك الدولي الذي عطلته الحرب التي شنت لهزيمة تنظيم داعش الإرهابي بعد عام 2014، فإن بالإمكان القول إن الفكرة يمكن أن تلقى تأييدًا دوليًا وإقليميًا في المرحلة الحالية مع تغيرات يمكن أن تدخل على مدخلاتها تتناسب مع مواقف الأطراف الأخرى ومع المناخ الإقليمي الجديد في المنطقة.

في السياق نفسه فإن فكرة لجم إيران ووقفها عن توسيع نفوذها في عموم المنطقة، يمكن أن تلتقي مع مسعى متوقع آخر هو محاولة ربط البرنامج الصاروخي الإيراني والتدخلات الإيرانية في المنطقة، ودور وكلائها في ملف إعادة التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية والأطراف الأوروبية المشاركة في مفاوضات 5+1، وهو ما دعت إليه دائمًا الأطراف العربية التي تعبر مخاوفها من ازدياد النفوذ الإيراني في المنطقة. وفي الإطار نفسه فإن الاحتمالات المتزايدة عن الانسحاب الأمريكي من العراق في ضوء قرار الانسحاب من أفغانستان سيتطلب ترتيبات لضمانات سياسية وأمنية بألا تتقدم إيران بخطوات إضافية لزيادة نفوذها في العراق، وربما في السيطرة النهائية عليه.

لذلك فإن الاندفاع العربي نحو العراق الذي يأتي على خلفية كل هذه التطورات سيتطلب وجود رؤى واستراتيجيات محسوبة بدقة إذا ما كان الهدف الفعلي من ورائه هو عزل العراق عن التدخلات الإيرانية وتمتين العلاقات العربية البينية معه. هناك بطبيعة الحال تساؤلات جدية عن واقعية هذا التفكير في ظل مصادر القوة المتنوعة التي تمتلكها إيران في العراق. فمن المتوقع أن تستخدم إيران كل ما تمتلكه بيدها من أوراق ومصادر نفوذ في العراق في مقاومة أي توجه يسعى إلى الحد من المكاسب الاستراتيجية التي حققتها في العراق خلال ثمانية عشر عامًا والتي أصبحت إحدى ركائز قوتها في المنطقة.

التحدي والاستجابة

هناك مؤشرات على أن إيران قد بدأت فعلًا بممارسة الضغوط السياسية على القيادات العراقية المختلفة للتصدي للانفتاح العربي أمام العراق، شملت في بعض الأحيان تهديدات مباشرة للقادة العراقيين من قبل كبار المسئولين الإيرانيين المسئولين عن الملف العراقي مثل علي شمخاني سكرتير مجلس الأمن القومي، وإسماعيل قآني مسئول فيلق القدس في الحرس الثوري. كما أن الفصائل المسلحة التي تدعمها وتمولها إيران بدأت هي الأخرى بإطلاق تهديدات وتلفيق اتهامات للأطراف العربية التي أبدت استعدادًا لتوسيع التعاون مع العراق، إضافة إلى تلميحات للوقوف ضد أية محاولات لزيادة الوجود العربي في العراق بالطريقة ذاتها التي تتعامل بها حاليًا مع القوات الأمريكية.

أما السؤال الأساسي فهو عن الوسائل العملية المتوفرة بيد الكاظمي لخوض معركة كسر عظم متوقعة سيواجهها وهو يحاول القضاء على -أو الحد- من نفوذ إيران في العراق. على المستوى النظري، قضى الكاظمي فترة طويلة لحد الآن وهو يرسل بالرسائل عن سعيه لترسيخ سيادة الدولة بوجه الجماعات المسلحة التي تديرها إيران، وبالكلام عن الحاجة لضبط سلاحها. إلا أن تلك الرسائل التي لم تصل إلى العمل الفعلي لحد الآن جوبهت بالضغوط الكبيرة التي تمارس على الكاظمي ابتداءً من الشتائم العلنية وانتهاءً بالاستعراضات العسكرية الاستفزازية التي تقوم بها المليشيات المسلحة في قلب العاصمة بغداد.

سيكون على الكاظمي أن يكون أكثر فطنة في السير في كل حقول الألغام التي ستزرع في دربه، وإدارة عملية سياسية معقدة تختلط فيها مصالح سياسية وحسابات طائفية وفساد يعشش في كل مفاصل الدولة والمجتمع قد لا يجد في الانفتاح على العالم العربي مكاسب له. كما أن عليه أن يكون أكثر حزمًا في إظهار قوة الدولة وتصميمها على تنفيذ برامجها في تحقيق السيادة وفي ترسيخ استقلالية القرار العراقي، وهو ما يمكن أن يأتي به إيقاف التدخلات الإيرانية، وفتح أبواب ونوافذ العراق أمام هواء آخر يهب عليه من جهات العالم الأخرى.

أما العالم العربي فعليه الآن أن يضع استراتيجيات عقلانية تقوم على تمتين ركائز المصالح المشتركة والنظرة الجدية الواعية إلى المخاطر التي تتعرض لها المنطقة، وبناء رؤية مستقبلية لمتطلبات تعزيز الأمن الجماعي، والتعاون القائم على الاستخدام الأمثل للطاقات والموارد الجبارة التي يمتلكها العالم العربي لمصلحة شعوبه ومن أجل الخير العام.

صلاح النصراوي
كاتب عراقي - خبير في الشئون الإقليمية والعربية