الانتخابات والعائلة والحزب

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

أخيرا تخلى راؤول كاسترو عن رئاسة الحزب الحاكم في كوبا، منهيا بذلك حكم عائلة كاسترو الذي استمر متصلا منذ عام 1959. في الوقت الذي حدث فيه ذلك في كوبا، تم قتل الرئيس التشادي إدريس ديبي بعد أن حكم بلاده طوال ثلاثين عاما. الرئيس ديبي الذي قاد تمردا ناجحا أوصله إلى السلطة قبل ثلاثين عاما، خسر السلطة، كما خسر حياته، بسبب تمرد مضاد.  انتقال السلطة، والتداول عليها سلميا هو التحدي الأكبر الذي يواجه النظم السياسية، وكلما كان الانتقال يتم سلميا دون هزات كبرى، يكون ذلك شهادة على صحة النظام السياسي؛ على العكس فكلما كان انتقال السلطة حدثا مخيفا، وسببا لنشوب أزمات…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

أخيرا تخلى راؤول كاسترو عن رئاسة الحزب الحاكم في كوبا، منهيا بذلك حكم عائلة كاسترو الذي استمر متصلا منذ عام 1959. في الوقت الذي حدث فيه ذلك في كوبا، تم قتل الرئيس التشادي إدريس ديبي بعد أن حكم بلاده طوال ثلاثين عاما. الرئيس ديبي الذي قاد تمردا ناجحا أوصله إلى السلطة قبل ثلاثين عاما، خسر السلطة، كما خسر حياته، بسبب تمرد مضاد. 

انتقال السلطة، والتداول عليها سلميا هو التحدي الأكبر الذي يواجه النظم السياسية، وكلما كان الانتقال يتم سلميا دون هزات كبرى، يكون ذلك شهادة على صحة النظام السياسي؛ على العكس فكلما كان انتقال السلطة حدثا مخيفا، وسببا لنشوب أزمات سياسية، كان ذلك دليلا على اعتلال صحة النظام السياسي. لا يمكن وصف كوبا أو تشاد بأنها بلاد ديمقراطية، لكن بينما نجحت كوبا في تنظيم انتقال سلمي للسلطة، فإن تشاد فشلت في ذلك بشكل واضح. 

انتقال السلطة عن طريق الانتخابات الدورية هو الإنجاز الأهم للديمقراطيات في أوروبا وشمال أمريكا، وهو إنجاز حديث جدا، لا يرجع إلى أبعد من نهايات القرن الثامن عشر، بدأ في غرب أوروبا ومنها انتقل إلى بلاد أخرى. في الديمقراطية الغربية يأمن الحاكم المنتخب، مهما كان ضعيفا أو فاشلا، على حريته وحياته، فالقانون الذي ينظم عملية إخراجه من السلطة يضمن له حريته وحياته أيضا. 

في الفترة 1788 – 2008، كان هناك في العالم ستة وثمانين دولة لم تنتقل السلطة فيها سلميا من حزب إلى آخر ولو مرة واحدة. خلال المائة عام الأخيرة، انتقلت السلطة عن طريق الانتخابات، من حزب سياسي إلى حزب منافس، لمرة واحدة على الأقل، في نصف دول العالم. أما في النصف الآخر من دول العالم، فلم يحدث للسلطة أن انتقلت من حزب إلى آخر سلميا ولو لمرة واحدة، ويشمل ذلك بلادا لا يمكن اعتبارها دولا فاشلة، أهمها الصين وروسيا. 

الديمقراطية الغربية ليست النظام الوحيد الذي يضمن الانتقال السلمي للسلطة، ولكنه النظام الذي يسمح بانتقال السلطة سلميا بين أحزاب متنافسة، بما يعكس قدرة النظام السياسي على إدارة التغيير. يحدث تداول السلطة في غير الديمقراطيات بين قادة ينتمون لنفس الحزب أو الفريق السياسي، بما يعكس قدرة النظام السياسي على الاستمرار.  في النظم السلطوية الناجحة تنتقل السلطة من شخص لآخر داخل نفس الحزب أو الفريق السياسي، دون حدوث أزمة سياسية، بما يضمن استمرار النظام بتوجهاته وعقيدته؛ فيما يتحول انتقال السلطة إلى أزمة كبرى تطيح بالبلاد والاستقرار في النظم السلطوية الفاشلة. الديمقراطيات تنجح في إدارة التغيير، والنظم السلطوية الناجحة تنجح في تحقيق الاستمرار، أما الدول الفاشلة فتخفق في تحقيق الأمرين. 

الانتخابات والعائلة والحزب هي مؤسسات ثلاثة، تسهم في عملية انتقال السلطة. الانتخابات هي الطريقة القانونية والدستورية المتبعة في الديمقراطيات لإدارة عملية انتقال السلطة. العائلة هي آلية رئيسية لانتقال السلطة في بعض النظم، حيث تنتقل السلطة فقط بين أعضاء نفس العائلة. تنتقل السلطة داخل العائلات المالكة في النظم الملكية وفقا للنظم المتبعة في كل منها. تحدث الأزمة في النظام الملكي عندما يقرر أحد أفراد العائلة الملكية تحدي القواعد المتفق عليها لتداول السلطة بين أفراد العائلة. 

عندما انتقلت السلطة من فيدل إلى راؤول كاسترو عام 2008، كانت العائلة أحد آليات تنظيم انتقال السلطة في كوبا. فشل حسني مبارك في جعل العائلة طرفا في عملية تداول السلطة، بعد أن فشلت جهود توريث السلطة لأحد أبنائه. الدور السياسي الأكثر وضوحا للعائلة نجده في كوريا الشمالية. حكم الزعيم كيم إيل سونج دولة كوريا الشمالية منذ تأسيسها عام 1948، وحتى وفاته عام 1994؛ ليخلفه ابنه كيم يونج إيل حتى وفاته عام 2011؛ ليخلفه بعد ذلك ابنه كيم يونج أون، والذي مازال يحكم كوريا الشمالية حتى الآن. جاء الزعيم المؤسس سونج من منطقة جبال بيكتو، وتنص المادة العاشرة من مبادئ الحزب الحاكم على أن قيادة الحزب والثورة يجب أن تبقى إلى الأبد في يد السلالة المنحدرة من جبال بيكتو، في إشارة واضحة إلى عائلة الزعيم المؤسس.

يوجد حزب حاكم في كل من تشاد وكوبا وكوريا. الحزب الحاكم في تشاد هو أقرب لتحالف قبلي حاكم تدعمه قبيلة الزغاوة التي انتمى لها الرئيس إدريس دبي. الحزب في كوريا الشمالية هو منظمة كبرى، لها تاريخ نضالي في تحرير البلاد من الاستعمار الياباني، تحكم عملها قواعد صارمة، لكنها لا تتمتع بأي استقلال تجاه القادة من عائلة الزعيم سونج. يتمتع الحزب الحاكم في كوبا بقدر مناسب من الاستقلال الذاتي والتعددية الداخلية، فلم يتحول إلى منظمة ملحقة بعائلة الزعيم كاسترو، بل ونجح في النهاية في تقديم أحد قادته الأكثر شبابا لقيادة البلاد بعد نهاية حقبة آل كاسترو. 

الصين هي أنجح نماذج انتقال السلطة خارج مجموعة الديمقراطيات الغربية. لم تلعب العائلة دورا يذكر في توجيه السلطة وإدارة انتقالها في الصين، حيث انفرد الحزب الحاكم تماما بإدارة هذه العملية. تناوب ستة من القادة على رئاسة الحزب الحاكم منذ وفاة الزعيم المؤسس ماو تسي تونج  عام 1976، فيما تناوب عدد آخر على رئاسة البلاد، وفقا لقاعدة منضبطة تضع سقفا محددا للبقاء في السلطة ورئاسة الحزب. في عام 2018 تم تعديل هذه القاعدة، وأصبح من حق الرئيس الحالي البقاء في السلطة لفترة غير محددة، بما يمثل اختبارا حقيقيا لأحد أنجح نظم الحزب الواحد الحاكم في التاريخ. 

الانتقال المنظم للسلطة هو أحد علامات النظم السياسية الناجحة، وهناك نماذج كثيرة في هذا المجال، لا تمثل الديمقراطيات الليبرالية، رغم نجاحها المشهود، سوى أحدها. 

ـــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٢ أبريل ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب