وحدة الدراسات الاقتصادية

المرحلة الثانية لبرنامج الإصلاحات الهيكلية ذات الأولوية

بدأت الجهود الأولية للإصلاح الاقتصادي في مصر في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، وبدأت الحكومة المصرية في تنفيذ برنامج متكامل ومتماسك للإصلاح الاقتصادي في أوائل عام 1991، والتي تم دعمها من قبل كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من خلال تقديم مجموعة من القروض، وإلغاء وتخفيف الديون من نادي باريس والدائنين الثنائيين الرسميين الآخرين، فضلًا عن زيادة المساعدات المباشرة من العديد من البلدان.  وقد شهدت الدولة المصرية العديد من التطورات، وخاصة بعد ثورة يناير لعام 2011 وما تبعها من آثار اقتصادية وسياسية ضاغطة. وقد تبنت الحكومة في بداية عام 2016 برنامج الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، وهو برنامج اقتصادي أعلنت…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

بدأت الجهود الأولية للإصلاح الاقتصادي في مصر في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، وبدأت الحكومة المصرية في تنفيذ برنامج متكامل ومتماسك للإصلاح الاقتصادي في أوائل عام 1991، والتي تم دعمها من قبل كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من خلال تقديم مجموعة من القروض، وإلغاء وتخفيف الديون من نادي باريس والدائنين الثنائيين الرسميين الآخرين، فضلًا عن زيادة المساعدات المباشرة من العديد من البلدان. 

وقد شهدت الدولة المصرية العديد من التطورات، وخاصة بعد ثورة يناير لعام 2011 وما تبعها من آثار اقتصادية وسياسية ضاغطة. وقد تبنت الحكومة في بداية عام 2016 برنامج الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، وهو برنامج اقتصادي أعلنت عنه الحكومة المصرية في 2016، يتضمن معالجة لجوانب الضعف الاقتصادية الكلية، وتشجيع النمو الاحتوائي، وخلق فرص عمل جديدة. يذكر أن البرنامج تم وضعه بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي

انقسم برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي الذي بنته مصر في التسعينيات من القرن العشرين إلى ثلاث مجموعات أساسية، كل منها ذو صلة بتأثيرات معينة على المجتمع. تهدف المجموعة الأولى من البرنامج إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال خفض معدلات التضخم والعجز في الميزان المحلي والأجنبي، من خلال خفض الإنفاق العام عن طريق برامج مختلفة مثل سياسات التشغيل التي تهدف إلى خفض معدل نمو الأجور، والسياسات المالية التي تحاول ترشيد الإنفاق الحكومي في قطاع الخدمات (الصحة والتعليم)، وخفض نسبة الدعم إلى إجمالي الإنفاق. وتهدف هذه السياسات أيضًا إلى تحسين الإيرادات العامة اعتمادًا على الضرائب غير المباشرة.

وتهدف المجموعة الثانية من البرنامج إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي من خلال عدد من السياسات الهادفة إلى تحويل الإنفاق العام من القطاعات الخدمية إلى القطاعات الإنتاجية ومن الاستهلاك إلى الاستثمار، وذلك بإدخال تغيير في الأسعار النسبية للسلع والخدمات إلى الدولة.

تشمل المجموعة الثالثة كافة السياسات التي تهدف إلى تحقيق تحسينات في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، مثل سياسات تحرير التجارة، وتقليل دور الحكومة في الأنشطة الاقتصادية، وتحسين أسواق المال ورأس المال، وإنشاء نظام التسعير الحر وتشجيع نظام اقتصاد السوق والتكامل مع العالم الخارجي، وتحسين القدرات البشرية من خلال تطوير نظام الحوافز.

وبناء عليه فقد تم تعزيز الإيرادات الحكومية من خلال تحسين الإدارة والتحصيل وإدخال ضريبة المبيعات، ورفع أسعار الطاقة المحلية، ونتيجة لذلك ارتفعت نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي من 25٪ في عام 1989/1990 إلى 35-36٪ في عام 1993/1994.

كما انخفض استثمار القطاع العام من 12% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 7 % خلال الفترة نفسها، وركز بشكل متزايد على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية مع ترك مجالات مثل التصنيع والاتصالات للقطاع الخاص.

بينما تم الإبقاء على دعم الخبز، ولم يتم السيطرة بشكل كبير على بند الأجور بالموازنة والذي استمر في الارتفاع، ونتيجة لتلك الإجراءات تقلص العجز الكلي من الناتج المحلي الإجمالي من 15.8 % في 1989/90 إلى 2.6 % في 1993/1994.

كما أدى انخفاض الاقتراض المصرفي الحكومي، إلى جانب تحسن الموقف الائتماني بشكل عام، إلى الحد من التوسع النقدي وتسهيل تنفيذ الإصلاحات المالية. والأهم من ذلك، أنه تم تحرير أسعار الفائدة على الودائع والإقراض. بالإضافة إلى ذلك تم تعزيز الرقابة المصرفية من خلال إدخال المعايير الدولية لتصنيف القروض. كما تم إدخال نظام سوق حر للعملات الأجنبية بسعر موحد في عام 1991 بما سمح للقطاع الخاص بشراء العملات الأجنبية بحرية من البنوك وتجار الصرف الأجنبي، والذي ساعد كثيرًا في تعزيز الثقة، وتم تخفيف القيود المفروضة على عمليات التجار بشكل تدريجي.

وساهمت تلك السياسات في تحسن كبير في الأداء الاقتصادي، حيث انخفض التضخم تدريجيًا إلى ما يزيد قليلًا عن 7 % سنويًا في أوائل عام 1994، وهو أدنى معدل له منذ عشرين عامًا، كما تحول الميزان الإجمالي للمدفوعات من عجز في 1990/1991 إلى فوائض بلغ متوسطها حوالي 4 مليارات دولار في السنوات الثلاث اللاحقة. وتعكس النتيجة بشكل خاص تحويلات العاملين بالخارج والتدفقات الكبيرة لرأس المال الخاص الذي اجتذبته الأسواق المالية المفتوحة والعائدات النسبية المرتفعة على الأصول المقومة بالجنيه المصري، وارتفع صافي الاحتياطيات الدولية.

ومع ذلك، لم يتجاوز النمو الاقتصادي 1 في المائة سنويًا، وانكمشت الصادرات غير النفطية بشكل كبير، علاوة على ذلك كان الاستثمار في حالة ركود. وبالتالي، بشكل عام، يبدو أن القطاع الخاص لم يبدأ بعد في الاستجابة لبيئة الاقتصاد الكلي الأكثر استقرارًا والحوافز التي توفرها الإصلاحات الهيكلية التي تم تنفيذها.

برنامج الإصلاح الاقتصادي لعام 2016

يرتكز برنامج الإصلاح الاقتصادي بشكل أساسي على ثلاثة محاور رئيسية، هي:

سياسة سعر الصرف والسياسة النقدية وسياسة القطاع المالي: والتي تم من خلالها تحرير نظام سعر الصرف، واعتماد نظام صرف مرن، وانتهاج سياسة نقدية لاحتواء التضخم.

سياسة المالية العامة، والحماية الاجتماعية وإدارة المالية العامة، وتهدف بالأساس إلى وضع الدين العام على مسار تنازلي واضح، وإعادته إلى مستويات يمكن الاستمرار في تحملها، ورفع الإيرادات الضريبية وخفض فاتورة الدعم.

الإصلاحات الهيكلية والنمو الاحتوائي، من خلال معالجة التحديات المزمنة التي يمثلها النمو المنخفض والبطالة المرتفعة وتسهم في زيادة مرونة الاقتصاد المصري، ورفع قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية والداخلية، فضلًا عن تحويل مسار الاقتصاد إلى اقتصاد إنتاجي يتمتع بمزايا تنافسية، مما يدعم قدرته على النمو المتوازن والمستدام.

وقد ساهمت تلك الإصلاحات في تمكين الاقتصاد المصري من الاستجابة بكفاءة كبيرة لتداعيات جائحة كورونا، لدرجة أصبحت معها مصر هي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي حققت نموًا إيجابيًا في الناتج القومي الإجمالي في ظل الجائحة.

برنامج الإصلاح الاقتصادي لعام 2021

يعتبر البرنامج المرحلة الثانية من البرنامج الوطني للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي (NRSAP)، الذي أطلقته الحكومة في نوفمبر 2016، وهو برنامج وطني تم تطويره باتباع النهج التشاركي، حيث تمت صياغته بإشراك كافة المعنيين بالإصلاحات الهيكلية من الخبراء والمتخصصين في القطاع الخاص ومجتمع الأعمال، إلى جانب كافة الوزارات والجهات والهيئات المعنية، فقد تم عقد 20 اجتماعًا مع الوزارات والهيئات المعنية ببرنامج الإصلاحات الهيكلية، بجانب مقترحات من اتحاد الصناعات، واتحاد الغرف التجارية، ومجالس الأعمال المختلفة. 

ويستهدف تنفيذ إصلاحات هيكلية جذرية وهادفة، حيث يركز على تنويع هيكل الإنتاج، والتحول نحو الاقتصاد الرقمي وتوطين الصناعة المحلية وزيادة الصادرات، وقد تم تحديد 6 محاور للإصلاحات الهيكلية ومستهدفاتها، منها محوران أساسيان، هما: تنمية بيئة الأعمال ودور القطاع الخاص، وإعادة هيكلة الاقتصاد المصري بالتركيز على قطاعات الاقتصاد الحقيقي، إلى جانب 4 محاور مُكملة، هي: مرونة سوق العمل ورفع كفاءة التدريب المهني، وتنمية رأس المال البشري، وتحقيق الشمول المالي وإتاحة التمويل، فضلًا عن رفع كفاءة المؤسسات العامة وتحقيق الحوكمة، كما سيتضمن التركيز على الاقتصاد الأخضر وحماية البيئة، ومعالجة قضية الزيادة السكانية، والسعي نحو ضبط معدلات النمو السكاني، مع التعامل مع قضية ندرة المياه وما يترتب عليها من آثار اقتصادية واجتماعية، وضرورة توجيه الاستثمارات والمشروعات للتغلب على ندرة المياه، وخلق مصادر بديلة.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية