كوفيد-19 واشكالية حقوق الانسان (٣)

عضو الهيئة الاستشارية

انتهيت في مقالي السابق عند المبادرة التي تقدمت بها الهند وجنوب إفريقيا إلى مجلس الجوانب التجارية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، بشأن الإعفاء من تنفيذ بعض أحكام اتفاقية “التريبس” بهدف دعم جهود منع انتشار فيروس كورونا واحتوائه وتوفير العلاج له. وتبرز الدول الراعية للمقترح، والتي بلغ عددها ازيد من 60 دولة، أنه سيساهم في استغلال القدرات الإنتاجية غير المستغلة للدول النامية من أجل تسريع وتيرة إنتاج اللقاحات ويدعم الجهود الدولية الراهنة لاحتواء الجائحة والقضاء عليها. بينما تحذر الدول المعارضة للمقترح من أنه قد يفضي إلى إفراغ اتفاقية “التريبس” من مضمونها، ويدشن سابقة تهدد منظومة حقوق الملكية الفكرية التي تمثل الدعامة الأساسية…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

انتهيت في مقالي السابق عند المبادرة التي تقدمت بها الهند وجنوب إفريقيا إلى مجلس الجوانب التجارية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، بشأن الإعفاء من تنفيذ بعض أحكام اتفاقية “التريبس” بهدف دعم جهود منع انتشار فيروس كورونا واحتوائه وتوفير العلاج له. وتبرز الدول الراعية للمقترح، والتي بلغ عددها ازيد من 60 دولة، أنه سيساهم في استغلال القدرات الإنتاجية غير المستغلة للدول النامية من أجل تسريع وتيرة إنتاج اللقاحات ويدعم الجهود الدولية الراهنة لاحتواء الجائحة والقضاء عليها. بينما تحذر الدول المعارضة للمقترح من أنه قد يفضي إلى إفراغ اتفاقية “التريبس” من مضمونها، ويدشن سابقة تهدد منظومة حقوق الملكية الفكرية التي تمثل الدعامة الأساسية لتحفيز الاستثمار في مجال بحث وتطوير اللقاح والدواء.

يبدو ان المبادرة المقترحة صعبة التحقيق، أولا لطابعها العام، بحيث لم تقتصر فقط على حالة فيروس كوفيد-19، وانما شملت كل الادوية واللقاحات المصنعة، وهي بذلك تطلب من الشركات المنتجة منح اسرار صناعة ادويتها ومكوناتها لكل الدول، سواء كان لديها بنية تحتية معترف بها دوليا وتوفرت لديها القدرة على التصنيع أم لا. ثانيا، لم تحدد فترة محددة لنهاية الاعفاء، ما يعني صعوبة قبول الشركات والحكومات، أيضا، بسبب التكلفة الاقتصادية الباهظة على الشركات المنتجة.

بالإضافة الى ذلك، حقوق الملكية الفكرية لا تمثل العائق الوحيد أمام الاستفادة من القدرات التصنيعية غير المستغلة للدول النامية، فالحصول على الترخيص لا يعد وحده كافيا لتمكين تلك الدول من التصنيع، وإنما يتطلب الأمر الحصول على التكنولوجيا والمعرفة اللازمتين حتى يتسنى توظيف تلك القدرات لتصنيع اللقاحات، وهو ما يستوجب دعم القدرات البشرية وتوفير الخبرات من مختلف المجالات المرتبطة بعملية تصنيع اللقاح. أيضا، لابد من تحقيق التوزان بين حماية حقوق الملكية الفكرية التي تعد الدعامة الرئيسية لتحفيز البحث والتطوير في مجال إنتاج اللقاحات، وبين توفير اللقاح والدواء اللازمين للحفاظ على الصحة العامة في هذا الظرف الدولي الاستثنائي. 

ومع كل هذه التحفظات والمخاوف، فإن تفاقم الأزمة الصحية العالمية نتيجة ظهور سلالات جديدة من الفيروس، مع إخفاق الجهود الدولية القائمة لاحتواء الجائحة، وعدم كفاية اتفاقات الترخيص الطوعي وطول المدة المطلوبة لإبرامها، والاثر السلبي للشراء المسبق المبالغ فيه التي تبرمه حكومات الدول الغنية مع شركات الدواء الكبرى المصنعة للقاح، افضت إلى فجوة كبيرة في المعروض من إنتاج اللقاحات مقارنة بالطلب العالمي. ومن ثم يتطلب الامر وبشكل عاجل استكشاف كافة الوسائل لزيادة الإنتاج سواء من خلال تمرير مقترح الإعفاء المؤقت من تنفيذ بعض أحكام اتفاقية الجوانب التجارية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية “التريبس”، أو استخدام المرونات التي توفرها الاتفاقية أو تحفيز الشركات على اتخاذ المزيد من الخطوات لنقل التكنولوجيا والمعرفة للدول النامية التي لديها قدرات تصنيعية غير مستغلة تمكنها من تصنيع اللقاحات. ولعله من الأهمية بمكان انتقاء عدد من المراكز الإقليمية التي يمكن استحداثها للإنتاج في الأقاليم المحرومة حاليا من توافر اللقاحات خاصة في القارة الأفريقية. 

من جانب اخر، الحكومات الغربية مدعوة إلى تطوير تشريعاتها الوطنية لتيسير نقل براءات الاختراع والتكنولوجيا والمعرفة ذات الصلة للدول المتلقية، والعمل على اقناع الشركات المنتجة للقاحات على اتاحتها إلى الشركات الموجودة في عدد من الدول النامية، وفق شروط تفصيلية تتناسب مع خطورة الجائحة بالنسبة لشعوب العالم، لا سيما وان هذه الحكومات هي من وفرت الاستثمارات الضخمة لعملية البحث والتطوير التي افضت للتوصل إلى إنتاج اللقاحات. كما ان هذه الحكومات يمكنها النظر في تعويض شركاتها عن بعض خسارتها من اتاحتها للبراءات وللتكنولوجيا المطلوبة لشركات في الدول النامية. وهي ايضا مطالبة بإزالة القيود التي تفرضها على صادراتها من اللقاحات والمنتجات الطبية وايضا للتجارة العالمية في مكونات اللقاحات. كما ان هناك حاجة لتوفير نظم متقدمة لمراقبة الجودة لدى الشركات المرشحة لإنتاج اللقاحات، باعتبارها أحد أهم عناصر عملية تصنيع اللقاحات، التي يتوقف عليها اتخاذ القرار بالتصنيع في أي منشأة من عدمه، بالإضافة الى قيام أطراف دولية بتقديم شهادات تقر فيها بأن الدول المراد نقل الإنتاج اليها تمتلك نظما رقابية وتنظيمية على المستوى المطلوب.  

أن الأزمة الصحية العالمية الحالية تمثل تحديا لكل من الحكومات والشركات المنتجة للقاح على حد سواء لتوفير المطلوب من اللقاحات. صحيح، من الصعوبة بما كان التكهن بالفترة الزمنية التي ستستغرقها عملية زيادة الانتاج العالمي باستخدام القدرات التصنيعية غير المستغلة في الدول النامية، والتي ستتوقف على التقنيات التي سيتم استخدامها ومدى استعداد الدول المتلقية على التكيف مع متطلبات استخدام تلك التقنيات، لكن ليس هناك خيارات كثيرة امام العالم لإيقاف زحف هذا العدو الخفي الذي اثر على الحق في الحياة كما اثر في كافة الحقوق الاقتصادية.

لا شك ان أثر سياسات التلقيح التي تتبعها الدول باتت تضاهي في أهميتها أثر السياسات المالية والنقدية على الأداء الاقتصادي. واذا ما تم تسريع وتيرة التلقيح على مستوى العالم فإن ذلك من شأنه دفع عجلة النمو الاقتصادي والمساهمة في تحقيق مكاسب للاقتصاد العالمي. وعلى العكس، اذا ما استمر استحواذ عدد قليل من الدول الغنية على غالبية الإنتاج العالمي من اللقاحات، فإن ذلك سيؤثر على الاستقرار المالي العالمي ويقوض من حجم التمويل المتاح. 

ان الازمة الصحية غير المسبوقة التي يمر بها عالمنا تتطلب مبادرات جسورة وقوة دفع سياسية لتخطى كافة الإشكاليات الحقوقية. وكما أكد السكرتير العام للأمم المتحدة فأننا جميعا لن نكون في امان حتى يكون كل فرد منا في أمان. 

ــــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٢  أبريل ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب