وحدة الدراسات الاقتصادية

العائد المتوقّع: انضمام مصر لمؤشر “جي بي مورجان” للسندات السيادية

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول احتمالية عودة مصر للانضمام إلى مؤشر جي بي مورجان للسندات السيادية في الاقتصادات الناشئة خلال النصف الثاني من العام الجاري، والمكاسب التي قد تحققها مصر نتيجة ذلك الانضمام، في إشارة إلى أن الحكومة المصرية تسعى جاهدة منذ عامين تقريبًا للانضمام مجددًا إلى ذلك المؤشر الذي كانت مصر عضوًا به حتى حدوث ثورة يناير عام 2011. يجيب هذا المقال عن عدد من التساؤلات الهامة التي تمثل الشروط التي نجحت مصر في الوفاء بها لتحقق ذلك الانضمام، وأهم ملامح الاقتصاد المصري الذي سمح بذلك، وحجم الاستفادة التي ستحققها مصر نتيجة ذلك الانضمام. عن المؤشر تعتبر المؤشرات…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول احتمالية عودة مصر للانضمام إلى مؤشر جي بي مورجان للسندات السيادية في الاقتصادات الناشئة خلال النصف الثاني من العام الجاري، والمكاسب التي قد تحققها مصر نتيجة ذلك الانضمام، في إشارة إلى أن الحكومة المصرية تسعى جاهدة منذ عامين تقريبًا للانضمام مجددًا إلى ذلك المؤشر الذي كانت مصر عضوًا به حتى حدوث ثورة يناير عام 2011. يجيب هذا المقال عن عدد من التساؤلات الهامة التي تمثل الشروط التي نجحت مصر في الوفاء بها لتحقق ذلك الانضمام، وأهم ملامح الاقتصاد المصري الذي سمح بذلك، وحجم الاستفادة التي ستحققها مصر نتيجة ذلك الانضمام.

عن المؤشر

تعتبر المؤشرات أحد أهم الأدوات الرئيسية التي يعتمد عليها المستثمرون (مؤسسات وأفرادًا) غير النشطين (المستثمرين الذين يفضلون إنشاء محافظ مالية أو صناديق الاستثمار التي تحاكي المؤشر) للاستثمار بسوق الأوراق المالية، ومن ثم توجد العديد من بنوك الاستثمار العالمية التي أسست شركات لتقوم بذلك الدور لتسهيل المهمة على مديري الصناديق ومحافظ الاستثمار العالمية. وتعد شركة جي بي مورجان للمؤشرات أحد أبرز الشركات العالمية في مجال إنشاء المؤشرات، وتمتلك الشركة عددًا كبيرًا من المؤشرات التي يتم تقسيمها بين الأسواق (متقدمة، نامية، أسواق ناشئة) أو جغرافيا (آسيا، الشرق الأوسط، أوروبا، أمريكا، جنوب أمريكا) أو وفقًا لنوع الأصول (أسهم، سندات، مشتقات مالية، عملات، سلع وغيرها من التصنيفات). فعلى سبيل المثال، إذا رغب أحد مديري الاستثمار في الاستثمار بالسندات السيادية للأسواق الناشئة فإن أمامه خيارين: إما البحث بنفسه عن أهم السندات التي تُصدرها الأسواق الناشئة والمقارنة بينها من حيث العوائد ومدد الاستحقاق مع دراسة الأوضاع الاقتصادية لتلك الدول المصدرة للسندات، أو الاعتماد على شركة مؤشرات قامت بالفعل بوضع مجموعة من المعايير لإنشاء تلك المؤشرات تتمثل في معايير اقتصادية أو معايير تتعلق بالجغرافيا أو بنوع الأصل المالي (سندات شركات، سندات سيادية) أو بالعملات (يورو، دولار، وغيره..)، ومن ثم الاستثمار في المؤشر الذي يناسب السياسة الاستثمارية لمدير المحفظة أو الصندوق والاستفادة من تلك المؤشرات.

تاريخيًا، ازدادت نسبة الاعتماد على الاستثمار غير النشط (الاستثمار من خلال محاكاة مؤشر ما)، حيث إنه وفقًا لتقرير بنك التسويات الدولي فقد ارتفعت نسبة الأموال المستثمرة من خلال استراتيجية الاستثمار غير النشط من نسبة 5% من حجم الأصول المدارة عالميًا في عام 2005 لتصل إلى 20% من حجم الأصول المدارة عالميًا في عام 2017 لتصل إلى مبلغ 8 ترليونات دولار من إجمالي الأموال المستثمرة بالأصول المالية عالميًا، حيث نما الاستثمار غير النشط بمبلغ 3 ترليونات دولار (أسهم وسندات) خلال الفترة بين 2007 و2017.

تدرك الحكومة المصرية تلك الحقيقة جيدًا، ومن ثم فقد وضعت استراتيجية منذ عامين تهدف لعودة انضمام السندات السيادية المصرية لمؤشر جي بي مورجان للسندات السيادية في الاقتصادات الناشئة من خلال استيفاء مجموعة من المعايير الاقتصادية التي ترتبط بمؤشرات أداء الاقتصاد الكلي.

المعايير التي نجحت مصر في الوفاء بها

نجحت مصر خلال السنوات السابقة، وخاصة السنوات التي لحقت تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، في استيفاء معظم المعايير التي يتطلبها انضمام سندات مصر السيادية إلى ذلك المؤشر، حيث تمكنت الحكومة المصرية من تحقيق فائض أولي بالموازنة العامة للدولة بشكل مستمر منذ عام 2019، وقد ساهم ذلك في نجاح مصر في تحقيق فائض أولي بالموازنة بنسبة 1.5% في عام 2020 (إيرادات الموازنة أكبر من مصروفاتها في حال استبعاد الأعباء التمويلية للماضي). من جانب آخر، بدأت مصر تنفيذ استراتيجية شاملة لضبط الدين بهدف التحول نحو الديون طويلة الأجل، وخفض نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى نسبة 86.1% في العام المالي 2019-2020، تلك النسبة كانت تتجاوز نسبة 100% قبل البدء في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي في عام 2016. ومن ثمّ فإن الوضع الحالي لمصر من حيث امتلاكها مبلغًا يعادل 28.2 مليار دولار من السندات طويلة الأجل (تواريخ استحقاق أكبر من عامين ونصف) فإن ذلك المبلغ يستوفي شروط الانضمام للمؤشر (يمثل ذلك المبلغ الحد الأدنى للانضمام للمؤشر) ويمنح مصر وزنًا نسبيًا يمثل 2% بالمؤشر (إجمالي قيم السندات بالمؤشر تبلغ 1.41 ترليون دولار).

أما الشروط الأخرى للانضمام للمؤشر فتتمثل في قدرة الاقتصاد على توفير السيولة المحلية، والتي يتم قياسها باحتساب نسبة القروض إلى إجمالي الديون (تبلغ النسبة في الوقت الحالي 48%)، بالإضافة إلى التسعير الجذاب للأصول المالية المصرية المحلية وهو ما يتوفر في السندات السيادية المصرية، حيث إن سعرها يُعتبر أقل من سعر السوق بنسبة 40%.

أما عن المخاطر والعوائد التي تقدمها مصر، فتعتبر مصر أعلى من مثيلاتها العالمية، حيث انخفضت مبادلة مخاطر الائتمان (تكلفة التأمين على الديون المصرية أو ما يعرف Credit Default Swap) بنسة 3.30% أو 330 نقطة أساس منذ بداية العام وحتى نهاية مارس، مقابل ارتفاع تلك النسبة في بعض الأسواق الناشئة المماثلة، الأمر الذي كان له أثر إيجابي على تخفيض المخاطر على تلك الأصول المالية ومن ثم ارتفاع معدل العائد المعدل بمستوى المخاطر (Risk Adjusted Return). الأمر الإيجابي الآخر يتمثل في وجود حيز مالي بالاقتصاد المحلي يتراوح بين 5 – 10 مليارات جنيه (يستطيع البنك المركزي ضخ أموال بالسوق بمبلغ 5 – 10 مليارات جنيه دون التأثير على معدل التضخم)، حيث يبلغ معدل التضخم في البلاد 5% وهو يمثل الحد الأدنى المستهدف الذي وضعه البنك المركزي (7% +\- 2%)، وهو ما يوفر المرونة النقدية اللازمة للتواؤم مع الظروف العالمية دون ضغوط على تحريك سعر الفائدة على المدى القريب.

أما عن وضع العملة المحلية (الجنيه المصري) فيعتبر وضعها متوازنًا إلى حد كبير لعدة عوامل، أولها وجود إطار نقدي واسع (حيز نقدي قادر على ضخ مبلغ 5 – 10 مليارات جنيه)، يسهم في توازن العملة المحلية مقارنة بالعملة الأجنبية كما سبقت الإشارة، الأمر الآخر يتمثل في وجود احتياطات نقدية بعملات أجنبية قادرة على تغطية احتياجات البلاد من الواردات لمدة 9 أشهر، وأخيرًا وجود أسعار فائدة حقيقية (سعر الفائدة المعلن مخصومًا منه معدل التضخم) إيجابية قادرة على توفير دعم للاستثمارات في الأصول المالية في مصر بالعملة المحلية، ومن ثم تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي التي تقدم دعمًا لوضع السندات السيادية المصرية وتتيح لها فرصة الانضمام لمؤشر جي بي مورجان ستانلي للاقتصادات الناشئة.

العائد المتوقع

من المتوقع أن تستفيد مصر من انضمام سنداتها السيادية بالدولار لمؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة، حيث إن ذلك الانضمام يجعل مصر مؤهلة لحجم أموال متاحة للاستثمار بمبلغ 240 مليار دولار، ومن ثم فإنه بافتراض وزن مصر النسبي بالمؤشر 2% فإن ذلك يعني تأمين تدفقات مالية لمصر قد تصل إلى 4.8 مليارات دولار (بافتراض الاستثمار غير النشط بالمؤشر الذي يتمثل في محاكاة صناديق الاستثمار أو المحافظ المالية للمؤشر وتخصيص نسبة 2% من أموالهم لمصر)، وهو ما يمثل تأمينًا لمصادر أكثر استدامة للعملة الأجنبية بالبلاد، بالإضافة إلى احتمالية أن يكون لذلك الانضمام أثر إيجابي على العائد المحصل (سعر الفائدة) على إصدارات السندات بالعملات المحلية القادمة، وذلك نظرًا لأن ذلك الانضمام يجعل من السندات السيادية المصرية تستوفي معايير السياسة الاستثمارية للعديد من المحافظ المالية وصناديق الاستثمار والتي يقع ضمن شروطها الاستثمار في سندات سيادية مدرجه ضمن المؤشر.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة