السياسات العامة

إعداد المعلمين: سياسات متشابهة ونتائج مختلفة

تتأثر جودة النظام التعليمي بجودة أداء المعلم داخل الفصول الدراسية، ويمثل ذلك الأداء انعكاسًا لما تلقاه المعلم من إعداد أولي قبل التحاقه بوظيفته، وتدريب أثناء الخدمة، وظروف بيئة العمل المحيطة به. ويُعد الإعداد الأولي حجر الأساس لضمان وجود معلم جيد يتمتع بالمهارات والمعارف التي تساعده على استيفاء شروط التدريس في المراحل التعليمية المختلفة، وتُمكّنه من أداء وظيفته بفاعلية بما ينعكس في الأخير على جودة الخدمة التعليمية ككل. لذلك، يمكن تسليط الضوء على أشهر نماذج إعداد المعلمين عالميًا، ومتطلبات الالتحاق ببرامج إعداد المعلمين والعناصر الأساسية التي يتم إعداد المعلمين وفقًا لها في بعض الدول، وتوضيح أين تقف مصر مقارنةً بهذه الدول.…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

تتأثر جودة النظام التعليمي بجودة أداء المعلم داخل الفصول الدراسية، ويمثل ذلك الأداء انعكاسًا لما تلقاه المعلم من إعداد أولي قبل التحاقه بوظيفته، وتدريب أثناء الخدمة، وظروف بيئة العمل المحيطة به. ويُعد الإعداد الأولي حجر الأساس لضمان وجود معلم جيد يتمتع بالمهارات والمعارف التي تساعده على استيفاء شروط التدريس في المراحل التعليمية المختلفة، وتُمكّنه من أداء وظيفته بفاعلية بما ينعكس في الأخير على جودة الخدمة التعليمية ككل. لذلك، يمكن تسليط الضوء على أشهر نماذج إعداد المعلمين عالميًا، ومتطلبات الالتحاق ببرامج إعداد المعلمين والعناصر الأساسية التي يتم إعداد المعلمين وفقًا لها في بعض الدول، وتوضيح أين تقف مصر مقارنةً بهذه الدول.

نماذج إعداد المعلمين عالميًا

لا يقتصر إعداد المعلمين حول العالم على نموذج واحد، وإنما تتعدد هذه النماذج وفقًا للسياسات التعليمية المتبعة في الدول المختلفة، وقد تجمع دولة واحدة بين أكثر من نموذج. وتنقسم نماذج إعداد المعلمين بين النظام التكاملي، حيث يتلقى الطلاب التأهيل الأكاديمي والتربوي في نفس الوقت، والنظام التتابعي، حيث يتلقى الطلاب التأهيل الأكاديمي في الكليات المختلفة، ثم التأهيل التربوي في كليات التربية بعد الحصول على الدرجة الجامعية. ومن هذه النماذج:

النموذج الأول: يعتمد هذا النموذج على الدمج بين المعرفة التربوية والمعرفة الأكاديمية والتدريب العملي على التدريس؛ وفي هذا النموذج يتلقى الطلاب جميع الدروس من نفس المؤسسة التي قد تكون كلية التربية أو كلية المعلمين أو معاهد الدراسات التربوية، ويتم التركيز على المجال التربوي في أول عامين من الدراسة، في حين يتحول التركيز إلى المعارف المهنية في العامين التاليين، ويتم تدريس المعرفة المهنية والتدريب العملي على التدريس في العامين الثالث والرابع.

النموذج الثاني: يشبه النموذج السابق في الدمج بين التأهيل التربوي والأكاديمي، ويكمن الاختلاف في التحاق الطلاب بكليات العلوم والآداب حيث يحصلون على التأهيل الأكاديمي في كلياتهم، في حين يتلقون المعرفة التربوية والتدريب العملي على التدريس في كليات وأقسام أخرى بالتوازي مع دراستهم الجامعية.

وفي النموذجين السابقين، يتلقى الطلاب في السنة الأولى دروسًا عامة إلزامية ويكونون مسئولين عن متابعة فصول دراسية في بيئات مدرسية متنوعة. وفي بداية العام الدراسي الثاني، يقرر الطلاب المرحلة الدراسية التي يرغبون في التدريس بها، وفي الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي الثالث يبدءون في التدريب العملي على التدريس. وفي الوقت الذي يتلقى فيه الطلاب التأهيل الأكاديمي في كليات العلوم أو الآداب أو أي كلية أخرى، يحصلون على المعرفة التربوية من كليات التربية. وفي العام الرابع يتلقى الطلاب تأهيلًا إضافيًا في التخصصات التي سيقومون بالتدريس بها، كما يتم مناقشة المشكلات التي تواجههم أثناء التدريب العملي. 

النموذج الثالث: يعتمد هذا النموذج على التتابع فيما يخص حصول الطلاب على درجة جامعية ثم معرفة تربوية وتدريب عملي، حيث ينهي الطلاب دراستهم في إحدى الكليات ثم يحصلون على شهادة في التدريس على مدى فصلين دراسيين أو أربعة فصول دراسية.

ولا يختلف إعداد المعلمين في مصر عن النماذج سالفة الذكر، حيث تتحمل كليات التربية في الجامعات المختلفة مسئولية إعداد المعلمين، سواء بالنظام التكاملي لمدة أربع سنوات متواصلة، حيث يتلقى الطلاب المعارف الأكاديمية والتربوية في العامين الأول والثاني، ثم يضاف إلى ذلك التدريب العملي على التدريس في العام الجامعي الثالث، ويستمر حتى نهاية العام الرابع، أو بالنظام التتابعي لمدة عام دراسي واحد أو اثنين بعد إنهاء الدراسة الجامعية، حيث ينهي الطلاب الدراسة الجامعية في التخصصات المختلفة أولًا، ثم يتلقون التأهيل التربوي والتدريب العملي على التدريس على مدار عام أو عامين في كليات التربية ليحصلوا على ما يسمى بـ”الدبلوم العام في التربية”.

متطلبات الالتحاق بكليات إعداد المعلمين

تختلف متطلبات الالتحاق بكليات وبرامج الإعداد الأولي للمعلمين من دولة إلى أخرى، خاصةً في النظام التكاملي، حيث تتطلب كليات ومعاهد التربية في معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يكون الطالب حاصلًا على شهادة إتمام المرحلة الثانوية على الأقل بمعدل درجات محدد، في حين تلجأ بعض الدول إلى إجراء مقابلة شخصية مع الطلاب المتقدمين لكليات وبرامج إعداد المعلمين، وتلجأ مجموعة ثالثة إلى اختبار تنافسي بين المتقدمين، وقد أقرت معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الجمع بين أكثر من طريقة عند اختيار الطلاب للالتحاق ببرامج وكليات إعداد المعلمين وفقًا للنظام التكاملي.

أما في النظام التتابعي، فتقتصر المتطلبات على حصول المتقدم على درجة جامعية بتقدير مناسب تحدده كليات أو معاهد التربية. ويكمن الاختلاف في عدد السنوات الجامعية للمتقدم، حيث تشترط بعض الكليات أن يكون المتقدم حاصلًا على مؤهل جامعي مدته ثلاث سنوات على الأقل ليستكمل دراسة العلوم التربوية والتدريب العملي على التدريس لمدة عامين، في حين تصل مدة المؤهل الجامعي في بعض الدول إلى أربع سنوات كما هو الحال في مصر.

ويعتمد قبول الطلاب في كليات التربية في مصر على مجموع درجات الطلاب في الثانوية العامة، بالإضافة إلى إجراء مقابلة شخصية للتأكد من وجود الاستعدادات التي تؤهلهم لممارسة مهنة التدريس مع عدم وجود ما يعيقهم عن القيام بمسئولياتهم التدريسية بعد التخرج. 

اختلافات جوهرية في الإعداد

أوضحت مجموعة من الدراسات التربوية أن برامج إعداد المعلم في مصر تكتنفها العديد من المشكلات المتمثلة في انخفاض مستوى الكفاءة الداخلية والخارجية للبرامج، وقصور واضح في أساليب اختيار العناصر الطلابية المتميزة للالتحاق بمؤسسات إعداد المعلمين، وضعف الكفايات الإبداعية لدى الكثيرين من خريجي كليات التربية، وهو ما أكده تقرير التنافسية الدولية 2019، حيث حلت مصر في المرتبة 123 من بين 141 دولة في مؤشر “التفكير النقدي في التدريس” بعد أن حصلت على 2.7 درجة على مؤشر من سبع درجات. 

وعلى الرغم من تشابه نظام إعداد المعلمين في مصر مع بعض الدول الأخرى حول العالم، إلا أن هناك اختلافات جوهرية تتمثل فيما يلي:

عدد سنوات الدراسة

تلتزم كليات التربية للتعليم العام أو التعليم الأساسي أو رياض الأطفال بعدد سنوات موحد مثل معظم الكليات الأخرى وهو أربع سنوات للنظام التكاملي دون النظر إلى التخصصات التي يختارها الدارسون، بينما تختلف مدة الدراسة في فنلندا لتصل إلى خمس سنوات، وهي نفس المدة في كندا، حيث يحتاج الطالب ثلاث سنوات للحصول على درجة البكالوريوس وسنتين للحصول على درجة الماجستير لاستيفاء متطلبات شغل وظائف المعلمين هناك. أما في سنغافورة، فيحصل الدارسون على درجة البكالوريوس في العلوم أو الآداب أولًا في مدة تتراوح بين 3.5 و4 سنوات، ثم يحصلون على الدبلوم التربوي الذي يمتد لعامين للتدريس في المرحلة الابتدائية وعام واحد للتدريس في المرحلة الثانوية.

نسبة القبول في برامج إعداد المعلمين

لا تتوفر بيانات كافية حول أعداد المتقدمين للالتحاق بكليات التربية المصرية على اختلافها أو نسبة من تم قبولهم للالتحاق بها من إجمالي عدد المتقدمين؛ فالأساس في قبول الطلاب هو مجموع الثانوية العامة ثم المقابلة الشخصية التي تتم بشكل روتيني، ما يعني قبول جميع المتقدمين تقريبًا. أما في فنلندا، فهناك عدد محدد للقبول وهو ما يتسبب في انخفاض نسبة القبول في برامج إعداد المعلمين لتتراوح بين 10 و12% فقط من إجمالي المتقدمين. وفي كندا – أونتاريو على وجه التحديد، بلغت نسبة القبول في كليات إعداد المعلمين 20% فقط بعد أن خفضت عدد الأماكن المتاحة إلى النصف كخطوة لإصلاح نظام إعداد وتكوين المعلمين وتحسين جودته منذ 2014.

جوانب إعداد المعلمين

تضم جوانب إعداد المعلمين في الجامعات المصرية خمسة عناصر، هي:

العلوم الأساسية المهنية التربوية: وهي العلوم التي يدرسها الطلاب وترتبط بإعدادهم المهني، وتمثل 12 – 25% من جملة المقررات الدراسية.

العلوم التخصصية والمساندة: وهي العلوم التي ترتبط بإعداد الطلاب التخصصي، وتمثل 43 – 57% من جملة المقررات.

التدريب الميداني: وهو التطبيق العملي لما يدرسه الطلاب في مواقف تدريسية ومهنية، سواء داخل الكلية أو في مؤسسات التعليم، وتمثل 12 -18%.

 العلوم الثقافية: ترتبط بالتكوين الثقافي للطلاب، وتمثل 3 – 7% من المقررات.

علوم التميز: هي العلوم التخصصية أو التربوية أو الثقافية التي تختارها الكلية لتميزها عن مثيلاتها، وتمثل 6 – 7% من المقررات.

أما في فنلندا على سبيل المثال، فتنقسم جوانب إعداد المعلمين إلى:

دراسات رئيسية: وتضم الدراسات التأسيسية، والدراسات المتقدمة، ودراسات الإعداد المهني للمعلمين، وتمثل 65 – 70% من جملة الساعات المعتمدة.

دراسات فرعية: وتضم موضوعات متعددة التخصصات مثل أصول التعليم، وموضوعات فرعية أخرى، وتمثل 30 -35% من الساعات المعتمدة.

دراسات أخرى واختيارية: تتضمن دراسة اللغات ومهارات التواصل، وتمثل حوالي 8% من إجمالي الساعات المعتمدة.

وبوجه عام، تركز مؤسسات إعداد المعلمين في سنغافورة وكندا وفنلندا على تقديم نظريات حول التعليم وطرق التدريس ومقررات في المواد التخصصية وبرامج توجيه قائمة على إعداد البحوث والمنهج المبتكر القائم على الإبداع وحل المشكلات، ولكن الاختلاف يتمثل في مدة التدريب الميداني في هذه الدول، حيث تصل إلى عام كامل في فنلندا، بينما تتراوح بين 8 أسابيع و10 أسابيع في كندا وسنغافورة.

أحادية التخصص

لا تتيح الدراسة في كليات التربية المصرية على اختلافها أن يتخصص الطلاب في أكثر من مادة منذ العام الأول لالتحاقه بالكلية وحتى إنهاء دراسته، ويتحدد ذلك التخصص بناءً على التنسيق الداخلي للكلية بعد أن يبدي الطالب رغبته في ثلاثة تخصصات. أما في فنلندا وسنغافورة، فتتيح مؤسسات إعداد المعلمين لطلابها تخصصين أحدهما أساسي والآخر فرعي بحيث يتمكن المعلمون عند الالتحاق بوظائفهم من تدريس أكثر من مادة كالرياضيات والفيزياء على سبيل المثال.

من كل ما سبق، يتضح أن خطوات إعداد المعلمين في مصر تتشابه -إلى حدٍّ كبير- مع النظم العالمية، ولكن الاختلاف يكمن في الخطوات التفصيلية التي تتبعها الدول الأخرى بدايةً من المعايير والشروط الخاصة بالتحاق الطلاب بمؤسسات إعداد المعلمين، ومرورًا بجوانب الإعداد التي تتحدد حسب رغبات الطلاب في المقام الأول، وانتهاءً بمعايير توظيف هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم. وبالتالي، فإن إعادة النظر في أعداد الملتحقين بكليات التربية في مصر سنويًا، ومعايير جودة البرامج المقدمة في هذه الكليات، وربط أعداد الخرجين باحتياجات المدارس أصبح ضرورة لا غنى عنها في ظل عملية إصلاح التعليم التي تقوم بها الدولة المصرية في الوقت الحالي.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة