وحدة الدراسات الاقتصادية

“التمويل العقاري”: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية

شهدت السنوات الأخيرة إطلاق الحكومة المصرية عددًا من المبادرات لتنشيط الاقتصاد المحلي، ودفع معدلات النمو الاقتصادي، مثل مبادرة البنك المركزي للعملاء غير المنتظمين في السداد التي تم إطلاقها عام 2018، ومبادرة دعم السياحة التي تم إطلاقها عام 2013، ومبادرة رواد النيل لدعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، ومبادرة التمويل العقاري عام 2014، ومبادرة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر في يناير 2016. ومع تأثير أزمة جائحة كورونا على الاقتصاد تم إطلاق العديد من المبادرات لدعم القطاعات الأكثر تضررًا ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، والحد من البطالة، مثل دعم العمالة غير المنتظمة، ومبادرات دعم قطاع الصحة، ومبادرات دعم السياحة، ومبادرة التمويل العقاري لعام…

أسماء رفعت

شهدت السنوات الأخيرة إطلاق الحكومة المصرية عددًا من المبادرات لتنشيط الاقتصاد المحلي، ودفع معدلات النمو الاقتصادي، مثل مبادرة البنك المركزي للعملاء غير المنتظمين في السداد التي تم إطلاقها عام 2018، ومبادرة دعم السياحة التي تم إطلاقها عام 2013، ومبادرة رواد النيل لدعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، ومبادرة التمويل العقاري عام 2014، ومبادرة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر في يناير 2016. ومع تأثير أزمة جائحة كورونا على الاقتصاد تم إطلاق العديد من المبادرات لدعم القطاعات الأكثر تضررًا ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، والحد من البطالة، مثل دعم العمالة غير المنتظمة، ومبادرات دعم قطاع الصحة، ومبادرات دعم السياحة، ومبادرة التمويل العقاري لعام 2021.

ومع أهمية التمويل العقاري في تنشيط قطاع العقارات في مصر، وانعكاس ذلك على النواحي الاقتصادية والاجتماعية للدولة، تم إطلاق مبادرة جديدة للتمويل العقاري عام 2021 بعد انتهاء المبادرة الأولى في يناير 2019، مع تقديم امتيازات أفضل تيسيرًا للمواطن المصري في ظل تأثير أزمة جائحة كورونا على الاقتصاد المصري.

ويتناول المقال استعراض مبادرة البنك المركزي للتمويل العقاري لعام 2021، ومقارنتها بالمبادرة الأولى التي تم إطلاقها عام 2014، وتوضيح تأثيرها المتوقع على النشاط الاقتصادي والجوانب الاجتماعية، وإبراز أهم جوانب القصور في المبادرة التي من شأنها الحد من تأثيرها الإيجابي المتوقع.

مبادرات البنك المركزي للتمويل العقاري لعامي 2014 و2021

مع تبني السلطات النقدية والمالية بالدولة للعديد من المبادرات الاقتصادية، جاءت مبادرة التمويل العقاري على رأس تلك المبادرات، نظرًا لأهمية التمويل العقاري في تنشيط سوق العقارات وأهمية قطاع العقارات في دفع النمو الاقتصادي في مصر؛ إذ يساهم بنحو ما يزيد على 10% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2019/2020، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.

وقد أطلق البنك المركزي عددًا من المبادرات الخاصة بالتمويل العقاري جاء أولها في فبراير عام 2014، حيث تم تخصيص مبلغ 10 مليارات جنيه مصري كشريحة أولى، ثم تمت إضافة 10 مليارات جنيه أخرى كشريحة ثانية بعد نفاد الشريحة الأولى، لمدة حدها الأقصى 20 سنة وبسعر فائدة يتراوح بين 5% و7% بالنسبة لمحدودي الدخل و8% لمتوسطي الدخل، ثم تم إدراج شريحة فوق متوسطي الدخل بفائدة 10.5% لتوسيع دائرة المستفيدين، على أن يكون الحد الأقصى للدخل الشهري لمتوسطي الدخل 8 آلاف جنيه للأعزب و10 آلاف جنيه للأسر، وألا تزيد قيمة الوحدة محل التمويل على 300 ألف جنيه تمت زيادتها إلى 400 ألف جنيه ثم 500 ألف جنيه. وانتهت المبادرة في يناير 2019.

وفي مارس 2021، وجّه الرئيس عبدالفتاح السيسي البنك المركزي بإطلاق برنامج جديد للتمويل العقاري لصالح الفئات من محدودي ومتوسطي الدخل لدعم قدرتهم على تملك الوحدات السكنية، وذلك بقروض طويلة الأجل تصل إلى 30 سنة وبفائدة منخفضة ومبسطة لا تتعدى 3%، ويبلغ حجم المبادرة 100 مليار جنيه. ويشترط للاستفادة من المبادرة بالنسبة لمحدودي الدخل ألا يزيد الدخل الشهري على 4 آلاف جنيه للأعزب أو 6 آلاف جنيه للأسرة الواحدة، وألا تزيد قيمة الوحدة السكنية الذي سيجري شراؤها من خلال المبادرة عن 350 ألف جنيه. وفيما يخص متوسطي الدخل، فلا يزيد الدخل الشهري على 10 آلاف جنيه للأعزب و14 ألف جنيه للأسرة، وألا تزيد قيمة الوحدة السكنية على مليون جنيه. ويشترط أن تكون الشقة كاملة التشطيب وبها جميع المرافق، وقابلة للتسجيل.

ويوضح الجدول التالي أهم الفروق الرئيسية بين مبادرتي التمويل العقاري لعامي 2014 و2021، والتي تبرز زيادة قيمة المبادرة وطول مدة السداد وانخفاض سعر الفائدة.

أهمية مبادرة التمويل العقاري اقتصاديًا واجتماعيًا

تأتي أهمية المبادرة من أهمية دور القطاع العقاري في دفع النمو الاقتصادي؛ نظرًا لتعدد الروابط الأمامية والخلفية مع العديد من القطاعات والأنشطة الأخرى، إذ يرتبط سوق العقارات بروابط خلفية مع قطاعات المقاولات ومواد البناء، والتشييد وغيرها، ويرتبط بروابط أمامية مع قطاعات التشطيبات، والديكور، وصناعات الأثاث والأجهزة الكهربائية وغيرها من الصناعات اللازمة لتجهيز الوحدات السكنية. فيتوقع أن يؤدي زيادة الطلب على العقارات إلى دفع النشاط الاقتصادي في عدد كبير من القطاعات، وتوفير فرص عمل، وزيادة معدلات النمو الاقتصادي.

وقد تزامن إطلاق تلك المبادرة مع وجود حالة من الهدوء والترقب في سوق العقارات من جهة، وازدياد الحاجة إلى وحدات الإسكان الاقتصادي والمتوسط مع تزايد أعداد السكان من جهة أخرى، خاصة مع افتتاح العاصمة الإدارية خلال الفترة المقبلة، ونقل عدد من الموظفين الذين سيحتاجون الحصول على وحدات سكنية بشروط ميسرة. لذلك، من المتوقع أن تؤدي تلك المبادرة إلى حدوث انتعاش في سوق العقارات، من خلال زيادة الطلب على الوحدات السكنية، خاصة مع ارتفاع قيمة المبادرة إلى 100 مليار جنيه مقارنة بنحو 20 مليار جنيه بمبادرة عام 2014.

أما بالنسبة لتأثير المبادرة على الاستثمارات، فمع توقع زيادة الطلب على العقارات واتجاه أسعار الفائدة البنكية إلى الاستقرار، يدفع ذلك إلى زيادة الاستثمارات في قطاع العقارات، خاصة في ظل ما يوفره الاستثمار العقاري مع عائد مرتفع ومخاطر منخفضة، واعتباره الملاذ الآمن في ظل انعكاس تأثر أزمة كورونا على الأوضاع الاقتصادية.

وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن توفير المسكن الملائم لمحدودي الدخل وأصحاب الدخول المتوسطة من شأنه تحقيق العدالة الاجتماعية بين فئات المجتمع، ومع انخفاض سعر الفائدة وطول مدة السداد فإن ذلك يتيح للأفراد تملك الوحدات السكنية بتكلفة تقترب من تكلفة الإيجار بما يؤدي إلى ارتفاع مستوى معيشة الأفراد.

حدود تفعيل مبادرة التمويل العقاري

تشترط مبادرة التمويل العقاري أن تكون الوحدة السكنية محل التمويل كاملة التشطيب وبها جميع المرافق، وقابلة للتسجيل. ولذلك من المتوقع أن تكون الوحدات داخل المدن الجديدة هي الأكثر استفادة من هذه المبادرة، نظرًا لإمكانية تسجيل هذه الوحدات في الشهر العقاري. ويقودنا ذلك إلى قضية نظام التسجيل المتبع في مصر حاليًا ومنذ أكثر من 70 عامًا، وهو نظام التسجيل الشخصي الذي يتم بمقتضاه تعقب الملكية بالأشخاص، ومع صعوبة تتبع ملاك الوحدة السكنية منذ إنشائها وحتى الآن، نجد أن الغالبية العظمى من الوحدات السكنية القديمة غير مسجلة، وذلك بعكس الحال في ظل نظام التسجيل العيني الذي يتم بمقتضاه تسجيل الوحدات العقارية من خلال العنوان وليس الشخص المالك وهو النظام الأمثل والأسهل في تحديد ملكية العقار وتسجيله بالشهر العقاري. ومع إرجاء تنفيذ قانون الشهر العقاري يجب النظر في قضية تسجيل العقارات لتسهيل الاستفادة من المبادرات المطروحة فيما بعد بشأن التمويل العقاري وتوسيع نطاقها.

ختامًا، تعكس مبادرة البنك المركزي للتمويل العقاري الدور الرئيسي للجهاز المصرفي المصري في تنشيط ودفع النشاط الاقتصادي، بالإضافة إلى دوره الاجتماعي في توفير سكن لائق خاصة لمحدودي ومتوسطي الدخل، إلا أنه ينبغي إعادة النظر في آلية تسجيل العقارات والقوانين الأخرى المنظمة للسوق العقاري، لتعظيم الاستفادة من المبادرات التي يتم طرحها للتمويل العقاري.

أسماء رفعت