وحدة الدراسات الاقتصادية

“الدلتا الجديدة”: خطوة جديدة للنهوض بالقطاع الزراعي

تُولي مصر اهتمامًا ملحوظًا بقطاع الزراعة نظرًا لأهميته للاقتصاد المصري؛ إذ يعتبر من القطاعات الحيوية التي توفر مصدرًا لدخل الملايين من المواطنين، كما يرتبط القطاع بالعديد من القطاعات الأخرى مثل قطاع الأسمدة الكيماوية والغزل والنسيج والصناعات الغذائية. كما أصبحت الصادرات الزراعية المصرية من أهم مصادر النقد الأجنبي، خاصة في الوقت الذي ضغطت فيه جائحة كورونا على مصادر الاحتياطي النقدي الأخرى. وفي هذا الإطار، أطلق رئيس الجمهورية “عبدالفتاح السيسي” مشروعًا قوميًا جديدًا للتنمية الزراعية المتكاملة بمسمى “مشروع الدلتا الجديدة”، لاستصلاح وزراعة أكثر من مليون فدان. كيف يصب مشروع “الدلتا الجديدة” في صالح القطاع الزراعي؟ يأتي مشروع “الدلتا الجديدة” –الذي يقع في…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تُولي مصر اهتمامًا ملحوظًا بقطاع الزراعة نظرًا لأهميته للاقتصاد المصري؛ إذ يعتبر من القطاعات الحيوية التي توفر مصدرًا لدخل الملايين من المواطنين، كما يرتبط القطاع بالعديد من القطاعات الأخرى مثل قطاع الأسمدة الكيماوية والغزل والنسيج والصناعات الغذائية. كما أصبحت الصادرات الزراعية المصرية من أهم مصادر النقد الأجنبي، خاصة في الوقت الذي ضغطت فيه جائحة كورونا على مصادر الاحتياطي النقدي الأخرى.

وفي هذا الإطار، أطلق رئيس الجمهورية “عبدالفتاح السيسي” مشروعًا قوميًا جديدًا للتنمية الزراعية المتكاملة بمسمى “مشروع الدلتا الجديدة”، لاستصلاح وزراعة أكثر من مليون فدان.

كيف يصب مشروع “الدلتا الجديدة” في صالح القطاع الزراعي؟

يأتي مشروع “الدلتا الجديدة” –الذي يقع في الساحل الشمالي الغربي عند منطقة محور الضبعة- ضمن استراتيجية الدولة لإنشاء مجتمعات زراعية وعمرانية جديدة بنظم إدارية حديثة، وتشييد مجمعات صناعية تقوم على الإنتاج الزراعي، حيث يهدف إلى استصلاح وزراعة أكثر من مليون فدان منها نصف مليون تحت ظلال مشروع مستقبل مصر، و600 ألف فدان آخرين في محور الضبعة. ويقترب موقع المشروع من الدلتا القديمة ويحتوي على شبكة قوية من الطرق، ويقترب من الموانئ، وهو الأمر الذى يدعم تصدير السلع الزراعية إلى الأسواق العالمية.

كما يستهدف تحقيق الأمن الغذائي ومواجهة متطلبات الزيادة المستمرة في تعداد السكان من الغذاء، والحد من الاعتماد على استيراد السلع الغذائية الاستراتيجية، وتحقيق معدلات عالية من الاكتفاء الذاتي بشكل حقيقي ومستدام، ولا سيما في ضوء ما تبين من الأهمية القصوى للقطاع الزراعي خلال أزمة جائحة كورونا.

وعلاوة على ما سبق، من المتوقع أن يُساهم المشروع في زيادة الرقعة الزراعية في مصر مع تعويض الفقد في الأراضى الزراعية الناجم عن البناء الجائر، بالتوازي مع تخفيف الضغط على الدلتا والوادي وتوفير الآلاف من فرص العمل الجديدة بهدف الحد من انتشار البطالة. كما أثبتت نتائج الدراسات التفصيلية لأراضي المشروع أن الأرض تصلح لزراعة المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والذرة الصفراء، والبقوليات ومحاصيل الخضراوات وأنواع مختلفة من الفواكه.

وانطلاقًا من تلك الأهمية، وجه الرئيس “السيسي” بالبدء الفوري في تنفيذ مشروع “الدلتا الجديدة”، مع دمج مراحل التنفيذ وضغط الجدول الزمني، فبعد أن كان سيتم على 3 مراحل يتم تنفيذها على 6 سنوات، تم ضغط التنفيذ إلى عامين من خلال مرحلة واحدة.

نظرة على القطاع الزراعي المصري

يوفر القطاع الزراعي حوالي 55% من احتياجات البلاد من الغذاء، ويساهم بحوالي 12% في الناتج المحلي الإجمالي، وبنحو 20% في الصادرات السلعية، وفقًا للجمعية المصرية للاقتصاد الزراعي.

وفي السياق ذاته، ساهم قطاع الزراعة والغابات والصيد في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 669.8 مليار جنيه خلال عام 2019/2020، مقارنة مع 588 مليار جنيه عام 2018/2019. ووصل إجمالي الصادرات الزراعية إلى 5 ملايين طن عام 2020، مقابل 5.5 ملايين طن المسجلة خلال عام 2019. وتُعد مصر الأولى عالميًا في تصدير الموالح والفراولة المجمدة، كما تأتي في المركز الأول إفريقيًا والسادس عالميًا في الاستزراع السمكي. وفيما يلي أهم المؤشرات على أداء القطاع الزراعي في مصر:

الشكل (1): صادرات وواردات المواد الغذائية (% من صادرات، واردات السلع)

المصدر: البنك الدولي، إحصائيات عن القطاع الزراعي.

من الشكل السابق يتبين استقرار نسبة واردات المواد الغذائية من إجمالي واردات السلع حول متوسط 20% خلال الفترة المذكورة أعلاه، في حين تراوحت نسبة صادرات المواد الغذائية من إجمالي صادرات السلع بين 15% إلى 20%. ويُمكن عرض تطور الناتج الإجمالي للقطاع الزراعي على النحو الآتي:

الشكل (2): الناتج المحلي الإجمالي بتكلفة عوامل الإنتاج للقطاع الزراعي بالأسعار الجارية

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية.

يتبين من الشكل السابق ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بتكلفة عوامل الإنتاج للقطاع الزراعي (بالأسعار الجارية) خلال الفترة من العام المالي 2013/2014 وحتى 2019/2020 بنحو 96% من 341.74 مليار جنيه إلى 669.78 مليار جنيه. وعن إجمالي الاستثمارات المنفذة خلال الفترة نفسها:

الشكل (3): الاستثمارات المنفذة في قطاع الزراعة والري والاستصلاح

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية.

يتضح من الشكل (3) أن إجمالي الاستثمارات المنفذة من القطاعين العام والخاص في قطاع الزراعة والري والاستصلاح قفزت من 11.38 مليار جنيه خلال 2013/2014 مسجلة 40.75 مليار جنيه بحلول العام المالي 2019/2020. ويلاحظ أن الاستثمارات قد انخفضت بحوالي 16.75% على أساس سنوي خلال العام المالي الأخير المنتهي في يونيو 2020 بفعل تأثير جائحة كورونا على استثمارات كافة القطاعات. وفيما يلي نظرة على عدد العاملين لدى القطاع الزراعي.

الشكل (4): نسبة العاملين بالقطاع الزراعي من إجمالي المشتغلين

المصدر: البنك الدولي، إحصائيات عن القطاع الزراعي.

يبين الشكل السابق تراجع عدد العاملين بالقطاع الزراعي كنسبة من إجمالي عدد المشتغلين خلال الفترة محل الدراسة، حيث انخفضت النسبة من 27.55% عام 2015 لتصل إلى 20.62% عام 2019، وقد يرجع ذلك إلى زيادة اعتماد القطاع على الآلات الحديثة بنسبة أكبر من اعتماده على الأيدي العاملة.

ويُعتبر مؤشر إجمالي المساحة المنزرعة من أهم الدلائل على أداء القطاع الزراعي، والذي يُمكن عرضه على النحو التالي:

الشكل (5): إجمالي المساحة المنزرعة (ألف فدان)

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تقرير مصر في أرقام – الزراعة.

يتضح من الشكل السابق ارتفاع المساحة المنزرعة في إجمالي الجمهورية إلى 9.193 مليون فدان بحلول عام 2018 مقارنة مع 8.741 مليون فدان خلال عام 2010، وهو ما يمثل ارتفاعًا بنحو 5.17%.

جهود الدولة لتعزيز مكانة القطاع الزراعي

أطلقت الحكومة المصرية العديد من المشروعات القومية خلال السنوات القليلة الماضية كمشروع المليون ونصف فدان والـ100 ألف صوبة زراعية ومشروعات الثروة الحيوانية والاستزراع السمكي وعودة تصدير الدواجن.

كما حققت مصر اكتفاءً ذاتيًا من الخضراوات والفاكهة بنسبة 100% وبإنتاج بلغ 20.5 مليون طن للخضراوات و10.7 ملايين طن للفاكهة، كما تم تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز والبصل بنسبة 100% عقب إنتاج 6.5 مليون طن و4 ملايين طن على الترتيب. وخلال عام 2020 وحده، تم تسويق 305 سلع زراعية مصرية بأسواق 160 دولة، كما تم فتح 11 سوقًا جديدًا أمام الصادرات المصرية وأهمها السوق الياباني.

وفيما يتعلق بجهود الدولة لدعم المزارعين، فقد تم إطلاق منظومة كارت الفلاح الذكي، والتي تعد إحدى المنظومات الجديدة لحماية الفلاح بهدف الحفاظ على حقوقه وتسهيل توجيه مستلزمات الإنتاج إلى من يستحق فعليًا. 

واستكمالًا لهذه الجهود، بلغ إجمالي تكلفة دعم الدولة للفلاحين والمزارعين لتمويل برنامج التنمية الزراعية ما يتراوح بين 400 مليون جنيه إلى 800 مليون جنيه، بينما يصل إجمالي القروض المقدمة لهم لتمويل المحاصيل الزراعية والخضروات والفاكهة نحو 8 مليارات جنيه.

وبالنسبة لجهود الدولة لتنمية الثروة الحيوانية، أطلق الرئيس “السيسي” المشروع القومي لإحياء البتلو للعمل على تقليل الفجوة بين الاستيراد والإنتاج في اللحوم، والعمل على الوصول إلى الاكتفاء الذاتي منها، ويهدف المشروع إلى رفع الإنتاجية من اللحوم الحمراء، وتعزيز مساهمة الجمعيات والشركات مع الحكومة في حل مشكلة العجز في اللحوم الحمراء.

كما تم اتخاذ خطوات ملموسة في مجال مراكز توزيع وتجميع الألبان على مستوى الجمهورية، حيث تم تخصيص قروض من البنك الزراعي المصري لتمويل شراء معدات في 15 مركزًا لتجميع الألبان تبلغ قيمتها نحو 9.4 مليون جنيه.

وخلاصة ما سبق، تسعى المشروعات الزراعية والغذائية التي يتم إنشاؤها على سد الفجوة بين الإنتاج والاستيراد من أجل توفير النقد الأجنبي لصالح الاقتصاد المحلي عبر تصدير الفائض من المنتجات الزراعية، ومن المتوقع أن يساهم مشروع “الدلتا الجديدة” في تحقيق هذه الأهداف.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة