تنمية ومجتمع

نقلة نوعية: الاعتماد والجودة في التعليم المصري

عانى التعليم قبل الجامعي المصري على مدار سنوات من ضعف الجودة، وأصبحت مخرجات النظام التعليمي لا تتماشى مع ما يشهده العالم من تقدم علمي وتكنولوجي، ولا تلبي احتياجات سوق العمل، وهو ما حاولت وزارة التربية والتعليم التغلب عليه من خلال إجراء تعديلات عديدة على النظام التعليمي، ولكن جهود الوزارة وحدها لم تكن كافية لضمان جودة التعليم، لتنشأ الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد منذ 2006، وقد عقد الجميع آمالًا كبيرة على هذه الهيئة في إحداث نقلة نوعية في جودة مخرجات النظام التعليمي، فما هي المحصلة بعد خمسة عشر عامًا؟ الإطار التنظيمي والاختصاصات وفقًا للقانون رقم (82) لسنة 2006 ولائحته التنفيذية،…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

عانى التعليم قبل الجامعي المصري على مدار سنوات من ضعف الجودة، وأصبحت مخرجات النظام التعليمي لا تتماشى مع ما يشهده العالم من تقدم علمي وتكنولوجي، ولا تلبي احتياجات سوق العمل، وهو ما حاولت وزارة التربية والتعليم التغلب عليه من خلال إجراء تعديلات عديدة على النظام التعليمي، ولكن جهود الوزارة وحدها لم تكن كافية لضمان جودة التعليم، لتنشأ الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد منذ 2006، وقد عقد الجميع آمالًا كبيرة على هذه الهيئة في إحداث نقلة نوعية في جودة مخرجات النظام التعليمي، فما هي المحصلة بعد خمسة عشر عامًا؟

الإطار التنظيمي والاختصاصات

وفقًا للقانون رقم (82) لسنة 2006 ولائحته التنفيذية، فإن الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد هي هيئة مستقلة تتبع رئيس مجلس الوزراء، الذي يصدر بدوره قرار تشكيل مجلس إدارة الهيئة. وبالاطلاع على أهداف الهيئة، يتضح أنها جهة توعوية تهدف إلى نشر ثقافة الجودة، وداعمة للمؤسسات التعليمية للقيام بالتقييم الذاتي، كما تهدف إلى التقويم الشامل للمؤسسات التعليمية وبرامجها طبقًا للمعايير القياسية والمعتمدة لكل مرحلة تعليمية، وهي بذلك لا تلعب دورًا رقابيًا ولا تمثل جهة إصدار قرارات ملزمة لوزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي.

وقد حدد القانون أبرز أدوار الهيئة فيما يلي:

وضع السياسات والاستراتيجيات الخاصة بضمان جودة التعليم وإعداد تقارير التقويم والاعتماد والإجراءات التنفيذية اللازمة لذلك.

تقويم البرامج والأداء في المؤسسات التعليمية من حيث البنية الأساسية والأنشطة الطلابية والمجتمعية والمناخ التربوي وثقافة التعليم والتعلم والبحث العلمي.

إصدار شهادات الاعتماد وتجديدها وإيقافها وإلغاؤها في حالة عدم استيفاء الحد الأدنى من شروط الاعتماد.

تقديم المشورة للمؤسسات التعليمية التي لم تحقق المستويات المطلوبة من الجودة، وذلك من خلال تقارير مكتوبة تبين جوانب القصور وما يلزم من إجراءات لتلافيها لتحقيق مستوى الجودة المطلوب.

الترخيص للأفراد ومنظمات المجتمع المدني وغيرها ممن تتوافر فيهم الشروط والمواصفات التي تحددها الهيئة بممارسة أعمال التقويم والقيام بزيارات المراجعة للمؤسسات التعليمية واستعانة الهيئة بهم في هذه الأعمال.

بذلك، يتضح أن أدوار الهيئة تنحصر في التحقق من مدى استيفاء المدارس المتقدمة للحصول على الاعتماد للمعايير القومية التي وضعتها الهيئة، وتقديم المشورة فيما يتعلق بجوانب القصور، ولا تُلزم المؤسسات التعليمية سواء في التعليم الجامعي أو قبل الجامعي أو الأزهري بالتقدم للاعتماد، وإنما يقتصر عملها على المدارس والمعاهد والجامعات التي تتقدم بطلبات فقط، وقد تكون آلية العمل هذه سببًا في انخفاض عدد العاملين في الهيئة، والذي يمكن الاستدلال عليه من خلال المبلغ المرصود لمرتبات العاملين بالهيئة للعام المالي 2019/2020 والذي بلغ 8.5 ملايين جنيه فقط.

وحدات الجودة لتحقيق التكامل

قد يتبادر إلى الذهن عند قراءة اسم الهيئة أنها المسئول الأول عن ضمان وتحسين جودة التعليم واعتماد المدارس، ولكن عملية ضمان الجودة تتخطى مفهوم التحقق من التزام المدارس بالمعايير التي تستند إليها الهيئة في تقييم المدارس ومنحها الاعتماد؛ فهناك جودة المدخلات وجودة العمليات وجودة المخرجات التي تتحمل مسئوليتها وزارة التربية والتعليم، كما تتحمل أيضًا مسئولية متابعة قرارات الهيئة بشأن اعتماد المدارس وتقديم الدعم اللازم لهذه المدارس للتغلب على نقاط الضعف، وهو ما دفع وزارة التربية والتعليم لإنشاء وحدات للجودة بالمديريات والإدارات التعليمية والمدارس تتكامل أدوارها مع أدوار الهيئة.

وتتمثل أبرز اختصاصات وحدات الجودة في المديريات والإدارات التعليمية والمدارس وفقًا للقرار الوزاري (138) لسنة 2012 فيما يلي:

عقد لقاءات توعوية على مستوى المديرية بناءً على ما يصدر من الهيئة فيما يتعلق بمعايير الجودة ومؤشرات الأداء.

حصر المدارس المرشحة للتأهيل للاعتماد سنويًا، وتقديم الدعم للإدارات التعليمية والمدارس لاستيفاء معايير وشروط الهيئة.

متابعة أساليب تنفيذ مناهج الأنشطة والمواد الدراسية.

تطوير نظم وإجراءات العمل الداخلية ووضع الآليات اللازمة لتقييم كفاءة النظم الإدارية على مستوى المديرية.

وضع خطة تنفيذية لتحقيق الخطة الاستراتيجية لمنظومة المتابعة والتقييم والتاهيل للاعتماد.

متابعة استيفاء المدارس المتقدمة للاعتماد لمواصفات ومعايير الهيئة وتقديم تقرير سنوي للوزارة. 

ولكن على الرغم من وجود وحدات الجودة في المدارس والإدارات والمديريات التعليمية منذ 2012، وتفعيل دور الهيئة القومية لضمان الجودة منذ 2006، إلا أن عدد المدارس المعتمدة ما زال بعيدًا جدًا عن المستهدف، ويحتاج مزيدًا من الجهد والتنسيق بين الوزارة والهيئة لتحقيقه.

قانون مُلزم.. مكافآت ضعيفة.. ونتائج غير مُرضية

القانون:

وفقًا للمادة (12) من قانون إنشاء هيئة ضمان الجودة، تلتزم المؤسسات التعليمية الخاضعة لأحكام هذا القانون بالتقدم للحصول على شهادة الاعتماد، ويتولى الوزراء المختصون تحديد آجال لاستيفاء المؤسسات التعليمية المعايير المعتمدة والتقدم للحصول على شهادة الاعتماد، وإذا لم تتقدم المؤسسة للحصول على شهادة الاعتماد خلال الأجل المحدد أو أسفرت عملية التقويم عن عدم استيفائها المعايير المعتمدة خلال المدة المحددة يكون للوزير المختص بالتشاور مع الهيئة اتخاذ أحد الإجراءات أو التدابير المناسبة لتصحيح أوضاع المؤسسة وفقًا لأحكام القانون الخاضعة له. ومن الإجراءات التي يمكن اتخاذها:

تأهيل المؤسسة على نفقتها.

إلزام المؤسسة بتغيير الإدارة.

إيقاف قبول طلاب جدد بالأقسام المختلفة للمؤسسة حتى تتم استيفاء كافة المعايير وذلك خلال عام دراسي واحد.

بذلك، يتضح أن جميع المدارس مُلزمة قانونًا بالحصول على شهادة الاعتماد خلال مدى زمني محدد، ولكن بالنظر إلى عدد المدارس التي تم اعتمادها أو تنفيذ زيارات مراجعة وتقييم لها، يتضح أن هذه المادة من القانون لم يتم تفعيلها على الوجه الذي يحقق الأهداف التي أُنشئت الهيئة من أجلها. وقد يرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها: 

لا يمكن أن تتحمل المدارس الحكومية تكلفة التأهيل في ظل مركزية الإنفاق وضعف المخصصات المالية لكل مدرسة منفردة.

تعاني المدارس الحكومية بالفعل من نقص في القيادات المؤهلة، وفي مناسبات عديدة يقوم وكيل المدرسة أو أقدم المعلمين بالمهام الإدارية لحين تعيين مدير، وفي ظل ضعف الإمكانات لن يُحدث تغيير الإدارة فارقًا كبيرًا في استيفاء المعايير.

لا يمكن إيقاف قبول طلاب جدد بالمدارس الحكومية في ظل النقص الكبير في أعداد الفصول وارتفاع كثافات الفصول.

المكافآت: 

تبلغ قيمة مكافأة اعتماد المدرسة وفقًا لضوابط صرف مكافأة ضمان الجودة والاعتماد التي أقرتها الوزارة 3 أشهر من الأجر الأساسي لمدير المدرسة وشهرين لبقية العاملين. وتعد هذه المكافآت الضئيلة أحد الأسباب الرئيسية في ضعف الدافعية لدى إدارات ومعلمي المدارس الحكومية للتقدم للاعتماد؛ فعلى عكس المدارس الخاصة، لا يوجد دافع قوي لدى المعلمين أو إدارات المدارس الحكومية للتقدم للاعتماد، فإذا كانوا يحصلون على نفس الراتب، وإذا كانت المدرسة ستظل مفتوحة سواء حصلت على الاعتماد أم لا، وإذا كانت المكافآت التي يحصلون عليها في حالة اعتماد المدرسة ضعيفة جدًا، فلماذا يسعون للحصول على الاعتماد؟! 

ويدلل على ضعف الدافعية تصريحٌ للدكتورة يوهانسن عيد، رئيس مجلس إدارة الهيئة مفاده أنه بالرغم من جاهزية عدد من المدارس للاعتماد، إلا أنها لا تتقدم للحصول عليه، وهو ما يتطلب إعادة النظر في الحوافز التي تقدمها الوزارة للمدارس المعتمدة.

النتائج: 

فيما يتعلق بنتائج عمل الهيئة في تنفيذ زيارات التقييم والمراجعة في الفترة بين 2008 و2018 على مستوى الجمهورية، أصدرت الهيئة كتابًا سنويًا يوضح التطور في عدد المدارس التي تقدمت للحصول على الاعتماد والتي اعتمدت بالفعل منذ نشأتها على مدار عامين هما (2015/2016) و(2016/2017)، وساهم إصدار هذا الكتاب في توضيح واقع ضمان الجودة في مؤسسات التعليم المصرية والتطور في الجهود التي تبذلها الهيئة للوصول إلى نتائج أفضل منذ 2009 وحتى 2018؛ لكن الهيئة توقفت منذ ذلك الحين عن إصدار الكتاب السنوي أو إتاحته على موقعها الرسمي بما أدى إلى صعوبة الوصول إلى بيانات دقيقة حول اعتماد المدارس منذ 2018.

وقد أظهرت البيانات أن إجمالي عدد المدارس التي زارتها الهيئة بلغ 8379 مدرسة من 61035 مدرسة تعمل في مصر، بنسبة 13.5% فقط، في حين بلغ عدد المدارس التي تم اعتمادها خلال هذه الفترة 4962 مدرسة بنسبة تقترب من 60% من إجمالي المدارس المتقدمة للاعتماد وتزيد قليلا عن 8% من إجمالي عدد المدارس على مستوى الجمهورية؛ وهي نسبة ضعيفة جدًا إذا ما قورنت بمستهدفات الهيئة التي تسعى لاعتماد 60% من المدارس بحلول 2030، الأمر الذي يتطلب أن يتقدم حوالي 3000 مدرسة للاعتماد سنويًا.

ولكن يبدو أن هذا الأمر يصعب تحقيقه في ضوء ما تحقق من أهداف الخطة الاستراتيجية للهيئة (2015-2020)، حيث استهدفت الهيئة وصول عدد المؤسسات التعليمية المعتمدة إلى 12 ألف مؤسسة للتعليم قبل الجامعي بنسبة 20% من إجمالي عدد هذه المؤسسات، ما يعني أن يتقدم للحصول على الاعتماد خلال السنوات الخمس حوالي 14710 مدرسة، وتكون نسبة الاعتماد من هذا العدد هي 85%، وهو ما لم يحدث خلال الفترة من 2015 وحتى 2018 كما يتضح من الجدول والشكل التاليين.

جدول أعداد المدارس المتقدمة للاعتماد والمعتمدة بين 2015 و2018

المصدر: رئاسة مجلس الوزراء، الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد: ملخص أنشطة الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، 2018.

أعداد المدارس المتقدمة للاعتماد والمعتمدة بين 2015 و2018

يتضح من الجدول والشكل السابقين أن الواقع يبتعد كثيرًا عن المستهدف، ومثال ذلك ما توقعته الهيئة خلال عامي 2017 و2018، حيث توقعت أن يتقدم للاعتماد 3460 مدرسة في 2017 و3600 مدرسة في 2018، ولكن ذلك لم يحدث كما هو موضح؛ كما صرحت رئيس الهيئة أن إجمالي عدد المدارس المعتمدة لا يتجاوز 10%، أي نصف ما كان مستهدفًا بنهاية 2020، الأمر الذي يفرض مزيدًا من الأعباء على كل من الوزارة والهيئة للوصول بالمدارس المعتمدة إلى 60% من إجمالي عدد المدارس بحلول 2030.

ختامًا، يمكن القول أنه على الرغم من وجود هيئة قومية ووحدات للجودة في المديريات والإدارات التعليمية والمدارس، إلا أن ضمان جودة التعليم مازال يواجه عدة مشكلات تتحمل وزارة التربية والتعليم مسئولية تقديم حلول لمعظمها، حيث ترتبط بتوفير الموارد المادية والبشرية، في حين تتحمل هيئة ضمان الجودة مسئولية تدريب وتأهيل أكبر عدد من العاملين في المدارس التي لم يتم اعتمادها إلى الآن على إجراء الدراسة الذاتية، ومتابعة المدارس المعتمدة وتقديم الدعم لها لتلافي إلغاء الاعتماد والحفاظ على مستوى الخدمة التعليمية الجيد الذي تقدمه هذه المدارس.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة