وحدة الدراسات الاقتصادية

التجارة العالمية في عام كورونا

انعكس وباء كورونا بأزمة على التجارة العالمية وعلى سلاسل التوريد في عالم أكثر ترابطًا واعتمادًا على بعضه بعضًا. فعلى الرغم من جهود الدول لزيادة العولمة للتمتع بميزة التكلفة والتطور التكنولوجي وزيادة الابتكار ومن ثم زيادة التنمية والمساهمة للوصول إلى أهداف التنمية، إلا أنه مع بداية الجائحة ومع تطبيق سياسات الإغلاق تأثرت حركة التجارة، وتوقفت سلاسل التوريد مما أدى في النهاية إلى أزمات في العرض والطلب في العديد من السلع الاستراتيجية وتدهور في سوق العمل وغيره من الأزمات. الأمر الذي يشير إلى ما إذا كانت الدول ستتبع استراتيجياتها من أجل عالم أكثر ترابطًا أم أكثر استقلالية. يشير هذا المقال إلى أثر…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

انعكس وباء كورونا بأزمة على التجارة العالمية وعلى سلاسل التوريد في عالم أكثر ترابطًا واعتمادًا على بعضه بعضًا. فعلى الرغم من جهود الدول لزيادة العولمة للتمتع بميزة التكلفة والتطور التكنولوجي وزيادة الابتكار ومن ثم زيادة التنمية والمساهمة للوصول إلى أهداف التنمية، إلا أنه مع بداية الجائحة ومع تطبيق سياسات الإغلاق تأثرت حركة التجارة، وتوقفت سلاسل التوريد مما أدى في النهاية إلى أزمات في العرض والطلب في العديد من السلع الاستراتيجية وتدهور في سوق العمل وغيره من الأزمات. الأمر الذي يشير إلى ما إذا كانت الدول ستتبع استراتيجياتها من أجل عالم أكثر ترابطًا أم أكثر استقلالية. يشير هذا المقال إلى أثر الجائحة على التجارة العالمية في 2020.

أولًا- وضع التجارة عالميًا:

وفقًا لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “UNCTAD” بعنوان “التجارة العالمية” الصادر في فبراير 2021، انخفض حجم التجارة العالمية في 2020 بحوالي 9%، حيث انخفض حجم التجارة في السلع بحوالي 6%، بينما انخفض حجم التجارة في الخدمات بحوالي 16.5%. ولكن كان تأثير الجائحة في النصف الأول من العام الماضي أكثر حدة، حيث انخفضت التجارة العالمية بحوالي 15%. وبدأت التجارة في التعافي في النصف الثاني وخصوصًا في الربع الأخير من 2020 وخاصة في تجارة السلع، حيث ارتفعت التجارة في السلع بحوالي 8% في الربع الرابع، بينما ظل حجم التجارة في الخدمات دون تغير. جدير بالذكر أن قطاع الخدمات يمثل 2/3 من إجمالي الناتج ويحتوي على أكثر من نصف الوظائف عالميًا.

الشكل 1: حجم الصادرات السلعية في الربعين الثالث والرابع الشكل 2: حجم الواردات السلعية في الربعين الثالث والرابع

تعافت الاقتصادات بدرجات مختلفة، حيث جاء التعافي في التجارة العالمية بشكل أساسي مدعومًا بتعافي التجارة بين الدول النامية وخصوصًا في دول شرق آسيا. فقد ارتفعت الصادرات السلعية في الدول النامية بنسبة 8% في الربع الرابع من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه، ومن الانخفاض بنسبة 2% في الربع الثالث من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من 2019. بينما انخفضت قيمة الصادرات السلعية بنسبة 1% في الربع الرابع في 2020 مقارنة بالفترة نفسها من 2019 ولكن متحسنة عن الانخفاض البالغ 9% في الربع الثالث.

أما بالنسبة للواردات، فقد شهدت الواردات السلعية للدول النامية ارتفاعًا بنسبة 6% في الربع الرابع من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من 2019 ومتحسنة من الانخفاض البالغ 5% في الربع الثالث. بينما ارتفعت قيمة الواردات السلعية في الربع الرابع من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من 2019 بنسبة 1% ومتحسنة من الانخفاض البالغ 5% في الربع الثالث من 2020.

شكل 3: صادرات السلع للاقتصادات الرئيسية في 2020

بناء على الشكل 3، فإن صادرات السلع للاقتصادات الرئيسية شهدت تدهورًا في النصف الأول من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه. وكانت صادرات الهند السلعية الأكثر تدهورًا من بين هذه الاقتصادات، حيث انخفضت بحوالي 25%. ولكن على الرغم من هذا التدهور، إلا أن الصين سجلت أقل انخفاض في الصادرات السلعية، حيث انخفضت بحوالي 6% فقط في النصف الأول من 2020 وكانت الدولة الوحيدة التي تسجل نموًا في صادراتها السلعية في الربع الثالث في حين صارعت باقي الدول في محاولة للحد من التدهور. أما بالنسبة إلى الربع الرابع، فقد سجل ثلثي هذه الدول نموًا في الصادرات السلعية لتكون الصين ذات أكبر نمو بحوالي 17%، في حين أن الصادرات السلعية للبرازيل والاتحاد الأوروبي والهند لا تزال في حالة انخفاض، وخصوصًا الاتحاد الروسي حيث سجلت التجارة انخفاضا بنسبة 19% في الربع الرابع مقارنة بنفس الربع من العام الذي سبقه.

شكل 4: صادرات الخدمات للاقتصادات الرئيسية في 2020

المصدر: تقرير التجارة العالمية، UNCTAD، فبراير 2021.

أما بالنسبة إلى الشكل رقم 4، فعلى الرغم من أن الانخفاض في صادرات الخدمات في النصف الأول من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه كانت إلى حد ما قريبة من التدهور في صادرات السلع باستثناء جنوب إفريقيا، إلا أنها تدهورت بوتيرة أسرع في الربع الثالث باستثناء الهند والصين والاتحاد الأوروبي الذين شهدوا تحسنًا ضئيلًا في وتيرة الانخفاض. إضافة إلى ذلك، كانت جنوب إفريقيا صاحبة أكبر انخفاض في الصادرات السلعية، حيث انخفضت بنسبة 37% في النصف الأول في 2020 مقارنة بالفترة نفسها في 2019 وبنسبة 64% في الربع الثالث والرابع في 2020 مقارنة بنفس القترة في العام الذي سبقه. علاوة على ذلك، لم يتحسن وضع صادرات الخدمات في كثير من الاقتصادات في الربع الأخير من 2020 ويرجع ذلك إلى حد كبير لتوقف حركة السياحة. وتكون الصين هي الاستثناء لهذا الانخفاض، حيث تسجل نموًا لصادراتها للخدمات بحوالي 2% في الربع الرابع من 2020.

شكل 5: واردات السلع للاقتصادات الرئيسية في 2020

المصدر: تقرير التجارة العالمية، UNCTAD، فبراير 2021.

وبخصوص واردات السلع، فإنها سجلت أيضًا تدهورًا في النصف الأول في 2020 مقارنة بالفترة نفسها في 2019 في جميع الاقتصادات ولكن بنسب متفاوتة، حيث كانت الهند صاحبة أكبر انخفاض بنسبة 32% وتليها جنوب إفريقيا بنسبة 25% بينما كانت البرازيل صاحبة أقل انخفاض في واردات السلع في النصف الأول من 2020. وعلى الرغم من أن البرازيل كانت صاحبة أقل انخفاض في النصف الأول، إلا أنها كانت صاحبة أكبر تدهور في الربع الثالث في 2020 مقارنة بنفس الربع من العام السابق، حيث ارتفع من انخفاض قدره 5% في النصف الأول إلى انخفاض قدره 30% في الربع الثالث. وكانت الصين مرة أخرى الاستثناء لواردات السلع في الربع الثالث، حيث سجلت نموًا بنسبة 3%. أما بالنسبة إلى الربع الأخير من 2020، فقد تحسن وضع واردات السلع في جميع الاقتصادات ولكن لم تسجل نموًا غير في البرازيل والصين والولايات المتحدة.

شكل 6: واردات الخدمات للاقتصادات الرئيسية في 2020

المصدر: تقرير التجارة العالمية، UNCTAD، فبراير 2021.

بناء على الشكل 6، كان التدهور الأكبر في بيانات التجارة العالمية في واردات الخدمات، حيث انخفضت بنسب ضخمة في معظم الاقتصادات وتدهور الوضع أيضًا في الربع الثالث في العديد من الاقتصادات. فعلى سبيل المثال، انخفضت واردات الخدمات في الاتحاد الروسي بنسبة 27% في النصف الأول من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه وارتفعت وتيرة الانخفاض لتصل إلى 49% في الربع الثالث من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه. إضافة إلى ذلك، كانت واردات الخدمات الوحيدة التي لم تشهد نموًا في أية دولة في الربع الرابع من 2020 وهو ما يشير إلى تخلف القطاع مقارنة بقطاع السلع وأيضًا ما يشير إلى تدهور وضع الوظائف ويعطي مؤشرًا لوضع معدلات البطالة في المستقبل.

الشكل 7: نسبة تعافي التجارة في قطاعات محددة في الربع الثالث والرابع

المصدر: تقرير التجارة العالمية، UNCTAD، فبراير 2021.

بناء على الشكل 7، فقد تعافى حجم التجارة في معظم القطاعات في الربعين الثالث والرابع باستثناء قطاعي الطاقة ومعدات النقل. وفي الربع الثالث، كان التعافي الأكبر في قطاع المنسوجات وفي معدات المكاتب، حيث أنها القطاعات التي ارتفع الطلب عليها بسبب الجائحة والسياسات التي تبعتها من إغلاق للأعمال وتطبيق سياسات العمل من المنزل وحظر التجول في العديد من الدول. وكان التحسن في وضع التجارة في هذه القطاعات العامل الرئيسي للحد من تدهور التجارة العالمية بشكل عام.

ولكن وفقًا للتقرير، فقد أثرت الجائحة على قدرة التنافسية للدول في العديد من القطاعات مما أثر على حصتها في السوق العالمي، كما أن الانخفاض في الطلب اضطر أصحاب أقل قدرة على التنافسية للخروج من السوق العالمي. فعلى سبيل المثال، تحسنت صادرات دول مثل الصين، وسويسرا، وتايوان، وتركيا في 2020 بينما انخفضت صادرات كولومبيا، ونيجيريا، والمملكة العربية السعودية. الأمر الذي سيؤثر على حجم المعروض من المنتجات والأسعار والجودة على المدى الطويل.

ومن المتوقع أن تتعافى التجارة العالمية بوتيرة أبطأ في الربع الأول من 2021، حيث تتوقع المنظمة في التقرير أن ينخفض التعافي في تجارة السلع بحوالي 1.5% مقارنة بالربع الرابع في 2020، بينما تتوقع أن ينخفض التعافي في تجارة الخدمات بحوالي 7% مقارنة بالربع الرابع من 2020 (يرجع الانخفاض الأكبر المتوقع في تعافي التجارة في الخدمات إلى توتر وضع قطاع السياحة).

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة