كوفيد-19 واشكالية حقوق الانسان ٢

عضو الهيئة الاستشارية

تحدثت في مقالي السابق عن تداعيات كوفيد-19 على حقوق الانسان، بما في ذلك الحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في حرية تنقل الاشخاص، والحق في المساواة بين الجنسين، وغيرها. وكيف اثرت الجائحة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أسقطت ورقة التوت عن الغرب الذي طالما تشدق بشعارات حقوق الانسان بمفهومها الدولي، ومبادئ التضامن والعدالة الدوليين. والامر لا يقف عند هذا الحد، فما كشفته الحرب على لقاح الفيروس لا يقل سوء عن تداعيات الفيروس نفسه. فإذا كان هذا الأخير قد اسهم بشكل كبير في تفاقم أوضاع عدم المساواة في أنحاء العالم، فإن نقص انتاج اللقاحات والحرب الدائرة حولها تعني ازدياد الفجوات…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

تحدثت في مقالي السابق عن تداعيات كوفيد-19 على حقوق الانسان، بما في ذلك الحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في حرية تنقل الاشخاص، والحق في المساواة بين الجنسين، وغيرها. وكيف اثرت الجائحة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أسقطت ورقة التوت عن الغرب الذي طالما تشدق بشعارات حقوق الانسان بمفهومها الدولي، ومبادئ التضامن والعدالة الدوليين. والامر لا يقف عند هذا الحد، فما كشفته الحرب على لقاح الفيروس لا يقل سوء عن تداعيات الفيروس نفسه. فإذا كان هذا الأخير قد اسهم بشكل كبير في تفاقم أوضاع عدم المساواة في أنحاء العالم، فإن نقص انتاج اللقاحات والحرب الدائرة حولها تعني ازدياد الفجوات بين الدول وصعوبة القضاء النهائي على الفيروس.

في محاولة لتفادي الوضع الراهن، أنشأت منظمة الصحة العالمية، قبل أشهر، مبادرة “تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19” لتوفير وسائل التعامل مع الجائحة والنفاذ إليها بشكل عادل ومتساو من كافة الدول. وقد أنشأت المنظمة مرفق COVAX ليتولى مسئولية توفير اللقاحات الجاري تطويرها ضد فيروس كوفيد-19 لمختلف الدول بشكل عادل ومتساو، وذلك بالتعاون مع عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية خاصة التحالف العالمي للقاحات GAVI، واليونيسف. 

تقرر أن يقوم المرفق بتوفير جرعات من اللقاحات بدون تكلفة للدول النامية (منخفضة الدخل والفئة المنخفضة من الدول متوسطة الدخل وعددهم 92 دولة) تكفي لتطعيم 20% من سكان هذه الدول، وذلك من خلال آلية تمويل تعتمد على الجهات الدولية المانحة، على أن تشترى الدول -إذا أرادت- لقاحات من خلال المرفق لسد احتياجاتها التي تتخطى هذه النسبة.

حرص المرفق على التعاقد بشكل مسبق مع بعض الشركات المصنعة التي تقوم بتطوير لقاحات ضد الفيروس، بغية ان يتوفر لديه كميات مناسبة ونوعيات متعددة من اللقاحات تمكنه من الوصول إلى هدف توفير 2 مليار جرعة من اللقاحات نهاية العام الجاري 2021. وكان من المتوقع ان الكميات المتاحة من انتاج اللقاح خلال الفترة الحالية والتي تمتد من فبراير إلى مايو المقبل، ستكفى لتطعيم حوالي 2 إلى 3% من تعداد سكان كل دولة عضو بالمرفق، على أن يستكمل توزيع باقي الجرعات المطلوبة في مراحل لاحقة خلال العام الجاري.

لم تمض الأمور كما يجب، وعانى المرفق من وجود تأخير في تسليم جرعات اللقاحات المقررة في الشحنات المبدئية في جولة التوزيع الأولى نتيجة عدم قدرة الشركات المصنعة على الوفاء بالالتزامات التي أعلنت عنها، وازدياد الطلب على هذه الشركات خاصة من الدول المتقدمة التي تتنافس مع المرفق في تقديم أسعار أعلى للحصول على أولوية في شراء اللقاحات، دون اي التزام بمبدأ النفاذ العادل والمتساو للقاحات.

بلغة الأرقام، عشرة دول معظمهم من الدول ذات الدخل المرتفع حصلت على 76% من جرعات اللقاحات على مستوى العالم. الولايات المتحدة اعلنت منذ ايام انها حققت هدف اعطاء 100 مليون جرعة لقاح، وأنها ستحصل بحلول نهاية شهر مايو على الجرعات الكافية لتلقيح كل امريكي بالغ. في المقابل، هناك دول لاتزال في طابور الانتظار تواجه خطر الوباء وتنتظر نصيبها من اللقاحات، بينما لم ينجح مرفق COVAX (الى حدود كتابة هذه الاسطر) سوى في توزيع 32 مليون جرعة لقاح فقط إلى 63 دولة.

انتقد مدير منظمة الصحة العالمية هذا “الاختلال الصادم” في التطعيم العالمي ضد كوفيد-19، وأشار الى ان 700 مليون جرعة لقاح استخدمت على مستوى العالم، 87% منها ذهبت إلى الدول عالية الدخل أو الشريحة العليا من الدول متوسطة الدخل، في حين حصلت الدول منخفضة الدخل على 0.2% فقط من الجرعات. 

من اجل تفادي هذه التفاوتات الصارخة، ومن اجل حماية كافة حقوق الانسان التي تضررت من جراء الجائحة بما في ذلك الحق الاساسي في الحياة، هناك حاجة لتمكين الدول النامية من الوصول للتكنولوجيا اللازمة والمنتجات الصحية الأساسية في الوقت المناسب مع توزيعها توزيعا عادلا حتى يتسنى لتلك الدول التصدي للجائحة، مع أهمية إزالة أية عقبات في هذا الصدد بما في ذلك ما يتصل منها بأحكام منظمة التجارة العالمية المتعلقة بالجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية. 

بالفعل، قدمت الهند وجنوب إفريقيا في أكتوبر 2020 مقترحاً إلى مجلس الجوانب التجارية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية “التريبس” التابع لمنظمة التجارة العالمية بشأن الإعفاء من تنفيذ بعض أحكام اتفاقية “التريبس” بهدف دعم جهود منع انتشار فيروس كورونا واحتوائه وتوفير العلاج له. يطرح المقترح مطلبا محددا يتمثل في قيام مجلس “التريبس” برفع توصية إلى المجلس العام للمنظمة في أقرب فرصة لطلب إعفاء الدول في هذه الظروف الاستثنائية من تطبيق أحكام مواد الجزء الثاني من الاتفاقية، والتي تشمل القسم الخاص بحقوق النشر والحقوق المرتبطة بها، والقسم الخاص بالتصميمات الصناعية، والقسم الخاص ببراءات الاختراع، والقسم الخاص بحماية المعلومات غير المُفصح عنها، وذلك لفترة تستمر لعدة أعوام (لم يتم تحديدها) لحين توفير لقاح للفيروس على المستوى الدولي واكتساب غالبية سكان العالم مناعة ضده.

ــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٥ أبريل ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب