وحدة الدراسات الاقتصادية

وضع الصادرات الصناعية المصرية

يعيش الاقتصاد المصري خلال العامين الجاري والماضي فترة نقاهة بعد تعافيه من صدمة كانت الأسوأ محليًا خلال أربعين عامًا كاملة، نتجت في الأساس عن تعرض مصادر إيراداته الأساسية للعطب وبلوغ مصروفاته حد الذروة، بعد تراكم ضغوط عاتية عليهما، إثر ما شهدته البلاد من حالة سيولة أمنية وسياسية خلال الفترة من 2011 وحتى 2014. لكنه حتى لم يهنأ خلال استراحته، إذ عاجلته أزمة كورونا التي ضربت مُتزامنة مع عدة اضطرابات كانت تضغط فعلًا على الاقتصاد العالمي من بين أبرزها الحرب التجارية الأمريكية الصينية، والتدهورات الحادة في الأسواق النامية وخاصة تُركيا والأرجنتين، وأخيرًا الاضطرابات في هونج كونج والمخاوف من أن تُعمق هوة…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يعيش الاقتصاد المصري خلال العامين الجاري والماضي فترة نقاهة بعد تعافيه من صدمة كانت الأسوأ محليًا خلال أربعين عامًا كاملة، نتجت في الأساس عن تعرض مصادر إيراداته الأساسية للعطب وبلوغ مصروفاته حد الذروة، بعد تراكم ضغوط عاتية عليهما، إثر ما شهدته البلاد من حالة سيولة أمنية وسياسية خلال الفترة من 2011 وحتى 2014. لكنه حتى لم يهنأ خلال استراحته، إذ عاجلته أزمة كورونا التي ضربت مُتزامنة مع عدة اضطرابات كانت تضغط فعلًا على الاقتصاد العالمي من بين أبرزها الحرب التجارية الأمريكية الصينية، والتدهورات الحادة في الأسواق النامية وخاصة تُركيا والأرجنتين، وأخيرًا الاضطرابات في هونج كونج والمخاوف من أن تُعمق هوة الخلاف بين الصين والغرب، الأمر الذي كاد يستنفد ما بقي من قواه.

ولعل منبع الحدة التي تضرب بها هذه الأزمات الاقتصاد المصري هي كون هياكله ما زالت مُعتمدة على الريع بأكثر من الإنتاج، فكما تم التعرض في مقال سابق لوضع الصادرات المصرية في العموم التي اتضح انخفاضها بشدة كنسبة من الصادرات العالمية، بالإضافة إلى أنها تتمحور أساسًا حول المواد الخام، والصناعات شديدة الانخفاض في المكون التكنولوجي، وهو ما كان متوقعًا في ظل ما تم التوصل له في مقال آخر من أن القطاع الصناعي المصري ليس في أفضل أحواله بشكلٍ عامٍ.

وهنا يأتي هذا المقال ليُسلط الضوء بشكل أكبر على وضع الصادرات المصرية الصناعية من زاويتي المُنتجات ذاتها، أولًا وثانيًا الأسواق المُستقبلة لها، بحيث نُجيب عن تساؤلات مفادها: أي الصادرات الصناعية المصرية أكثر تصديرًا؟ أيها أكثر نجاحًا في الإبقاء على مركزه في الأسواق الخارجية؟ أيها بزغ خلال السنوات العشر الماضية؟.

أولًا- أعلى بنود الصادرات الصناعية:

يجب التأكيد أولًا على أن الصادرات المصرية الصناعية تركزت في أعلى 15 سلعة منها في صناعات خلال الفترة من 2008 وحتى 2019 في صناعات مُنخفضة التكنولوجيا، على رأسها الحديد والصُلب، الأسمدة، المواد البلاستيكية، الورق، وغيرها، وكان إجماليها قد بلغ في عام 2008 مُستوى 11.04 مليار دولار لتشهد اتجاهًا تصاعديًا وتصل في عام 2019 إلى مُستوى 18.37 مليار دولار، بما يُشير إلى نموها في المُجمل، وهو ما ينطبق على أعلى خمسة عشر من السلع المُصدرة من حيث القيمة، كما يوضح الشكل التالي:

شكل  1- يوضح تطور قيمة أعلى 15 من الصادرات الصناعية المصرية في الفترة 2008 – 2019 مُقدرة بالمليون دولار

ChartDescription automatically generated

يتضح من الشكل أن إجمالي صادرات الخمس عشرة سلعة المُشار إليها كانت قد اتخذت اتجاهًا تصاعديًا مُنذ 2008 عندما كانت تبلغ 5.94 مليارات دولار، لتصل في 2011 إلى مُستوى 8.85 مليارات لتبدأ بعدها في الهبوط، تحت تأثير أحداث يناير، والسيولة الأمنية لتصل إلى مُستوى 6.53 مليارات، وفي عام 2016 بلغت 8.79 مليارات دولار، ثم وصلت أعلى مُعدلاتها على الإطلاق خلال عام 2019 عندما لامست 8.98 مليارات.

 كذلك يُلاحظ أن وضع هذه الصادرات تغير بشكل كبير في نهاية فترة الدراسة عن بدايتها، فقد كانت أعلى الصادرات الصناعية في عام 2008 الحديد والصلب بما يُعادل 1.15 مليار دولار أمريكي في المركز الأول، تلتها المواد البلاستيكية 809 ملايين دولار، ثم مواد كيميائية أخرى بنحو 777 مليون دولار، فالآلات الكهربية، نحاس ومصنوعاته، ثم صفائح الحديد والصلب. لكن بحلول عام 2019 تغير هذا الوضع لتُصبح بنود اللؤلؤ الطبيعي والذهب في المُقدمة بما يُعادل 2048 مليونًا، ومُعظمها صادرات ذهب، كما سنتناول بالتفصيل لاحقًا، ثم الآلات الكهربية بنحو 1.7 مليار دولار، ثم الحديد والصلب بنحو 694 مليونًا، فالورق المُقوى بنحو 519 مليون دولار.

كان بند اللؤلؤ والذهب أكبر الصادرات الصناعية نموًا فيما بين السلع الخمسة عشر الأولى من حيث القيمة، إذ نما من مُستوى 17 مليون دولار في 2008 إلى 2.04 مليار في 2019، ومن بين أكثر المُتضررين يأتي الحديد والصلب الذي فقد تقريبًا 59% من قيمته وذلك من 1.15 مليار دولار في 2008 إلى 694 مليون دولار فقط في 2019، كذلك شهدت صادرات النحاس والمصنوعات منه انخفاضًا من 629 مليون دولار إلى مُستوى 182 مليونًا.

التطورات السابقة تُشير إلى عدة مُلاحظات أهمها:

  • انخفاض القدرات التنافسية للصادرات المصرية كثيفة العمالة، وخاصة في قطاع الصناعات المعدنية وخاصة النحاس والحديد، وذلك بسبب اعتمادها سابقًا قبل 2011 على دعم ضخم لأسعار الطاقة والتي تُشكل أهم مُدخلات الإنتاج، الأمر الذي أدى إلى تراجعها بمجرد تدني الدعم المُقدم في هذا الجانب، مع التغيرات السياسية والاقتصادية التي عاشتها البلاد وصولًا للحظة الحالية التي رفعت فيها الحكومة دعم الطاقة بالكامل.
  • كانت الصادرات من الآلات الكهربية قد بلغت ذروتها في عام 2014، عند مُستوى 1.94 مليار دولار، وهي واحدة من أعلى الصادرات المصرية من حيث المكون التكنولوجي، لتفقد نحو 400 مليون دولار من قيمتها بحلول 2016، وفي 2019 تصل إلى مستوى 1.7 مليار دولار دون أن تكون قادرة حتى الوقت الحالي على استعادة ذات القيمة.

ثانيًا- أعلى الأسواق:

تأتي أهم الأسواق المُستقبلة للسلع المصرية الصناعية، في الدول التي لمصر معها اتفاقيات تبادل تجاري حر، حيث تمتلك مصر 30 اتفاقية تجارة حرة مع ثنائية ومُتعددة الأطراف، تشمل هذه الدول السودان، أستراليا، اليابان، نيوزيلندا، كوريا الجنوبية، ليبيا، سوريا، فلسطين، وغيرها، ويوضح الشكل التالي أهم الأسواق التي تصل إليها المُنتجات المصرية:

ChartDescription automatically generated

يتضح من الشكل أن الأسواق الخمسة عشر الأولى تمتلك مصر معها اتفاقيات إقليمية فيما عدا الصين، أوكرانيا، روسيا، والبرازيل، قبل دخول اتفاقية الميركوسر حيز النفاذ خلال العام الماضي. وقد شكلت هذه الأسواق وحدها نحو 6.3 مليارات دولار أمريكي في 2008، جاء على رأسها إيطاليا في عام 2008 وذلك بما يبلغ 1.29 مليار دولار، تلتها السعودية بنحو 0.84 مليار دولار، ثم هولندا بنحو 0.65 مليار، فالمملكة المُتحدة 0.59 مليار دولار، وفي المركز الخامس الولايات المُتحدة الأمريكية.

اختلفت هذه الخريطة في عام 2019، حيث شكلت الأسواق الخمسة عشر الأولى ما إجماليه 10.03 مليارات دولار، كذلك ارتقت الإمارات العربية المُتحدة إلى المركز الأول على رأس القائمة، وذلك بنحو 1.87 مليار دولار، ثم الولايات المُتحدة الأمريكية 1.61 مليار، فتُركيا التي وصلتها بضائع بنحو 1.36 مليار دولار، ثم المملكة العربية السعودية بنحو 1.12 مليار، وفي المركز الخامس جاءت إيطاليا بنحو 0.97 مليار دولار. كانت أكبر الأسواق نموًا أمام المُنتجات المصرية الصناعية هي الإمارات العربية المُتحدة التي ارتفعت الصادرات إليها من 413 مليار دولار إلى 1.87 مليار، ولتبرز مجموعة من المُلاحظات على هذه التوزيعات: 

  •  ترجع الزيادة الضخمة في أسواق الإمارات العربية المُتحدة أولًا إلى ارتفاع صادرات الذهب واللولؤ المصري إليها، حيث بلغت في عام 2019 نحو 1.38 مليار دولار، يُعد ذلك انخفاضًا من مُستويات 2016 عندما كانت قد بلغت 1.6 مليار دولار، يُصاحب الارتفاع في أسعار الذهب استقرار نسبي في صادرات الأجهزة الكهربية، التي ارتفعت من مُستويات 119.8 مليون دولار في عام 2008 إلى 183 مليون دولار في عام 2019.
  • تُشكل مصنوعات الألبسة وإكسسواراتها الصادرات الأساسية إلى أسواق الولايات المتحدة، وذلك بسبب اتفاقية الكويز التي تسمح بدخولها بدون تعرفة جمركية إذا ما استوفت النسبة المُحددة وهي 11% من المدخلات من إسرائيل.
  • نمت صادرات الأسمدة إلى تُركيا خلال الفترة من مُعدلات 13.3 مليون دولار، إلى مُستوى 199 مليون دولا في 2019 لتقع في المركز الأول، في حين كانت فرنسا قد شكلت الوجهة الأساسية لصادرات الأسمدة حتى عام 2014، حيث بلغت 374 مليون دولار من إجمالي 741 مليونًا، في حين انخفضت إلى 129 مليونًا في 2019 من إجمالي 1.33 مليار دولار، يأتي ذلك بعد انهيار إنتاج الغاز المصري في عام 2014، قبل استعادة الاكتفاء الذاتي من جديد في نهاية 2018.
  • المملكة العربية السعودية تُشكل السوق الأساسي للحديد والصلب المصري، وذلك بنحو 205 ملايين دولار، في عام 2019، واستمرت هي السوق الكبيرة الوحيدة التي حافظت على مُعدلات الصادرات إليها بعد تحرير أسعار الطاقة، حيث كانت الأعوام ما بين 2016 و2018 قد شهدت نموًا في صادرات الحديد والصلب إلى إسبانيا، والولايات المُتحدة الأمريكية، وإيطاليا، وتركيا. ويوضح الشكل التالي تطور الصادرات من أعلى 15 سلعة وحصة أعلى 15 سوق منها:
Chart, bar chartDescription automatically generated

ويوضح الشكل عدم قُدرة المُنتجات المصرية على الاحتفاظ بأسواقها وتنمية حصتها من السوق، إذ سنجد تذبذبًا يميل إلى التراجع في مُعظم الأسواق، فبالنسبة مثلًا للمواد البلاستيكية في الصين نجد أنها بدأت في عام 2008 عند مُستوى 35 مليون دولار وانتهت في عام 2019 عند 45 مليون دولار، رغم بلوغها في عام 2018 (75) مليون دولار، وهو ما يعني أن نسب النمو غير مُناسبة من ناحية، ومن ناحية أخرى انخفضت الصادرات بعد ارتفاعها، ينطبق ذات الوضع على المُنتجات الصيدلانية في تركيا التي كانت قد بلغت 4.8 ملايين دولار في عام 2008، لتبلغ 10 ملايين دولار في 2019.

ويرجع ذلك إلى ما يُسمى بالقدرة على اختراق السوق أو market penetration والذي يُشير إلى حجم مبيعات السلع والخدمات المُصدرة في أسواق دول أجنبية مُنتجة ومُصدرة لذات السلع والخدمات، الأمر الذي يعني في النهاية قُدرة المُنتج المصري على البيع في أسواق المُنتجين الآخرين، مثل بيع المُنسوجات المصرية في تُركيا، أو الكيماويات في المملكة العربية السعودية وغيرها، وتُعاني المُنتجات المصرية من انخفاض قُدرتها على اختراق الأسواق سواء في الدول النامية أو المُتقدمة، ويقارن الشكل التالي بين قدرات اختراق الأسواق لبعض الدول مع مصر:

TableDescription automatically generated

ويتضح من الشكل أن قدرة المُنتجات المصرية على اختراق الأسواق تراوح مكانها بين مُستويات 6.5 إلى 7، فيما تتراوح متوسطات الدول الموجودة في الشكل بين 14 و15، كذلك يظهر بوضوح انخفاض القدرات المصرية مُقارنة بقدرات الأسواق الناشئة الأخرى مثل تُركيا وماليزيا والفلبين وفيتنام وغيرها من الدول.

كذلك نجد أن الصادرات المصرية بوجه عام تتركز في قطاعات تتراجع حجم حصتها من الصادرات العالمية، بالإضافة إلى أنها داخل هذه القطاعات تُحقق نسبًا مُتراجعة عن نسب النمو العالمية التي بلغت خلال الفترة من 2015 وحتى 2019 نحو 5%، ومن بين جميع السلع الصناعية المصرية الخمسة عشر الكُبرى لا يعمل منها في أي من قطاعات النمو سوى الحديد والصلب، بينما الباقي إما أنه يتراجع في قطاعات نامية، أو أنه ينمو داخل قطاعات مُتراجعة.

خُلاصة ما سبق -إذن- أن المُنتجات الصناعية المصرية في وضع خطر، سواء من زاوية تراجع المكون التكنولوجي، أو حتى من ناحية القدرة على الاحتفاظ بالحصص داخل الأسواق، أو حتى بالتواجد الدائم فيها، ويرجع ذلك في مُعظمه إلى اعتماد الميزة التنافسية لمُعظم هذه الصناعات على الموارد المحلية التي تُصدرها بأثمان رخيصة اعتمادًا على فارق سعر الصرف وصور الدعم المختلفة سواء للطاقة أو للصادرات، كذلك تبين أن ارتفاع الصادرات الصناعية يرجع في أساسه إلى توافر الموارد الطبيعية كما اتضح جليًا في حالات الذهب والأحجار الكريمة أو الأسمدة، مما يظهر معه في النهاية انخفاض قُدرة الصناعات المصرية على إضافة القيمة الحقيقية بأسعار مُناسبة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض قدرتها على اختراق الأسواق الأجنبية.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة