وحدة الدراسات الاقتصادية

الاستثمار الأجنبي المباشر في ظل كورونا

تساهم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في زيادة العولمة وتعد مؤشرًا للصحة والثقة في الاقتصادات. كما أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تعد أيضًا فرصة للتمتع بميزة التكلفة وبالموارد المتوفرة في أكثر من دولة. ولكن أثرت الجائحة على جانبي العرض والطلب من الاستثمار الأجنبي المباشر وأيضًا على السياسات المتعلقة به. الأمر الذي سيشكل أزمة، حيث إن العديد من الدول، وخاصة الدول النامية وذات الدخل المتوسط والمنخفض، تعتمد على هذا النوع من الاستثمار في خلق فرص عمل والمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي.  أولًا: وضع الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا وفقًا لمرصد اتجاهات الاستثمار الصادر عن الأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) “UNCTAD” في 24 يناير 2021،…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تساهم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في زيادة العولمة وتعد مؤشرًا للصحة والثقة في الاقتصادات. كما أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تعد أيضًا فرصة للتمتع بميزة التكلفة وبالموارد المتوفرة في أكثر من دولة. ولكن أثرت الجائحة على جانبي العرض والطلب من الاستثمار الأجنبي المباشر وأيضًا على السياسات المتعلقة به. الأمر الذي سيشكل أزمة، حيث إن العديد من الدول، وخاصة الدول النامية وذات الدخل المتوسط والمنخفض، تعتمد على هذا النوع من الاستثمار في خلق فرص عمل والمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي. 

أولًا: وضع الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا

وفقًا لمرصد اتجاهات الاستثمار الصادر عن الأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) “UNCTAD” في 24 يناير 2021، وهو ما يشمل 153 دولة ويصل حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في هذه الدول إلى 98% من الإجمالي، فقد انخفضت الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالميًا في 2020 بحوالي 42% من 1.5 تريليون دولار في 2019 إلى 859 مليار دولار، بعد انخفاض بنسبة 50% في النصف الأول من 2020، وفقًا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للاستثمار الأجنبي المباشر في أكتوبر 2020، وهو معدل منخفض شوهد المرة الأخيرة في التسعينيات. كما أن هذا الحجم يعد أيضًا أقل من ذلك في فترة الأزمة المالية (2008-2009) بحوالي 30%. 

شكل 1: تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في عامي 2019 و2020

المصدر: مرصد اتجاهات الاستثمار، الأونكتاد، يناير 2021.

وبناء على الشكل رقم 1، كان الضرر الأكبر في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول المتقدمة والدول الانتقالية، حيث بلغ الانخفاض المقدر في تدفقات الاستثمار في الدول المتقدمة حوالي 69% في 2020 إلى حجم مقدر بحوالي 229 مليار دولار من 730 مليار دولار، وشكل هذا الانخفاض 80% من إجمالي الانخفاض العالمي البالغ 630 مليار دولار، وفي الدول الانتقالية بحوالي 77% إلى 13 مليار دولار من حوالي 58 مليار دولار. في حين كانت تدفقات الاستثمار في الدول النامية أقل تأثرًا، وهي الدول صاحبة أكبر نصيب من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتصل نسبتها من الإجمالي إلى 72%، حيث انخفضت تدفقات الاستثمار بحوالي 12% لتصل إلى 616 مليار دولار من 702 مليار دولار.

كما كان صافي التدفقات في أوروبا الأكثر تأثرًا بالجائحة، حيث تراجعت بأكثر من 100% لتصل إلى -4 مليارات دولار في 2020 من 344 مليار دولار في 2019، كما عانت دول أوروبية كثيرة من تدفقات سلبية كبيرة مثل المملكة المتحدة (حيث تراجعت بأكثر من 100%)، وإيطاليا (تراجعت أيضًا بأكثر من 100%)، وألمانيا (-61%)، وفرنسا (-39%)، وهو ما ساهم بشكل كبير في الانخفاض في الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالميًا. وكانت أمريكا الشمالية ثاني أكبر متضرر، حيث تراجع صافي التدفقات بحوالي 46% ليصل إلى 166 مليار دولار في 2020 من 309 مليارات دولار في 2019. كما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في آسيا، والتي ساهمت في نمو الاستثمارات في العقد الأخير بشكل ضخم، بنسبة 31%. كذلك انخفضت في إفريقيا بحوالي 18% إلى حوالي 38 مليار دولار في 2020 من 46 مليار دولار في 2019. إضافة إلى ذلك، ظلت مصر في المرتبة الأولى كأكبر متلقٍّ للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا على الرغم من الانخفاض في التدفقات البالغ 39% لتصل إلى قيمة مقدرة بحوالي 5.5 مليارات دولار في 2020. وأخيرًا انخفضت التدفقات في إفريقيا جنوب الصحراء بحوالي 11% لتصل إلى 28 مليار دولار في 2020.

وعلى صعيد آخر، تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر متلقٍ للاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث زادت التدفقات بنسبة 4% لترتفع من 140 مليار دولار في 2019 إلى 163 مليار دولار في 2020 مع تسارع تعافيها في الربع الأخير، بينما تراجعت التدفقات في الولايات المتحدة بنسبة 49% لتصل إلى 134 مليار دولار في 2020 من 251 مليار دولار في 2019. كذلك ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحوالي 13% في 2020 مدعومة بزيادة الاستثمار في القطاع الرقمي.

شكل 2: اتجاهات الاستثمار حسب نوع الاستثمار والمنطقة

المصدر: مرصد اتجاهات الاستثمار، الأونكتاد، يناير 2021.

كذلك أثرت الجائحة على جميع أنواع الاستثمارات، حيث انخفض الاستثمار في المشاريع الجديدة “Greenfield investments” بحوالي 35%، وهي المتأثر الأكبر بالجائحة لتصل إلى 547 مليار دولار في 2020 من 846 مليار دولار في 2019، وبنسبة 10% في الاندماج والاستحواذ عبر الحدود لتصل إلى 456 مليار دولار في 2020 من 505 مليارات دولار في 2019، وبنسبة 2% في صفقات تمويل المشاريع الدولية الجديدة، وهو مصدر مهم للاستثمار في البنية التحتية. 

كان الانخفاض في المشاريع الجديدة الأكبر في الدول المتقدمة، حيث انخفضت بحوالي 19% وتليها الاستثمارات في الاندماج والاستحواذ عبر الحدود بحوالي 11%، بينما ارتفعت صفقات تمويل المشاريع الدولية الجديدة بحوالي 7%، وكان الضرر في شمال أمريكا أكبر مما حدث في أوروبا في جميع أنواع الاستثمارات. أما بالنسبة إلى الدول النامية، ففي حين انخفضت التدفقات في جميع أنواع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلا أن الانخفاض في المشاريع الجديدة كان أيضًا الأكثر تأثرًا، حيث انخفضت بحوالي 46%، وكان الضرر في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي أكبر مما حدث في آسيا في جميع أنواع الاستثمارات، وهو ما سوف يكون له تأثير ضخم على القدرة الإنتاجية لهذه الدول وعلى تطور البنية التحتية، وبالتالي على قدرة هذه الدول في تحقيق العديد من أهداف التنمية المستدامة. أما بالنسبة إلى الدول الانتقالية، فقد كان التغير في التدفقات متطرفًا، حيث انخفضت التدفقات في المشاريع الجديدة بحوالي 60% وفي صفقات تمويل المشاريع الدولية الجديدة بحوالي 50%، بينما ارتفع حجم الاندماج والاستحواذ عبر الحدود بشكل هائل (147%).

إضافة إلى ذلك، انخفضت الاستثمارات الجديدة عالميًا في القطاع الأولي بحوالي 45% وبنسبة 44% في قطاع التصنيع وبنسبة 26% في قطاع الخدمات. أما بالنسبة إلى الاستثمارات في الاندماج والاستحواذ عبر الحدود، فقد انخفضت في القطاع الأولي بحوالي 52% وفي قطاع التصنيع بحوالي 8% وفي قطاع الخدمات بحوالي 6%.

ثانيًا: توقعات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا

على الرغم من أن التوقف في الاستثمارات كان مفاجئًا بسبب سياسات الإغلاق التي اتبعتها العديد من دول العالم، إلا أن التعافي سوف يستغرق وقتًا. لذلك، تتوقع الأونكتاد أن تظل الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضعيفة في العام الجاري، حيث لا يزال المستثمرون قلقين بشأن الوضع الحالي وأيضًا بشأن سياسات الاستثمار التي ستتبناها الدول، على ألا تبدأ في التعافي قبل 2022. وعلى الرغم من أن الانخفاض في الاستثمارات الجديدة المعلنة يشير إلى انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة هذا العام، إلا أن الارتفاع النسبي في النصف الثاني من 2020- وخصوصًا في الدول المتقدمة- يدل على احتمالية تحسن حجم الاستثمارات نسبيًا هذا العام. كذلك سوف تساهم الحزم التحفيزية التي ستقدمها الدول النامية في زيادة الاستثمارات في البنية التحتية، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر القائم على تمويل المشاريع.

وأخيرًا، من المتوقع أن تتأثر الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالسالب في قطاعات مثل السياحة وغيرها من القطاعات الخاسرة في فترة الجائحة، بينما من المتوقع أن تزدهر الاستثمارات في قطاعات الرعاية الصحية والتكنولوجيا والتي تعد القطاعات الأكثر ربحية في 2020، وهو واضح في حجم إعلانات الاستثمارات الجديدة في هذه القطاعات في 2020.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة