وحدة الدراسات الاقتصادية

تمويل التعليم: الواقع المصري والتجارب العالمية

يُعد التعليم أحد أهم القطاعات الرئيسية في الدولة، لذا يجب توفير كافة سبل الدعم والمساندة من جميع النواحي، ويأتي توفير الموارد المالية كأحد أهم سبل الدعم المقدمة للطلبة سواءً في المدارس أو الجامعات. يُعرّف تمويل التعليم بأنه توفير رأس مالٍ خاصٍ لأولياء الأمور قصيرة الأجل بآجال استحقاق 12 شهرًا لإلحاق أطفالهم بالمدارس بما يساهم في تخفيف أعباء الرسوم الدراسية عن أولياء الأمور، وتجدر الإشارة إلى إتاحة تلك الخدمة في عدد من البنوك المصرية، من خلال برامج خاصة تمكنك من دفع المصروفات الدراسية للأبناء في مختلف مراحل التعليم من خلال للبنك على أقساط شهرية. وتتباين شروط القرض من بنك إلى آخر،…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

يُعد التعليم أحد أهم القطاعات الرئيسية في الدولة، لذا يجب توفير كافة سبل الدعم والمساندة من جميع النواحي، ويأتي توفير الموارد المالية كأحد أهم سبل الدعم المقدمة للطلبة سواءً في المدارس أو الجامعات.

يُعرّف تمويل التعليم بأنه توفير رأس مالٍ خاصٍ لأولياء الأمور قصيرة الأجل بآجال استحقاق 12 شهرًا لإلحاق أطفالهم بالمدارس بما يساهم في تخفيف أعباء الرسوم الدراسية عن أولياء الأمور، وتجدر الإشارة إلى إتاحة تلك الخدمة في عدد من البنوك المصرية، من خلال برامج خاصة تمكنك من دفع المصروفات الدراسية للأبناء في مختلف مراحل التعليم من خلال للبنك على أقساط شهرية. وتتباين شروط القرض من بنك إلى آخر، وكذلك حسب حالة العميل ونوع الشركة التي يعمل بها، سواء كانت في قطاع عام أو خاص أو مهن حرة، وتتنافس البنوك على نسبة الفائدة المقدمة على القرض وقيمة الحد الأدنى والأقصى للقرض وفترة السداد ونسبة المصاريف الإدارية من إجمالي قيمة القرض وغير ذلك من الشروط.

كما تعتزم عدد من شركات التمويل والسداد الإلكتروني التي تتعامل مع المدارس مباشرة لتسهيل مدفوعات المصاريف الدراسية كخطوة لجذب عملاء جدد. وتشهد القروض التعليمية طلبًا متزايدًا في الوقت الحالي بين أولياء أمور الطلاب في مختلف مراحل التعليم الأساسي. 

تمويل التعليم عالميًا

تجدر الإشارة إلى تجربة بنك جرامين Grameen Bank  المعروف عالميًا ببنك الفقراء، والذي يعد أحد أهم وأثرى التجارب في مجال الإقراض متناهي الصغر، وقد نال البنك جائزة نوبل للسلام عام 2006 مناصفة مع مؤسسة د. محمد يونس -عالم الاقتصاد البنغالي- لما قام به من تنمية اقتصادية واجتماعية ساعدت على النهوض بالمجتمع وتحسين حياة الكثير من الأسر الفقيرة.

وقد أنشأ البنك مؤسسة جرامين شيكها (جرامين التعليمية) عام 1997 لتوفير المنح الدراسية والمساعدات الأخرى لطلاب الأسر الفقيرة، ويقدم البنك من خلالها أنواعًا مختلفة ومتعددة من قروض تمويل التعليم، حيث يقدم نوعين من القروض الدراسية: قروض التعليم العالي، ومنحًا دراسية لأبناء العملاء، وتمنح تلك القروض بفائدة صفر % خلال فترة الدراسة (3-5) سنة دراسية، وتزيد الفائدة إلى 5% بعد الانتهاء من الدرجة العلمية التي يمنح القرض بغرضه، ويحرص البنك على أن 50٪ على الأقل من مخصصات المنحة الدراسية يجب أن تذهب للفتيات.

وقد ساهم التمويل متناهي الصغر في رفع معدلات التحاق الأطفال بالمدرسة، حيث إن حصول الفقراء على الخدمات المالية وزيادة دخلهم يسمح لهم بالاستثمار في مستقبل أطفالهم، وزيادة حرصهم على تعليم أبنائهم، حيث أوضحت الدراسات ارتفاع نسب التعليم بين أبناء أسر أعضاء برامج التمويل متناهي الصغر مقارنة بأبناء غير الأعضاء. وتوضح الدراسات التي تمت حول أثر التمويل على تعليم الأطفال النتائج التالية:

أشارت دراسة أجرتها هيلين تود في عام 1996 على قرية يعمل بها بنك جرامين إلى الارتفاع الكبير في نسب التعليم بين أبناء الأسر الأعضاء مقارنة بأبناء الأسر غير الأعضاء. 

وقد حصلت جميع الفتيات تقريبًا في الأسر الأعضاء في بنك جرامين على قدر من التعليم مقارنة بما نسبته 60 % من الفتيات في مجموعة المقارنة، كما ذهب 81 % من الأولاد في الأسر الأعضاء إلى المدرسة مقارنة بما نسبته 54% من الأولاد في الأسر غير الأعضاء. 

وقد أثبت ذلك أيضًا في دراسة للبنك الدولي عام 1998 أن نسب التعليم بين المشاركين في البرامج الائتمانية أعلى بالمقارنة مع غير المشاركين، وأن معدلات تعليم الفتيات في الأسر الأعضاء في بنك جرامين أعلى كثيرًا من الناحية الإحصائية. 

 فيما يتعلق بعملاء بنك براك ببنجلاديش، فقد تضاعفت مهارات القراءة والكتابة والحساب لأطفال العملاء من 12% عام 1992 لتصل إلى 24% في عام 1995.

ارتفاع نسب التعليم بين أبناء أسر أعضاء بنك جرامين مقارنة بأبناء غير الأعضاء بإحدى قرى بنجلاديش، حيث حصلت جميع الفتيات في الأسر الأعضاء بالبنك على تعليم بالمقارنة بنحو 60% فقط من الفتيات في الأسر غير الأعضاء، هذا إلى جانب ذهاب نحو 81% من الأولاد في الأسر الأعضاء إلى المدرسة مقارنة بنحو 60% فقط لأولاد غير الأعضاء.

أضف إلى هذا يقدم بنك راكيا بإندونيسيا، تم تأسيس البنك في سبتمبر 1954، تحت اسم بنك الشعب الإندونيسي لتقديم الخدمات المصرفية بالمناطق الريفية وذلك في إطار دعم وتعزيز التنمية الريفية. وأطلق البنك منتجات ائتمانية جديدة تهدف لتنمية المجتمع وتمكين المجتمعات المحلية المحيطة بمناطق عمل البنك، عن طريق تقديم المساعدة والإغاثة في حالات الكوارث الطبيعية، والمساعدة في تطوير والحفاظ على أماكن العبادة، والحفاظ على الصحة العامة، وتطوير المرافق العامة. ويقدم البنك قروض لدعم الأنشطة التعليمية موجه لتمويل المنح الدراسية وتوفير اللوازم المدرسية وتأهيل وترميم المدارس ومراكز التدريب.

كما يمكن أن نسلط الضوء على تجربة مؤسسة “كشف” وهي إحدى مؤسسات التمويل متناهي الصغر كأول مؤسسة متخصصة في التمويل الأصغر في باكستان. وقد بدأت في عام 1996 كبرنامج يهدف إلى التخفيف من حدة الفقر من خلال توفير الخدمات المالية وغير المالية عالية الجودة للأسر ذات الدخل المنخفض، مع التركيز على النساء، من أجل بناء قدراتهن وتعزيز دورهن الاقتصادي.

كما لدى مؤسسة كشف منتج للمدارس الخاصة منخفضة التكلفة، والذي يتيح الوصول إلى التمويل الأصغر، والتدريب على إدارة المدرسة، وتأهيل المعلمين. وقد أظهرت الدراسات أن نحو 69% من المدارس شهدت تحسنًا في معدلات الالتحاق، و15% من المدارس قامت بإضافة زاوية للمطالعة ومكتبة، كما بدأت 11% من المدارس باستخدام خطط عمل وخطط للدروس لفصولهم الدراسية، و29% من المدارس لديها طرق ومخارج للطوارئ أكثر وضوحًا.

نخلص مما سبق إلى أن هناك اتجاهات جديدة جديرة بالملاحظة في تزايد فرص تمويل التعليم في مصر، وتأتي في مقدمتها دخول البنوك لتقديم خدمات ائتمانية جديدة وفاعلين جدد من شركات الاستثمار وشركات الدفع الإلكتروني مستفيدة من انتشار استخدام التطبيقات التكنولوجية.

ولكن جدير بالملاحظة أن تمويل التعليم في مصر يختلف عن فكرة تمويل التعليم المطروحة في الخارج حيث يوجه بصورة أساسية إلى تمويل التعليم الخاص مرتفع التكلفة، بينما في الدول المختلفة تساهم مؤسسات التمويل متناهي الصغر في توفير تمويل لأفراد من الفقراء بما يشجعهم على إلحاق أطفالهم بالمدارس ويساهم في تمويل نفقات مستلزمات الدراسة بقروض صغيرة وفوائد مبسطة، أضف إلى هذا تقديمه إلى المدراس الخاصة للتوسع في تقديم خدماتها بالمناطق النائية والفقيرة بما يساهم في تنمية مجتمعية، وهو ما يقترح أن تتجه له شركات ومؤسسات التمويل متناهي الصغر في مصر في ظل ارتفاع معدلات التسرب من التعليم، كما يجب العمل على تطوير منتجات ائتمانية جديدة تتناسب فئات مختلفة ومتنوعة من الأفراد لتشجيعهم على إلحاق أطفالهم بالمدارس بفوائد مخفضة وضمانات بسيطة.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية