كوفيد-19 واسئلة حقوق الانسان (1)

عضو الهيئة الاستشارية

مع الحديث عن موجة ثالثة من فيروس كوفيد-19، هناك قلق حيال عدة سلالات متحولة منه، لكونها تحتوي على طفرات في بروتين S الشوكي، والذي يستخدمه الفيروس للالتصاق بالخلايا وإصابتها بالعدوى. واذا كان العلماء قد طوروا لقاحات كوفيد بناء على هذا البروتين، قبل أن تكتشف طفرات السلالات الجديدة، فهناك تخوف من ان تكون هذه اللقاحات غير فعالة بالنسبة للطفرات الجديدة، وإن كانت الأبحاث تشير الى حدود الان انها لحدود الان لاتزال قادرة على توفير حماية ضد الإصابة بحالة شديدة من كوفيد-19. ومع ذلك تعكف المختبرات على إنتاج جرعات لقاح معزِزة لتحسين الحماية ضد السلالات المتحولة. من ناحية ثانية، بعد تجاوز مرحلة الصدمة والهلع، بدأ…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مع الحديث عن موجة ثالثة من فيروس كوفيد-19، هناك قلق حيال عدة سلالات متحولة منه، لكونها تحتوي على طفرات في بروتين S الشوكي، والذي يستخدمه الفيروس للالتصاق بالخلايا وإصابتها بالعدوى. واذا كان العلماء قد طوروا لقاحات كوفيد بناء على هذا البروتين، قبل أن تكتشف طفرات السلالات الجديدة، فهناك تخوف من ان تكون هذه اللقاحات غير فعالة بالنسبة للطفرات الجديدة، وإن كانت الأبحاث تشير الى حدود الان انها لحدود الان لاتزال قادرة على توفير حماية ضد الإصابة بحالة شديدة من كوفيد-19. ومع ذلك تعكف المختبرات على إنتاج جرعات لقاح معزِزة لتحسين الحماية ضد السلالات المتحولة.

من ناحية ثانية، بعد تجاوز مرحلة الصدمة والهلع، بدأ سكان العالم يتعايشون بشكل متزايد مع الفيروس، بل بات العديد من الأشخاص يتمردون عليه، من خلال رفضهم الالتزام بالتدابير الوقائية، بما في ذلك التباعد الاجتماعي ووضع الكمامة. هذا يعني، من ناحية، صعوبة السيطرة على الفيروس وعلى طفراته، في وقت لاتزال وتيرة اللقاح بطيئة في جل دول العالم. ومن ناحية أخرى، ان المعركة ضد هذا العدو الخفي ربما ستستمر طويلا، لعدة اعتبارات سيتم التطرق لها في هذا المقال. ويعني، أيضا، ان تداعيات الجائحة ستكون واسعة على التمتع بحقوق الإنسان، بما في ذلك الصحة البدنية والنفسية، والأثر السلبي على الاقتصاد والمجتمع، وما يترتب على ذلك من تفاقم أوجه عدم المساواة داخل نفس الدولة وبين دولة واخرى.

لقد كشفت الجائحة التفاوتات والاختلالات داخل المجتمعات. وقد تفاقم الأثر السلبي الناجم عنها نتيجة لعدم معالجة الأسباب الهيكلية التي كانت قائمة من قبل على صعيد عدم المساواة، وعدم تمكن نسبة كبيرة من الدول، الغنية والفقيرة على حد سواء، من تلبية الاحتياجات الأساسية لفئات واسعة من مواطنيها. وأظهرت الأزمة الراهنة التفاوتات الصارخة بين المواطنين في تمتعهم بحقوق الإنسان، مع عدم توفر الحماية الاجتماعية لنسبة كبيرة من السكان حول العالم.

الى جانب تأثير الجائحة المباشر على الحق في الصحة، فقد اثرت أيضا على الحق في التعليم، بحيث ارتفعت نسبة الأطفال الذين لم يستوفوا الحد الأدنى من مهارات القراءة 20%، وارتفع عدد الأطفال الذين يعيشون ظروفا صعبة ليصل إلى 584 مليون طالب في عام 2020، بدل 483 مليون طالب قبل الجائحة. واذا كانت مجموعة من الدول قد اختارت التعليم عن بعد كتقنية جديدة فرضتها الجائحة، الا انه يكرس مبدأ عدم تكافؤ الفرص امام المتعلمين. وإذا كانت ظروف التعليم ليست متساوية ضمن البلد الواحد، فكيف بين الدول المتقدمة والدول النامية؟ ربما تكون البلدان المتقدمة والغنية أكثر استعدادا للانتقال إلى استراتيجيات التعلم عن بعد او التعلم الالكتروني او استخدام الذكاء الاصطناعي، الا ان الامر بالنسبة للبلدان المتوسطة الدخل والفقيرة سيكون مستحيلا. 

أيضا، فرضت الجائحة قيودا على حرية تنقل الأشخاص، بعدما اصبح التنقل من اجل السياحة مستحيلا في عدد من دول العالم، واصبح الدخول او الخروج من بعض الدول يحتاج تصاريح خاصة من قبل السلطات المعنية، وتوفر أسباب قوية، مستعجلة وموثقة من اجل السماح بالسفر. كما أثرت الجائحة على مشاركة المواطنين في الحياة العامة وإمكانية الحصول على المعلومات. وقوضت من إعمال الحق في الغذاء من خلال تأثيرها على سلاسل الإمداد. كما ساهمت في تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة من قبل في العالم سواء بين الجنسين، او من حيث فقدان الملايين وظائفهم وتأثير ذلك على حقهم في سكن لائق وارتفاع نسب الفقر المدقع، مما أدى إلى إهدار التقدم المحرز في العديد من البلدان على مدار السنوات الماضية للحد من الفقر. 

أيضا، زادت الجائحة من معدلات التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين باتوا معرضين بشكل أكبر لخطر الإصابة بالوباء حيث تزداد بينهم معدلات الوفيات ويواجهون عوائق في الحصول على الخدمات الصحية الجيدة في الوقت المناسب. والتمييز ضد كبار السن والمهاجرين واللاجئين والنازحين داخليا والأشخاص المنتمين إلى الأقليات والشعوب الأصلية. وزادت من ارتفاع مستويات الديون مما سيؤثر على قدرة بعض الدول على الصمود في وجه الوباء وغيره من حالات الطوارئ الصحية، وما سيترتب على ذلك من عواقب اجتماعية واقتصادية والنهوض بالتنمية المستدامة وإعمال حقوق الإنسان. كما انها كرست لمبدأ عدم تكافؤ الفرص بين الدول المتقدمة والدول النامية، بعدما ازاح الوباء النقاب عن وجه العالم الحقيقي، وكشف ان المبادئ التي يرفعها الغرب المتعلقة بحقوق الانسان بمفهومها الدولي، ومبادئ العدالة والتضامن الدولي هي مجرد شعارات فارغة. 

وقد سقطت هذه الشعارات مع أولى عمليات القرصنة التي قامت بها دول كبرى للاستيلاء على شحنات من المواد الكحولية واقنعة الوجه ومواد طبية، مع بداية ظهور الوباء، وصولا الى الحرب المستعرة اليوم بخصوص اللقاحات. فإذا كانت غالبية اللقاحات المقدمة تتركز في البلدان المرتفعة الدخل، فإن البلدان منخفضة الدخل لاتزال متخلفة عن الركب، مما يحول دون تحقيق المجتمع الدولي بأسره هدف القضاء التام على الوباء في أقرب وقت ممكن، وتحقيق اهداف التنمية المستدامة 2030.

نقلا عن جريدة الأهرام، ٨ أبريل ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب