لا إنجاز بغير علم.. ولا تطور بغير تخطيط وإدراك ظروف العصر وتقلبات المواقف فيه ومن حوله، وإذا كان العلم ضرورة فإن التخصص الدقيق يصبح أدعى. ويتطلب النجاح فى تطوير المجتمع ورفع مستويات المعيشة اقتران العلم بالتخطيط والخبرة بهذه الكلمات المختصرة والتي جاءت في مقدمة كتاب الراحل د. كمال الجنزوري والمعنون «طريقي» يوضح لنا أهمية التخطيط للمستقبل. ولم يكن ذلك مستغربا عن الرجل باعتباره ابن مدرسة التخطيط المصرية، وهي المدرسة التي بدأت بلجنة التخطيط القومي عام 1955 ثم وزارة التخطيط عام 1960 ومعهد التخطيط القومي وهي الكيانات التي عملت على تعميق فكر التخطيط علما وفنا. وقد أثبتت الأحداث الجارية على الساحتين…

عبد الفتاح الجبالي

لا إنجاز بغير علم.. ولا تطور بغير تخطيط وإدراك ظروف العصر وتقلبات المواقف فيه ومن حوله، وإذا كان العلم ضرورة فإن التخصص الدقيق يصبح أدعى. ويتطلب النجاح فى تطوير المجتمع ورفع مستويات المعيشة اقتران العلم بالتخطيط والخبرة بهذه الكلمات المختصرة والتي جاءت في مقدمة كتاب الراحل د. كمال الجنزوري والمعنون «طريقي» يوضح لنا أهمية التخطيط للمستقبل. ولم يكن ذلك مستغربا عن الرجل باعتباره ابن مدرسة التخطيط المصرية، وهي المدرسة التي بدأت بلجنة التخطيط القومي عام 1955 ثم وزارة التخطيط عام 1960 ومعهد التخطيط القومي وهي الكيانات التي عملت على تعميق فكر التخطيط علما وفنا. وقد أثبتت الأحداث الجارية على الساحتين العالمية والمحلية، خاصة بعد كورونا، صحة هذه الرؤية وأدرك الجميع أن السوق هي وسيلة إنتاج ليس إلا، وأن آليات السوق تتطلب توافر حد أدنى من العناصر فهي لا تؤدى تلقائيا إلى حسن استخدام الموارد، سواء بين الأفراد أو على المستوى القومي. لذلك ومادامت السوق لا يمكن أن تلبى جميع الحاجات فلابد أن تتدخل الدولة لتعديل مسار السوق. وهكذا فإن آلية السوق لا تخدم بدقة الأهداف التي تدعى أنها تحققها، مثل تزويد المجتمع بتقييم دقيق للتكاليف النسبية للإنتاج وغيرها. إذ تعاني الأسواق اختلالات عديدة يعود بعضها الى الأوضاع الاحتكارية، والبعض الآخر ناجم عن الاعتبارات القصيرة الأجل فى العمل، والتي تجعل السوق أقل قدرة على المنافسة أو أقل كفاءة أو أقل إهتماما بالأوضاع البيئية فى المجتمع. وثانيا هناك تشوهات في شكل تفاوتات بين الأفراد الداخلين للسوق، إما لإفتقارهم الى التعليم أو المهارات اللازمة للمنافسة. وثالثا كثيرا ما لا يعبر السوق عن التكاليف والفوائد الخارجية (سواء كان التلوث أو الوقاية من بعض الأمراض المتوطنة).وبعبارة أخرى فإن الفهم السليم للسلوك الإقتصادي يتطلب هجر الكثير من الأفكار التقليدية السائدة حاليا والتي ترى أن النظام الرأسمالي يمثل نهاية التاريخ على حد تعبير فوكو ياما أي أن هناك نظاما اقتصاديا واحدا يحكم العالم وهو الرأسمالية الليبرالية، بإعتباره الطريق الوحيد لتنظيم الإنتاج والتوزيع أو ما أشار اليه ميلتون فريدمان فى كتابه الرأسمالية والحرية الى أن التجربة أثبتت أن التخطيط المركزي هو فعلا الطريق الى العبودية كما ذكر فردريك هايك، وهي أفكار ثبت خطؤها تماما. فالبون شاسع بين افتراضات السوق الكفء والأداء الفعلي للأسواق، وهكذا فإنه لا غنى عن دور نشيط للدولة لإصلاح الأسواق، ومن ثم تحسين قدرتها على العمل ولمواجهة الآثار الإجتماعية لأداء السوق. وكلها أمور لن تتم إلا عبر أداة أساسية هى التخطيط الإقتصادي السليم وإمتلاك بوصلة هادية لنمط التحولات المنشودة للنهوض، معتمدة على المنهج العلمي الخلاق الذي يجمع بين الواقعية والخيال العلمي فى أن واحد.من هذا المنطلق تأتى أهمية ما ذكره د. كمال الجنزوى فى كتابه مصر والتنمية حيث أشار الى أن الإقتصاد المصري عانى  مشكلات أساسية يأتي على رأسها تزايد الإعتماد على العالم الخارجي، خاصة فى السلع الغذائية، وثانيا جمود الإنتاج المحلى، وتدهور الإنتاجية، وضعف القدرة التصديرية، وثالثا تزايد الإنفاق العام بمعدلات تفوق تزايد الإيرادات العامة، ورابعا ضعف الطاقة التشغيلية للإقتصاد ونقص العمالة المدربة. ويرى أن القضاء على هذه المشكلات لن يتأتي إلا عبر إصلاح البناء الهيكلي والمادي للمجتمع، جنبا الى جنب مع الإصلاح المالي والنقدي، وذلك عن طريق الإدارة الإقتصادية الكفء. ونقطة البداية هي بالتخطيط العلمي التأشيري والتنفيذ المنضبط والمتابعة الواعية. وذلك عن طريق إعادة العمل بالخطط التنموية وتطوير ودعم أجهزة التخطيط الممثلة فى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المسئول عن المعلومات ومعهد التخطيط القومي كمسئول عن البحوث والدراسات وبنك الإستثمار القومي، بإعتباره الأداة التمويلية، فضلا عن وزارة التخطيط نفسها. ويرى د. كمال الجنزوري أن النهوض بالمجتمع المصري يجب أن يقوم على أربعة أسس رئيسية هي إبتعاث الإرادة الوطنية، إذ أن التنمية ليست منوطة بجهة واحدة محددة، بل هي جماع جهود شاملة تلتحم فيها مسئولية الحكومة بنشاط المجتمع، وهو ما يتطلب إفساح المجال أمام حرية الرأي والتعبير. وثانيا التحول الى مجتمع معرفي بحيث تصبح مصر مجتمعا منتجا للمعرفة بأدواتها ومحتوياتها وإذا كان التعليم هو الذي يضع اللبنة الأولى لبنية أساسية معرفية فلابد من تغيير شامل فى كل عناصر المنظومة التعليمية من طالب ومعلم وإدارة ومناهج ومدرسة وتمويل وفلسفة تخرج به عن نمطيته وجموده الى آفاق الخيارات المفتوحة، وثالثا الإيمان بالتنوع الفكري، وأن يعمل المجتمع وفقا لقواعد التنافس الحر ثم يدير حركته الإجتماعية.إنطلاقا من هذه الرؤية يري د. الجنزوري انه من الأهمية أن تقوم السياسة المالية علي زيادة الإنفاق الاستثماري في مشروعات البنية الأساسية المادية والاجتماعية بحيث تكون هادية للقطاع الخاص لتوجيه استثماراته الي القطاعات الإنتاجية. والاستمرار في الحد من النفقات الحكومية غير الضرورية باستثناء زيادات الأجور والمعاشات، وتوفير التمويل اللازم للاستثمارات عن طريق زيادة الإيرادات الضريبية بتوسيع المجتمع الضريبي، وليس بفرض ضرائب جديدة، وتحصيل المتأخرات الضريبية مع الحرص على عدم الاقتراض إلا للضرورة القصوى على أن يرتبط تطور الدين العام بتطور الإستثمار العام، ولذلك فإن الزيادة في الدين العام المحلي لا يصح أن تتجاوز الزيادة في الاستثمارات العامة، بحيث لا توجه الموارد الناتجة عن التمويل الي الإنفاق الجاري. كما يجب الحرص على توفير العوامل المناسبة لتشجيع الادخار المحلي عبر الأوعية الادخارية التقليدية وغير التقليدية بحيث يصل معدل الادخار الي المعدلات التي تتناسب مع المتطلبات الاستثمارية، ومن ثم دفع عجلة الإنتاج في كل أوجه النشاط الاقتصادي وتحقيق الانطلاقة التنموية المنشودة.

ـــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٧ أبريل ٢٠٢١.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب