وحدة الدراسات الاقتصادية

أزمة عالمية: أثر إغلاق قناة السويس على الاقتصاد العالمي

تم فتح قناة السويس بعد ستة أيام من غلقها المؤقت بسبب حادثة جنوح سفينة الحاويات إيفر جيفن، التي يبلغ وزنها 224 ألف طن والمسجلة في بنما. وكانت إيفر جيفن مسافرةً من الصين إلى مدينة روتردام مارة بقناة السويس في صباح يوم 23 مارس، وذلك قبل أن تتعرض للرياح التي جعلت طاقمها غير قادر على التحكم بها. ومن ثم اصطدمت السفينة التي يبلغ طولها 400 متر بضفة القناة وأغلقت الممر الملاحي، وهو ما نتج عنه منع السفن الأخرى من المرور عبر ذلك الجزء من القناة. وكان العائق جنوب قسم القناة الذي يحتوي على تفريعتين مختلفتين، لذلك لم يكن هناك أي طريق…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تم فتح قناة السويس بعد ستة أيام من غلقها المؤقت بسبب حادثة جنوح سفينة الحاويات إيفر جيفن، التي يبلغ وزنها 224 ألف طن والمسجلة في بنما. وكانت إيفر جيفن مسافرةً من الصين إلى مدينة روتردام مارة بقناة السويس في صباح يوم 23 مارس، وذلك قبل أن تتعرض للرياح التي جعلت طاقمها غير قادر على التحكم بها. ومن ثم اصطدمت السفينة التي يبلغ طولها 400 متر بضفة القناة وأغلقت الممر الملاحي، وهو ما نتج عنه منع السفن الأخرى من المرور عبر ذلك الجزء من القناة. وكان العائق جنوب قسم القناة الذي يحتوي على تفريعتين مختلفتين، لذلك لم يكن هناك أي طريق للسفن الأخرى لتجاوز إيفر جيفين. ومع قدوم اليوم السادس للأزمة، وبالتحديد في 29 مارس، أعيد تعويم إيفر جيفن وتحريرها أخيرًا ليتم قطرها نحو البحيرات المرة للفحص الفني. 

حجم الأزمة اللوجيستية

تعتبر قناة السويس واحدة من أكثر طرق التجارة ازدحامًا في العالم، وتعتبر الأهم في التاريخ الحديث على الإطلاق. ولذلك كان للعرقلة تأثير قوي على حركة التجارة بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. وذلك علمًا بأنه يتم نقل ما يقدر بـ90٪ من التجارة العالمية عن طريق البحر.

وكانت العديد من التوقعات تنبأت بصعوبة حل الأزمة مع تحليلات ترجح استمرار العمليات لتعويم السفينة لأسابيع وربما شهور. قبل أن تعلن هيئة قناة السويس إنهاءها لمشكلة قطر السفينة لمنطقة البحيرات المرة والاستعداد لفتح القناة مجددًا خلال 6 أيام فقط من بداية الحادثة. وتمت عملية الإنقاذ من خلال عشرة زوارق قاطرة شاركت في عملية إعادة السفينة المتضررة للطفو الطبيعي، وذلك بعدما أزال الحفارون المصريون 27 ألف متر مكعب من الرمال بضفاف القناة.

ووصل عدد السفن المصطفة في 28 مارس إلى 369 سفينة. وهو ما منع 9.6 مليارات دولار من التجارة. ثم زاد الرقم في آخر إحصاء ببيان هيئة قناة السويس، ما قبل حل الأزمة، إلى 450 سفينة عالقة أو تنتظر أو تتجه إلى الممر المائي لقناة السويس الذي يمثل حوالي 12٪ من حركة التجارة العالمية. كما أن تلك الاضطرابات أثرت بشكل غير مباشر على حركة حوالي 6200 سفينة حاويات تحمل أكثر من 80٪ من تجارة البضائع. وتدير تلك السفن حوالي 12 شركة مقرها في أوروبا وآسيا. 

التأثير الاقتصادي العالمي

وكان خبراء النقل البحري واللوجستي قد حذروا من أن الحادث سيؤدي إلى تأخير شحن العناصر اليومية للكثير من السلع الأساسية للعملاء في جميع أنحاء العالم. وقدرت جريدة “لويدس ليست Lloyd’s List” قيمة البضائع التي تأخرت كل ساعة إغلاق بنحو 400 مليون دولار أمريكي، وأن كل يوم تم استغراقه في حل الأزمة قد كلف ما قيمته 9 مليارات دولار إضافية من البضائع. كما تم تقدير المكاسب التي خسرتها الدولة المصرية يوميًا ما بين 12 و14 مليون دولار.

ووفقًا لتقرير صادر عن Allianz Research، فإن كل أسبوع من عدم وجود حركة مرور عبر قناة السويس يمكن أن يضعف نمو التجارة العالمية بمقدار 0.2 إلى 0.4 نقطة مئوية. وأشارت أليانز في التقرير نفسه إلى أنه حتى قبل حادثة السويس، فإن اضطرابات سلسلة التوريد منذ بداية العام قد تقلل 1.4 نقطة مئوية من نمو التجارة. أي حوالي 230 مليار دولار من التأثير المباشر.

أما بالنسبة للاقتصاد العالمي، فإن التقديرات اليومية لقيم السلع والمدخلات الصناعية والمنتجات الاستهلاكية على السفن التي تجوب القناة تصل لحوالي 10 مليارات دولار، وذلك دون حساب قيمة تفاقم التكاليف الاقتصادية الأوسع على كافة فروع سلاسل التوريد الموجهة في الغالب من المصدرين الآسيويين إلى المستوردين الأوروبيين. وذلك وسط محاولات التجارة العالمية في التعافي من آثار الأضرار الاقتصادية من جائحة وباء (كوفيد-19). وسيؤدي الضغط الإضافي على التجارة إلى ارتفاع تكاليف النقل، وتضييق الإمدادات، وزيادة تأخيرات التسليم للمنتجين وموردي السلع.

تأثر أسواق الطاقة والسلع الأساسية

أرجعت مراكز بحوث اقتصاديات الطاقة عالميًا العامل الرئيسي المحفز لارتفاع أسعار النفط الفجائي مؤخرًا إلى الإقبال على الشراء بعد الانخفاضات الأخيرة في أسعار النفط بالتوازي مع إغلاق قناة السويس المترتب عليه تأخر إمدادات النفط. حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط وخام برنت بأكثر من 4٪.

إلا أن أسعار النفط، وعلى الفور، انخفضت مجددًا بعد أن تم فتح قناة السويس في 29 مارس 2021. وتشير الأرقام إلى أنه يتم توجيه ما يقرب من 1.9 مليون برميل من النفط عبر قناة السويس يوميًا في عام 2021. وبالعام السابق، ومن أصل 39.2 مليون برميل يوميًا من النفط الخام المستورد بالطرق البحرية، مرت 1.74 مليون برميل منها يوميًا عبر قناة السويس. وهو ما يمثل أقل من 5٪ من إجمالي التدفقات، ولكن مع استمرار التراكم، تزداد التأثيرات.

وتزداد صعوبة الموقف وحجم الأضرار من نوع سلع إلى آخر. فعلى سبيل المثال، تعتبر عملية نقل الماشية من أكثر العمليات تأثرًا بأي تأخير محتمل. إذ إن كل ساعة مهمة للأغنام وأي تعطيل أو إطالة لوقت الرحلة قد يزيد من معدل الوفيات، حتى وإن توافرت كميات الطعام المناسبة لوقت الرحلة الإضافي. وبعيدًا عن هذا القطاع من السلع، فإن حدوث اضطراب قصير المدى في قناة السويس سيكون له تأثير متراكم لعدة أشهر بطول سلسلة التوريد كاملة.

حتى قبل الحادث الذي أغلق قناة السويس، ارتفعت تكاليف المدخلات في منطقة اليورو بأسرع وتيرة منذ عقد، في حين تقدمت مقاييس الأسعار التي دفعتها الشركات الأمريكية وفرضتها في مارس إلى أرقام قياسية جديدة، حيث أدى نقص المواد وتعطل سلاسل التوريد إلى حدوث تضخم.

دراسة البدائل المحتملة لحركة نقل البضائع

من المتوقع أن يتجه وكلاء وشركات الشحن إلى رفع الطلب على وسائل النقل البديلة خلال الأسابيع القليلة المقبلة على طرق أوروبا إلى آسيا، نتيجة لسعي الشاحنين إلى تجنب الاضطراب، إلا أن جميع البدائل الأخرى لقناة السويس البرية والجوية غير مكافئة لقدرة القناة على نقل البضائع بنفس المعدلات. حتى إن البدائل الملاحية المستحدثة مثل الذي تحاول روسيا الترويج له مؤخرًا عبر البحار المتجمدة شمالًا لا يزال حلًا غير عملي.

كما أن المسار البديل الافتراضي لحركة المرور البحرية بين آسيا وأوروبا هو التحرك جنوبًا حول السواحل الإفريقية عبر رأس الرجاء الصالح له مشاكله. إذ يمكن أن يضيف نحو أسبوعين لوقت الرحلة ومئات الآلاف من الدولارات في تكاليف الوقود. وإن كان هذا ما لجأت إليه بعض السفن اعتبارًا من 26 مارس، بعد ظنهم أن الأزمة ستطول بناءً على الدراسات المختلفة. إلا أن إدارة الدولة المصرية للأزمة بسرعة جاء مفاجئًا لأغلب التوقعات. كما أن تحويل الشحنات حول إفريقيا لفترة طويلة سيؤدي إلى خفض حوالي 6٪ من سعة الحاويات العالمية من السوق. وهو ما يعادل تقريبًا إلغاء 74 سفينة فائقة العمق، مثل إيفر جيفن، من الخدمة.

ويبدو أن العمليات المصرية للقيام بالتعويم في زمن قياسي، والتي يمكن اعتبارها إنجازًا هندسيًا فريدًا من نوعه في تاريخ النقل البحري، قد أنقذت حركة التجارة العالمية من أضرار وخيمة كانت ستصيبها في حالة استمرار وضع الإغلاق، أو اللجوء للبدائل الأخرى.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة