تنمية ومجتمع

الموكب الذهبي: رحلة ملوك مصر إلى متحف الحضارات

شهدت مصر، وشهد معها العالم، في الثالث من أبريل 2021، فاعليات موكب المومياوات الملكية، ذلك الحدث الثقافي والسياحي الفريد الذي جاب عددًا من شوارع وميادين القاهرة التاريخية، منطلقًا من المتحف المصري بالتحرير حاملًا 22 مومياء لملوك وملكات مصريين بارزين يعود تاريخهم جميعًا إلى عهد الدولة الحديثة من الحضارة المصرية القديمة, ليصل الموكب في نهاية الحدث إلى مقرّه الأخير بمتحف الحضارة بمنطقة الفسطاط التاريخية, حيث كان في استقباله الرئيس “عبدالفتاح السيسي”. صادف هذا الحدث اهتمام دولي كبير، فتم نقل أحداثه على الهواء مباشرة عن طريق المئات من وكالات الأنباء العالمية، وتابعه عبر شاشات التلفاز ومن خلال شبكة المعلومات الدولية الملايين حول…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

شهدت مصر، وشهد معها العالم، في الثالث من أبريل 2021، فاعليات موكب المومياوات الملكية، ذلك الحدث الثقافي والسياحي الفريد الذي جاب عددًا من شوارع وميادين القاهرة التاريخية، منطلقًا من المتحف المصري بالتحرير حاملًا 22 مومياء لملوك وملكات مصريين بارزين يعود تاريخهم جميعًا إلى عهد الدولة الحديثة من الحضارة المصرية القديمة, ليصل الموكب في نهاية الحدث إلى مقرّه الأخير بمتحف الحضارة بمنطقة الفسطاط التاريخية, حيث كان في استقباله الرئيس “عبدالفتاح السيسي”. صادف هذا الحدث اهتمام دولي كبير، فتم نقل أحداثه على الهواء مباشرة عن طريق المئات من وكالات الأنباء العالمية، وتابعه عبر شاشات التلفاز ومن خلال شبكة المعلومات الدولية الملايين حول العالم.

رمزية الحدث

في نهاية 2019م جرى التفكير في إطلاق حدث مميز يعكس حجم النشاطات الجارية من قبل الدولة المصرية في ملف تشييد المتاحف الأثرية التي من شأنها تدعيم الحفاظ على التراث الإنساني الذي تمتلكه بلاد، كما تم التفكير في ربط هذا الحدث المنتظر بعملية الترويج للحركة السياحة في مصر والتي شهدت في هذا العام بالتحديد اشتدادًا غير مسبوق، حيث زار البلاد في 2019م أكثر من 13 مليون سائح، وهو ما قارب مستويات عام 2010 التي زار مصر خلالها 14 مليون سائح. لذلك استقر الرأي على تنفيذ موكب جنائزي أسطوري لعددٍ من المومياوات الموجودة في المتحف المصري بالتحرير، والتي كان مخططًا من قبل أن يتم نقلها وعرضها بمتحف الحضارة الجديد، ولقد جري تنسيق أحداث الموكب المزمع بشكل يسمح بحضور أعداد غفيرة من المواطنين المصريين والسائحين الأجانب، في ظل تغطية إعلامية عالمية تظهر للعالم عظمة الدولة المصرية، لكن اندلاع أزمة وباء كورونا المستجد في بداية عام 2020م, حال دون إكمال الاستعدادات الخاصة بتنفيذ هذا الحدث. 

ومع استقرار الحالة الوبائية في البلاد اتخذت الحكومة قرارها في أوائل عام 2021 باستكمال بقية الإجراءات اللازمة لتنفيذ الحدث, ولقد جاء هذا القرار بناء على رغبة الدولة في استئناف عمليات التنمية, والتي كانت قد تعطلت جزئيًا بفعل تداعيات الجائحة, حيث سيساهم هذا الحدث في إلقاء الضوء على حركة تطوير المنشآت المتحفية في مصر، والتي تصاعد عددها وفق الإحصاءات الرسمية من 42 متحفًا في 2014 إلى 67 متحفًا في 2018, وكذلك لإظهار التطوير العمراني الذي تشهده القاهرة التاريخية، سواء في شقها الخديوي أو شقها الإسلامي, بالإضافة إلى إطلاق رسائل الطمأنة للمجتمع الدولي حول سلامة المقصد السياحي المصري من الناحيتين الصحية والأمنية.

تنسيق يتلاءم مع حجم الفاعلية

في تمام الساعة السابعة والنصف من مساء يوم السبت الموافق 3 أبريل، انفتحت أبواب المتحف المصري بالتحرير، لتبدأ مسيرة العربات المخصصة لحمل المومياوات الملكية نحو متحف الحضارة, حيث حملت كل عربة من تلك العربات مومياء واحدة فقط, وبحيث يظهر على جوانب العربة اسم صاحب المومياء باللغة المصرية القديمة، وأيضًا باللغتين العربية والإنجليزية. وتَقَدَّمَ تلك العربات جمعٌ تشريفي من العجلات الحربية والدراجات النارية، ورافق الموكب مجموعات من فرق الفنون الشعبية والموسيقات العسكرية. وكتحية إجلال وتقدير لملوك مصر المحمولين بهذا الموكب، قامت عناصر من القوات المسلحة بإطلاق 21 طلقة، وهو إجراء يتماثل في أيامنا الحالية مع البروتوكول الدولي المتبع في استقبال الملوك والرؤساء.

اتجه الموكب فور انطلاقه نحو ميدان التحرير, حيث أزيح الستار عن الكباش الأثرية الأربعة ومسلة الملك رمسيس الثاني الموضوعين بمنتصفه, وأُضيئت كافة المباني المحيطة بالميدان التي تم تجديدها خلال السنوات الماضية, حيث تُعتبر تلك المباني من آثار القاهرة الخديوية المميزة, ليسير الموكب بعد ذلك بمحاذاة مجرى نهر النيل الذي يعتبر سبب نشأة ووجود الحضارة المصرية, ليعبر الموكب خلال رحلته تلك على عدد من المواقع التراثية بالقاهرة، مثل قصر الأمير محمد علي الذي تم تشييده في عام 1903م، وسور مجرى العيون أحد الآثار الهندسية المشهورة الذي بني في عهد الدولة الأيوبية، وأخيرًا قصر وكوبري المنسترلي بمنطقة الروضة اللذين تم تشييدهما خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

حظي الموكب بتغطية إعلامية استثنائية, حيث دفعت التداعيات الصحية لجائحة كورونا بمنظمي الحفل إلى ابتكار أسلوب عرض تلفزيوني مشوق لتغطية الحدث, وذلك لتشجيع المشاهدين على البقاء في المنزل وعدم التزاحم في الشوارع. فإلى جانب نقل الصورة التلفزيونية المباشرة لمسير الموكب بين نقطتي البداية بالمتحف المصري ونقطة النهاية بمتحف الحضارة، كانت هناك مشاهد مصورة ومنقولة على الهواء مباشرة من مواقع أثرية شهيرة مثل أهرامات الجيزة ومعبد الكرنك بالأقصر وغيرها. كما قدم أوركسترا سيمفوني عددًا من المقطوعات الموسيقية المصرية القديمة أثناء فترة مسير الموكب, وقامت 400 قناة عالمية بنقل الحدث مباشرة إلى المشاهدين في 60 دولة. وبالإضافة إلى ذلك، قامت الجهات المختصة في مصر بعمل بث إلكتروني Live stream لأحداث الموكب, وهو ما سهّل على أكبر عدد من المشاهدين حول العالم الاستمتاع بهذا الحدث العالمي الفريد, وسبق كل ذلك دعاية واسعة لفاعلية الموكب الملكي، وذلك عن طريق بث فيديوهات دعائية ونشرات إعلامية تستهدف المواطنين في عدد من الأسواق المصدرة للحركة السياحة إلى مصر مثل ألمانيا وإنجلترا واليابان والمملكة العربية السعودية، وذلك لجذب المزيد من المتابعين عبر العالم.

الاحتفاء بالشخصيات التاريخية

حمل الموكب 18 مومياء لملوك مصريين من الأسرات السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين, بالإضافة إلى أربع مومياوات لملكات من الأسرة الثامنة عشرة (انظر الجدول التالي رقم 1), بعض هؤلاء الملوك تمكنوا من وضع بصماتهم في صفحات التاريخ بحروف من نور, وفي مقدمتهم الملك سقنن رع الذي استشهد بعدما حارب المحتلين الهكسوس ووقع أسيرًا بين أيديهم. وتأتي بعده الملكة حتشبسوت أول من اعتلت حكم مصر من النساء, والتي اتسم عهدها بالسلام والرخاء والقوة, حيث ركزت كل مجهوداتها على تقوية حركة التجارة بين مصر والدول الأخرى, كما عملت على تعزيز قوة الجيش المصري.

ويأتي في الموكب أيضًا الملك والقائد العسكري الفذ تحتمس الثالث الذي انتصر في معركة مجدو وقام بتنفيذ 17 حملة عسكرية في كل من آسيا وبلاد النوبة لتتوسع الإمبراطورية المصرية في عهده في كامل الساحل الشرقي للبحر المتوسط وفي مملكة كوش جنوبًا. كما ضم الموكب مومياء الملك رمسيس الثاني أكثر الملوك المصريين القدماء شهرة, والذي حكم البلاد لمدة 67 عامًا, وأَمِنَت البلاد في عهده شرور العديد من القوى المعادية, بالإضافة إلى مومياء الملك رمسيس الثالث الذي يوصف بآخر الملوك العظام في عهد الدولة الحديثة, حيث نعمت الدولة المصرية في عهده بالاستقرار والسلام الداخلي, كما عادت في عهده هيبة الإمبراطورية المصرية بين كافة القوى المناوئة لها في آسيا والبحر المتوسط وإفريقيا.

* المصدر: وزارة السياحة والآثار المصرية.

* ملحوظة: فترات الحكم الواردة للملوك المصريين أغلبها تقريبية.

إن النجاح الرائع لتلك الفاعلية سيكون بمثابة باب جديد لتحقيق العديد من النجاحات على المستوى الاقتصادي والسياحي والتنموي, بفضل الزخم الإعلامي الذي سيُحدثه الموكب في كافة أنحاء العالم, بما يُتيح لمصر الفرصة لضمان حصة جيدة من حركة السياحة الثقافية العالمية خلال النصف الثاني من 2021م وطوال 2022م, كما أن الصورة المشرفة التي ظهرت عليها القاهرة التاريخية في هذا اليوم, ستدفع بالمزيد من المستثمرين في شتى المجلات من أجل التفكير في ضخ استثمارات جديدة داخل مصر، خاصة الاستثمارات الثقافية منها والعقارية, لذلك يجب علينا من الآن أن نفكر في كيفية تحقيق أقصى قدر من الفوائد الناتجة عن هذا الحدث, وربما علينا أيضًا أن نستعد من الآن لإبداع حدث عالمي جديد يضاهي في عظمته موكب المومياوات الملكية.

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة