نحو نموذج سياسي مصري

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

بعد عشر سنوات من إعصار يناير، هدأت الأوضاع في بر مصر، وأصبحنا واثقين من أن الأسوأ قد أصبح خلفنا، وأصبحنا أكثر ثقة في قدرتنا على التقدم إلى أمام رغم الصعاب. الحفاظ على الدولة وتثبيتها كان هو الهدف العاجل والأكثر إلحاحا الذي انشغلنا به خلال السنوات الماضية، فنجحنا في تحقيق الهدف بامتياز، وبتنا جاهزين للانتقال لمرحلة تالية؛ مرحلة بناء نظام سياسي مستدام، يبنى على خبرة قرنين من الحداثة، تقلبنا خلالها بين أشكال من الحكم السلطاني والاستبدادي والثوري والدستوري.  سقوط نظام مبارك ومن بعده نظام الإخوان يقدمان دليلا على أن هذا البلد لا يمكن أن يحكم بالاستبداد. لكن الإخفاق المتكرر في تأسيس…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

بعد عشر سنوات من إعصار يناير، هدأت الأوضاع في بر مصر، وأصبحنا واثقين من أن الأسوأ قد أصبح خلفنا، وأصبحنا أكثر ثقة في قدرتنا على التقدم إلى أمام رغم الصعاب. الحفاظ على الدولة وتثبيتها كان هو الهدف العاجل والأكثر إلحاحا الذي انشغلنا به خلال السنوات الماضية، فنجحنا في تحقيق الهدف بامتياز، وبتنا جاهزين للانتقال لمرحلة تالية؛ مرحلة بناء نظام سياسي مستدام، يبنى على خبرة قرنين من الحداثة، تقلبنا خلالها بين أشكال من الحكم السلطاني والاستبدادي والثوري والدستوري. 

سقوط نظام مبارك ومن بعده نظام الإخوان يقدمان دليلا على أن هذا البلد لا يمكن أن يحكم بالاستبداد. لكن الإخفاق المتكرر في تأسيس نظام ديمقراطي يبرهن على أن هذا البلد لا يمكن أن يحكم ديمقراطيا أيضا، وهذا هو التحدي الذي يواجهنا. 

لا يوجد نظام حكم جيد وآخر سيء، فنحن لا نفاضل بين نظم الحكم كما لو كنا نتسوق واحدا من المركز التجاري؛ ولكن يوجد نظام حكم مناسب وآخر غير مناسب، فكل بلد له تاريخه وثقافته وتركيبته الاجتماعية التي تحدد ما يناسبه وما لا يناسبه. هناك دول ديمقراطية وهناك دول استبدادية، والنجاح في إدارة المجتمع والاقتصاد نجده على الجانبين، في الدانمرك والنرويج الديمقراطية وفي الصين وسنغافورة الاستبدادية، وكلها دول أنتجت هيئات حكم تدير المجتمع وتضمن النظام والأمن والرفاهية لأهله. 

يحتاج المجتمع إلى سلطة تحكم وتحمي وتوجه؛ تحقق الأمن، وتقيم العدل، وتحمى الأنفس والأعراض والأموال، وتحفظ للأمة كبريائها الوطني بين الأمم. عدم القابلية للحكم، والعجز عن إقامة سلطة شرعية تقوم بكل هذه الواجبات، هو أسوأ مصير يمكن لمجتمع أن يواجهه، وهذه هي حالة الدول الفاشلة. 

لقد نجحنا في تجنب هذا المصير المروع، الذي انزلقت إليه بلاد شقيقة مجاورة. لكن التردد والمراوحة بين الديمقراطية والاستبداد تهدد بإبقاء سيف عدم الاستقرار، الذي قد ينزلق إلى فوضى، مسلطا على رقابنا؛ والمطلوب هو تطوير صيغة وسطى مستدامة، فيها ما يكفي من الديمقراطية لضمان التمثيل والتعبير والحرية والكرامة؛ وفيها من حزم السلطة ما يلزم لتعبئة الموارد الضرورية للتنمية، ولحفظ النظام والأمن، حتى لا نتشتت وتذهب ريحنا. 

لسنا جاهزين للديمقراطية لأننا منقسمون حول القيم والأهداف الأساسية للدولة والمجتمع، ولأن حجم الخلاف بيننا أكبر من أن يسمح بالتعايش والتبادل السلمي للسلطة. صحيح أن الديمقراطية تسمح بحل الخلافات بطرق سلمية وقانونية، ولكن الصحيح أيضا هو أن الديمقراطية تحل الخلافات التي تجري على قاعدة عريضة من التوافق حول هوية المجتمع وحدود المجتمع السياسي وقيمه الأساسية وهدف وجوده، فإذا غاب التوافق حول هذه القضايا تتوقف الديمقراطية عن العمل، ولنا فيما جرى في الولايات المتحدة في زمن الحرب الأهلية الأمريكية دليل على ذلك. 

أصحاب الآراء المتطرفة المنحرفة عن القيم الأساسية للدولة والمجتمع موجودون دائما في البلاد الديمقراطية، ويمكن للنظام الديمقراطي التعامل مع هؤلاء دون التخلي عن طابعه الديمقراطي، طالما كان هؤلاء مجرد أقلية صغيرة، لا تملك صوتا مؤثرا ولا تمثل خطرا على النظام الديمقراطي. عندما يكون غريبي الأفكار هؤلاء بلا وزن مؤثر، فإن التسامح معهم يصبح ممكنا وغير مكلف، بل إنه يشيع بين أهل البلاد شعورا بالرضا عن الذات المتسامحة المنفتحة القابلة للتعددية والملتزمة بقيم حقوق الإنسان. الأمر يختلف تماما عندما يتعمق الانقسام في المجتمع. الانقسامات والصراعات الراهنة في الولايات المتحدة وبلاد أوروبية عدة، والتدهور الحادث في جودة وفاعلية الحكم الديمقراطي في هذه البلاد، هو نتيجة لتعمق الخلافات في المجتمع، ولانتقال المتطرفين أصحاب الأفكار الشاذة من الهوامش قليلة الأهمية إلى القلب السياسي المؤثر.

المشكلة في بلادنا هي غياب التوافق على الأسس الرئيسية للدولة والمجتمع، وأن أصحاب الآراء الشاذة والمتطرفة ليسوا أقلية صغيرة يمكن إهمالها. فلو كان المختلفون منا مجرد أقلية قليلة لأمكنا أن نتسامح مع وجودهم غير المؤثر، ولشعرنا بالرض عن أنفسنا لما فينا من تسامح ومن قبول بمعاني التعددية، ولكان الله قد كفانا شر القتال.

في بلادنا من عمق الاختلافات ما يمنع الديمقراطية، لكن فيها أيضا غياب لمقومات السلطوية الناجحة. توجد في شرق آسيا نماذج ناجحة للحكم السلطوي الفعال والمستدام، رغم أن استقرار نظم الحكم هناك لا يعتمد أساسا على القمع وكبت الحريات، ففي هذه المجتمعات قيم ثقافية تتسم بقدر عال من الروح الجماعية والانضباط الطوعي واحترام السلطة، وكلها عوامل تحد من احتمالات الانشقاق، وتجعل من الطلب الاجتماعي على السلطة أقوى من الطلب على المعارضة، بما يجعل من نظم الحكم الآسيوية نظما ملائمة لظروف مجتمعاتها. الصين هي أنجح بلاد آسيا، وفيها بالإضافة إلى الثقافة السياسية الآسيوية، حزب حاكم هو الأكبر في العالم، وهو حزب يتمتع بشرعية تاريخية، مستمدة من دوره في تحرير الصين من الاستعمار، وتحويلها إلى قوة كبرى، وإخراج أهلها من الفقر.

في غياب الثقافة السياسية الملائمة والتنظيم السياسي المحكم، يصبح الاستبداد المفرط نظام حكم عالي التكلفة، غير مستدام، يصعب على أي مجتمع طبيعي احتماله. فالاستبداد الناجح يحتاج إلى موارد تكفي لشراء سكوت المعارضين، ولتجنيد أعداد غفيرة من قوات الأمن الموالية، وتجهيزهم بالمعدات باهظة الثمن، وهو ما يصعب على دولة فقيرة محدودة الموارد التعايش معه. 

التحدي السياسي والفكري الذي نواجهه هو أننا لا نستطيع أن نذهب في شوط الاستبداد أو شوط الديمقراطية إلى نهايته، وأن علينا أن نجد لبلدنا موقعا بينهما، فيه من السلطوية والديمقراطية ما يكفي لمنع التشظي والانقسام، ولتمكين التعددية الموجودة في المجتمع من التعبير عن نفسها، وأظن أننا بتنا جاهزين للتعامل بجدية مع هذا التحدي. 

ـــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ١ أبريل ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب