الإرهاب في أفريقيا وخطط المواجهة

عضو الهيئة الاستشارية

مكن التعاون والتنسيق بين مصالح الأمن المغربية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية، من تفكيك خلية إرهابية، الأسبوع الماضي، في مدينة وجدة شرق المغرب. تفكيك هذه الخلية المكونة من 4 أشخاص موالين لتنظيم “داعش”، تعكس أهمية التعاون الدولي لمكافحة التهديدات الإرهابية، ونجاعة الشراكات وتبادل المعلومات في ضمان نجاح عمليات مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، من ناحية. لكنها من ناحية أخرى، تسائل تمدد الإرهاب في غرب افريقيا، وانعكاسات ذلك على امن المغرب وامن المنطقة بالكامل. لا شك ان تنامي الجماعات الارهابية في منطقة الساحل، وتجنيدها وتدريب اتباعها عبر الانترنت يمثل خطرا كبيرا على المغرب، الذي استطاع، بفضل يقظته الأمنية تفكيك عشرات الخلايا الارهابية وإلقاء القبض على أكثر…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مكن التعاون والتنسيق بين مصالح الأمن المغربية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية، من تفكيك خلية إرهابية، الأسبوع الماضي، في مدينة وجدة شرق المغرب. تفكيك هذه الخلية المكونة من 4 أشخاص موالين لتنظيم “داعش”، تعكس أهمية التعاون الدولي لمكافحة التهديدات الإرهابية، ونجاعة الشراكات وتبادل المعلومات في ضمان نجاح عمليات مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، من ناحية. لكنها من ناحية أخرى، تسائل تمدد الإرهاب في غرب افريقيا، وانعكاسات ذلك على امن المغرب وامن المنطقة بالكامل.

لا شك ان تنامي الجماعات الارهابية في منطقة الساحل، وتجنيدها وتدريب اتباعها عبر الانترنت يمثل خطرا كبيرا على المغرب، الذي استطاع، بفضل يقظته الأمنية تفكيك عشرات الخلايا الارهابية وإلقاء القبض على أكثر من ألف من المشتبه في انتمائهم لمختلف التنظيمات الإرهابية، التي باتت منتشرة في افريقيا جنوب الصحراء، والتي وجدت فيها الملاذ الامن والارضية الخصبة لنمو الإرهاب.

 بين بوكو حرام، وجماعة نصرة الإسلام المرتبطة بالقاعدة، و”داعش” في غرب إفريقيا، و”داعش” في الصحراء الكبرى، وحركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة، وغيرها، بات الإرهاب أكثر تمددا في افريقيا بعدما تحول الاهتمام من القواعد الارهابية السابقة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، على التوالي، إلى منطقة الساحل ونيجيريا والقرن الإفريقي، وفي الآونة الأخيرة الساحل الجنوبي الشرقي للقارة. ومن خلال تتبع خارطة الإرهاب في افريقيا، يبدو ان عناصر التنظيمين (داعش والقاعدة) ينشطون بصورة كبيرة وبمنافسة دامة لتوسيع نفوذهم، واستقطاب وتجنيد عناصر جديدة، والاستيلاء على الأراضي، مستغلين في ذلك هشاشة الأوضاع في المنطقة وسهولة اختراق بعض حدودها. 

في منطقة الساحل، تفيد تقارير ان تنظيم “داعش في الصحراء الكبرى” استطاع الحفاظ على موقعه وإبراز تفوقه في نصب الكمائن وإطلاق قذائف الهاون واستخدام العبوات الناسفة، رغم الاشتباكات بين جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة للقاعدة، وقوات الأمن الفرنسية. ونجح عناصره في تجنيد عناصر جديدة، مستغلين في ذلك المظالم العرقية المحلية وسوء الأوضاع الاقتصادية. وينشط تنظيم “ولاية غرب إفريقيا” التابع لـ”داعش”، في جميع أنحاء حوض بحيرة تشاد، بما في ذلك شمال شرق نيجيريا، وجنوب شرق النيجر بشكل متزايد. وفي شمال مالي، هناك تصاعد مضطرد في عمليات ونشاط العناصر الإرهابية. ولا تزال حركة “نصرة الإسلام والمسلمين” تفرض سيطرتها على المناطق الريفية وتتوسع في جميع أنحاء مناطق الساحل الحدودية، رغم ما تتعرض له من هجمات من جانب القوات العسكرية الفرنسية، والميليشيات المتناحرة. 

في الضفة الأخرى من القارة، تشن حركة “الشباب”، في الصومال، هجمات في المناطق الريفية والعاصمة مقديشو، من خلال نصب الكمائن والاستخدام المتقن للألغام الأرضية وقذائف الهاون والعبوات الناسفة. كما تقوم بهجمات منسقة، خارج حدود الصومال، خاصة في كينيا. ومؤخرا، دعا زعيم الحركة، أبو عبيدة أحمد عمر إلى ضرب المصالح الأمريكية والفرنسية في جيبوتي، قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات الرئاسية في هذه الدولة الصغيرة في القرن الأفريقي، معتبرا إن “الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي حوّل البلاد إلى قاعدة عسكرية تجري بداخلها عملية التخطيط والإدارة للحرب ضد المسلمين في شرق أفريقيا.”

ما يزيد من حدة خطر الإرهاب في المنطقة هو المنافسة الشرسة بين التنظيمات الإرهابية المختلفة. فقد نقل تنظيم القاعدة وتنظيم “داعش” مركز ثقلهما من منطقة عملهما التقليدية في الشرق الاوسط الى الجماعات المرتبطة بهما في غرب وشرق القارة الافريقية، بالإضافة الى افغانستان. ويسعى كل واحد منهما الى التصعيد في عملياته للترويج لنفسه ككيان مهيمن، من خلال الاستيلاء على أراضي والموارد وتجنيد المزيد من المقاتلين والتحالف مع العصابات الاجرامية المتاجرة في السلاح والمخدرات، مما يضاعف من الخطر المحدق بالقارة.

امام هذا الخطر المتنامي، هناك تكاثف للجهود الدولية لمكافحة الإرهاب في افريقيا. من ناحية، هناك التدخل العسكري الفرنسي في غرب افريقيا. ومن ناحية أخرى، وان لم يكن الامر واضحا بعد، ربما سلكت إدارة بايدن نهجا مغايرا عن نهج إدارة ترامب، من خلال الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي في أفريقيا، لمواجهة التهديدات الإرهابية، وأيضا لعدم ترك فراغ أمني/استراتيجي يسمح للنفوذين الصيني والروسي بالتمدد هناك على حساب المصالح الأمريكية. والسؤال الى أي درجة تستطيع هذه التدخلات العسكرية القضاء على الإرهاب في المنطقة؟

الحق ان التدخل العسكري وحده لا يكفي في الحرب ضد الارهاب، وان هناك حاجة الى مكافحة تقودها الدول الأفريقية بنفسها، من خلال تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي فيما بينها، والايمان بأن أي خطر على دولة من المنطقة، يمثل خطرا على المنطقة بأسرها. وينبغي أيضا، تعزيز سياقات مواجهة تكون شاملة عبر تطوير استراتيجيات تقوم على علاج الأسباب الجذرية لنمو وتمدد الإرهاب، وتجفيف منابع التمويل، وحماية حقوق الأقليات العرقية، وتطوير سياسات فك العزلة الاقتصادية والإدارية ورفع التهميش عن الأقاليم النائية، لما تخلفه بين الأهالي من شعور بالمظلومية او عدم الانتماء، اللذان يشكلان احد اهم محركات التطرف، ويمنحان للتنظيمات الإرهابية عناصر جديدة تبقيها دائما على قيد الحياة وتسمح لها بالتمدد وتنفيذ مخططاتها.

ــــــــــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ١ أبريل ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب